آخر الأخبار

كيف يمكن تحويل أهداف العام الجديد إلى برنامج عملي للتوازن النفسي؟

شارك

مع إطلالة كل سنة ميلادية جديدة، يرصد المختصون تناميا ملحوظا في ظاهرة وضع الأهداف الفردية ومراجعة القرارات الشخصية؛ وهو سلوك يتجاوز كونه تقليدا اجتماعيا ليصبح موضوعا للتحليل في علم النفس الاجتماعي.

وسجل المختصون أن هذا الاندفاع السنوي يمثل آلية نفسية مرتبطة بكيفية إدراك الإنسان لزمنه ومساره العملي والشخصي، مشددين على أن القيمة الحقيقية لهذه الممارسة لا تكمن فقط في حماس البدايات؛ بل في مدى المرونة النفسية التي يظهرها الفرد تجاه أهدافه، حيث يُعتبر تعديل الطموحات أو التخلي عن التزامات لم تعد ملائمة مؤشرا على نضج اجتماعي ونفسي سليم، بينما يمثل الجمود والتمسك بمسارات غير واقعية عائقا أمام التوازن الداخلي. كما تبرز أهمية هذه المحطة السنوية في دورها كأداة لـ”المصالحة مع الذات”، إذ تمنح الإنسان فرصة لتجاوز إخفاقات الماضي وتخفيف الضغوط الناتجة عن تعدد الأدوار الاجتماعية؛ ما يحول العام الجديد من مجرد موعد زمني إلى وسيلة عملية لتجديد الأمل وتعزيز الاستقرار النفسي.

أوضحت بشرى المرابطي، الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي، أن ارتباط الأفراد ببداية السنة الجديدة يعكس دينامية صحية في بناء الهوية الشخصية؛ فهذه الهوية، حسب المقاربات النفسية، تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الاستكشاف، الالتزام، ثم إعادة النظر في الالتزام.

وأبرزت المرابطي، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التحول السنوي يشكّل مناسبة رمزية لمراجعة الالتزامات السابقة، سواء المهنية أو الأسرية أو الشخصية، على ضوء معطيات بيئية واجتماعية جديدة.

وأشارت الأخصائية النفسية والباحثة في علم النفس الاجتماعي إلى أنه “حين يضع الفرد لائحة أهداف جديدة، فهو لا يقوم فقط بتمرين ذهني، بل يعيد ترتيب علاقته بذاته ومساره؛ ما ينعكس إيجابا على توازنه النفسي ووضوح هويته.

وأضافت المتحدث عينها أن القدرة على تعديل الأهداف والتخلي عن التزامات لم تعد ملائمة، بدل التشبث بها رغم تغير الظروف، دليل على مسار نمائي نفسي واجتماعي سليم. أما الجمود ورفض المراجعة، فقد يشيران إلى انغلاق ينعكس سلبا على الصحة النفسية.

من جهته، ربط عادل الحساني، الخبير في علم النفس الاجتماعي، هذه الظاهرة بما يسميه “الحدّ الذهني الزمني”؛ فالسنة الجديدة تمثل فاصلا رمزيا بين ما كان وما سيكون، وتفرض على الفرد توقفا إجباريا وسط تسارع الحياة اليومية وضغوطها.

هذا التوقف، حسب تصريح الحساني لهسبريس، يحمل تناقضا نفسيا واضحا؛ فهو لحظة تأمل عميق وفي الآن ذاته لحظة قلق وجودي، إذ يجد الإنسان نفسه وجها لوجه مع أسئلة الإنجاز والمعنى والفشل وسط إدراك حاد لمرور الزمن ومحدودية الحياة.

ولا تنفصل هذه الرغبة الفردية عن السياق الجماعي. فبداية السنة تُرافقها، كما أوضح الخبير في علم النفس الاجتماعي، عدوى نفسية واجتماعية، حيث يتحدث الجميع عن “سنة جديدة”، “بدايات مختلفة”، و“فرص للتجدد”. هذا المناخ الجماعي يمنح الأفراد شرعية نفسية للتعبير عن أسئلة كانت مكبوتة طيلة العام.

وتتحول هذه اللحظة إلى فضاء منظم للتفريغ النفسي، يراجع فيه الفرد ما أنجزه وما أخفق فيه، ليس بالضرورة بحثا عن إجابات نهائية، بل من أجل الاعتراف، والتعبير، وكسر الصمت الداخلي الذي تفرضه وتيرة الحياة اليومية.

وأبرز الحساني أن هذا التوقيت بالذات محفّز لإعادة التفكير في المسار الشخصي لأنه يقوم على اتفاق جماعي غير معلن؛ فالفرد يعيد تحديد موقعه داخل شبكته الاجتماعية: هل تغيّرت أدواره؟ هل حققت اختياراته السابقة ما كان يتصوره؟ وهل الواقع يطابق التوقعات؟

هذه الأسئلة، وإن كانت ذات طابع فردي، إلا أنها تتغذى من الطقس الجماعي الذي يمنحها شرعية وهدوءا، ويحوّل القلق الوجودي إلى عملية مراجعة قابلة للتحمل النفسي.

في العمق، لا ترتبط بداية السنة فقط بالطموح أو التخطيط، بل أيضا بنوع من المصالحة الهادئة مع الذات. إنها لحظة يعزي فيها الإنسان نفسه، ويمنحها فرصة جديدة للاستمرار، رغم الإخفاقات والضغوط وكثرة الأدوار التي يضطر إلى أدائها لإرضاء الآخرين.

هكذا، تكشف قراءة علم النفس لظاهرة “أهداف السنة الجديدة” أنها ليست وهما جماعيا؛ بل ممارسة نفسية واجتماعية عميقة، تسمح بإعادة ترتيب المعنى، وتخفيف القلق، وتجديد الأمل… ولو لسنة أخرى.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا