مع إسدال الستار على سنة 2025، التي شكلت منعطفا مفصليا في مسار قضية الصحراء المغربية، يبرز التداخل العميق بين المكتسبات السياسية والدينامية التنموية كعنوان بارز للمرحلة الراهنة، وإذ يستشرف المغرب آفاق سنة 2026، فإن حصيلة العام المنصرم لم تقف عند حدود حشد الاعترافات الدولية غير المسبوقة بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وذي مصداقية، بل تعدتها لتجعل من الأقاليم الجنوبية قاطرة اقتصادية حقيقية تربط المملكة بعمقها الإفريقي.
وفي ظل هذا المشهد المتغير، يبدو أن الدبلوماسية الاقتصادية، مدعومة بمشاريع استراتيجية مهيكلة كميناء الداخلة الأطلسي وخط أنبوب الغاز، قد نجحت في حسم المعركة تقنيا وواقعيا على الأرض، محولة المنطقة من ساحة نزاع مفتعل إلى منصة عالمية للاستثمار، مما يمهد الطريق لترجمة هذا الواقع الملموس إلى تكريس قانوني أممي نهائي.
وفي هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي محمد جدري في تصريح لجريدة “العمق” أن المملكة المغربية حققت خلال سنة 2025 مكسبا سياسيا بالغ الأهمية فيما يتعلق بقضية الصحراء المغربية، مشددا على أن الاعتراف الأممي اليوم يتجه نحو قناعة راسخة باستحالة وجود أي حل خارج إطار الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وهو ما يعتبر أمرا جوهريا وحاسما في مسار هذا الملف الذي ينتظر طيه بشكل نهائي.
وأوضح المتحدث ذاته أن المغرب نوع من طرق معالجته لهذا النزاع المفتعل بصفة نهائية عبر الاعتماد على ركيزتين أساسيتين، تتمثل الأولى في الحل السياسي الذي أثبت أنه الأكثر واقعية ومصداقية، بينما تتعلق الركيزة الثانية بالدبلوماسية الاقتصادية التي تلعب دورا محوريا في هذا السياق، لافتا إلى أن العالم بأسره يدرك اليوم أن إفريقيا هي مستقبل الاقتصاد العالمي، حيث ستكون السوق الاستهلاكية الأولى خلال العشريات القادمة بأكثر من مليار ونصف المليار مستهلك، فضلا عن كونها القارة الأكثر شبابا وتوفرا على المواد الأولية.
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن المغرب يسعى، عبر أقاليمه الجنوبية، إلى إعداد منصة إفريقية تتوجه نحو القارة السمراء بدرجة أساسية، ونحو دول غرب إفريقيا بصفة خاصة، مبرزا أن هناك تهافتا ملحوظا من قبل القوى العالمية الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية والصين وتركيا وروسيا للاهتمام بالقارة الإفريقية، وهو ما استثمره المغرب عبر جعل أقاليمه الجنوبية منصة لجذب المستثمرين في مرحلة أولى، ثم تصدير الاستثمارات نحو العمق الإفريقي لتحقيق أرقام اقتصادية مهمة.
وأضاف جدري أن هذه الرؤية تترجمها مشاريع ضخمة على أرض الواقع، حيث سيغير الطريق السريع تزنيت-الداخلة من ملامح غرب إفريقيا في مجال عبور السلع والمسافرين، كما سيشكل ميناء الداخلة الأطلسي منصة لوجيستية هامة تنافس كبريات الموانئ العالمية وتوفر بنية تحتية حقيقية للعديد من الدول لتصدير منتجاتها، علاوة على مشروع خط أنبوب الغاز النيجيري المغربي الذي سيعبر أكثر من 15 دولة وصولا إلى أوروبا، مما يعزز الأمن الطاقي والاقتصادي للمنطقة.
وتابع المصدر ذاته حديثه بالتنويه بالاستثمارات الكبيرة للمجمع الشريف للفوسفاط الموجهة للمزارعين والفلاحين الأفارقة، سواء بالأسمدة أو التكوين، لضمان الأمن الغذائي، دون إغفال الدور الريادي الذي يلعبه المستثمرون المغاربة في قطاعات التأمينات والأبناك والبناء والأشغال العمومية على المستوى القاري، وهي كلها عوامل ستجعل من الأقاليم الجنوبية منصة تصديرية بامتياز تجذب رؤوس الأموال العالمية للاستقرار فيها والتوجه منها نحو الأسواق الإفريقية.
وخلص جدري في ختام تصريحه لـ”العمق” إلى أن هذا التكامل بين الحل السياسي الواقعي والدينامية الاقتصادية المتسارعة، لا يمكن أن يؤدي إلا إلى نتيجة حتمية تتمثل في الحل النهائي لهذا النزاع المفتعل، وخروج المغرب منتصرا عبر بسط سيادته الكاملة والشاملة على كافة ترابه الوطني.
المصدر:
العمق