آخر الأخبار

"الزمرة المتوحشة" و"سينما الويسترن" .. تفكيك الأسطورة وبناء العنف الأخلاقي

شارك

يفتح فيلم “الزمرة المتوحشة” أبوابه لا كفيلم يُشاهد، وإنما كتجربة تُعاش، كجرحٍ قديم يُعاد لمسه ببطء حتى يفيض بالأسئلة. وتأتي الصورة محمَّلة بغبار زمنٍ يحتضر، ويطلّ الغرب لا بوصفه أرضًا للبطولة، بقدر ما هو مرآة لقلق الإنسان حين يكتشف أن العالم تجاوزه.

وتنبض اللقطات بثقل الخطوات الأخيرة، وتتحرّك الشخصيات كأنها تعرف أن كل حركة قد تكون اعترافًا أخيرًا، وكل نظرة قد تكون وداعًا لا يُقال.

وتتقدّم الحكاية بلا استعجال، لكنها تضغط على القلب بإيقاعٍ خفي، وتدعونا إلى الإصغاء لما بين الرصاصة والصمت، بين العنف والحنين، بين الكرامة والبقاء. وهنا لا تُقاس البطولة بالنصر، وإنما بالوفاء للذات في لحظة السقوط. ويقول بايك بيشوب متحدّيًا الزمن: “ما يهمّ ليس إن كنا سنموت، بل إن كنا سنبقى أوفياء حتى النهاية”. وعند هذه العتبة، يصبح الفيلم سؤالًا مفتوحًا عن معنى أن تكون إنسانًا في عالمٍ لم يعد ينتظر أحدًا.

تفكيك الأسطورة

يُعدّ المخرج الأميركي سام بكينباه (Sam Peckinpah) أحد أكثر الأسماء إثارة للجدل في تاريخ سينما الويسترن، وفي تاريخ السينما الأميركية عمومًا. ولم يتعامل بكينباه مع الويسترن كنوع ترفيهي قائم على البطولة الواضحة والخير المنتصر، وإنما بوصفه مساحة أخلاقية معقّدة، تعكس سقوط القيم القديمة، وانكسار الرجولة التقليدية، وعنف العالم الحديث وهو يزحف على أسطورة الغرب الأميركي.

ظهر بكينباه في ستينيات القرن العشرين، في لحظة كانت فيها سينما الويسترن الكلاسيكية – كما قدّمها جون فورد وهوارد هوكس – تدخل مرحلة الأفول. لكن بدل أن يرث الشكل التقليدي، قام بتفجيره من الداخل. في فيلمه المبكر Ride the High Country – “اركب البلاد العالية” (1962)، قدّم وداعًا حزينًا لفكرة (رجل القانون الشريف)، من خلال شخصيات تدرك أنها لم تعد تنتمي إلى زمنها. وهنا تظهر لأول مرة ثيمة بكينباه الأساسية: أبطال شرفاء لكنهم مهزومون تاريخيًا.

وبلغ مشروعه ذروته في فيلمه الأشهر The Wild Bunch – “الزمرة المتوحشة” (1969)، الذي شكّل صدمة بصرية وأخلاقية. ولم يكن العنف في الفيلم تجميليًا ولا بطوليًا، وإنما فوضويًا، دمويًا، ومزعجًا. وقد استخدم بكينباه المونتاج البطيء (Slow Motion) ليجعل المشاهد يرى العنف بدل أن يستهلكه بسرعة، وكأنه يقول: هذا هو ثمن الأسطورة. وقد لخّص رؤيته بعبارة شهيرة: “العنف موجود في العالم، والسينما لا تخلقه، بل تكشفه”.

وكانت رؤية بكينباه للويسترن وجودية بامتياز، حيث الغرب عنده ليس مكانًا، وإنما حالة أخلاقية تحتضر. وأبطاله خارجون عن القانون، لكنهم يمتلكون شرفًا خاصًا، في عالم لم يعد يعترف بالشرف. وتتحول المواجهة في فيلم Pat Garrett and Billy the Kid – “بات غاريت وبيلي ذا كيد” (1973)، تتحوّل المواجهة إلى صراع داخلي بين صديقين سابقين، يمثل أحدهما النظام الجديد، والآخر الحرية القديمة. ويقول بكينباه ضمنيًا إن الخيانة ليست فردية، بقدر ما هي تاريخية.

ويؤمن المخرج بأن وظيفة السينما ليست التهدئة، وإنما الإزعاج الفكري حيث “الفيلم الجيد يجب أن يترك جرحًا صغيرًا في وعي المشاهد”، وهكذا عبّر عن قناعته. ولذلك جاءت أفلامه مليئة بالتناقضات: صداقة وعنف، شرف وخيانة، حنين وقسوة. أما وظيفة الممثل، فكان يراها قائمة على الصدق الجسدي والنفسي، لا الأداء المصقول. ولهذا عمل مع ممثلين مثل ويليام هولدن، إرنست بورغنين، ووارن أوتس، الذين جسّدوا الرجولة الهشة لا البطولية.

واتسمت علاقته بالمخرجين والنقاد بكونها كانت صدامية. فقد اصطدم مرارًا بالاستوديوهات بسبب رفضه التنازل عن رؤيته، وتعرّض لانتقادات قاسية تتهمه بتمجيد العنف، لكنه ردّ على ذلك قائلًا: “أنا لا أمجّد العنف، أنا أكرهه بما يكفي لأصوّره كما هو”. ومع مرور الزمن، أعاد النقاد قراءة أفلامه بوصفها نقدًا عميقًا للسلطة والتاريخ الأميركي.

وعلى المستوى الثقافي، تأثر بكينباه بالأدب التراجيدي وبالأساطير الإغريقية، حيث البطل يعرف نهايته لكنه يمضي نحوها بكرامة. وهذه الكرامة – لا الانتصار – هي جوهر الويسترن عنده. فالهزيمة قد تكون أخلاقية أو جسدية، لكن المهم هو الموقف الأخير.

والخلاصة، لم يكن سام بكينباه مجرد مخرج ويسترن، وإنما حفّارًا في ذاكرة هذا النوع السينمائي. وقد حوّل الويسترن من حكاية تأسيس إلى مرثية، ومن أسطورة وطنية إلى سؤال أخلاقي مفتوح. وبذلك، ترك سينما لا تُشاهد بسهولة، لكنها لا تُنسى أبدًا.

مرثية الغرب

يقدّم فيلم “الزمرة المتوحشة” رؤية سينمائية صادمة ومغايرة لما اعتاده المتفرج في أفلام الويسترن الكلاسيكية، إذ لا يتعامل مع الغرب الأميركي بوصفه فضاءً للبطولة والنقاء، وإنما كعالم يحتضر، تتآكل فيه القيم القديمة تحت ضغط العنف والتاريخ والتحديث القسري. ويندرج الفيلم ضمن الويسترن revisionist، أو الويسترن التفكيكي، حيث تُفكَّك الأسطورة بدل تمجيدها، ويُعاد طرح سؤال الشرف في زمن لم يعد يعترف به.

ويروي الفيلم حكاية مجموعة من الخارجين عن القانون، يقودهم بايك بيشوب، يعيشون أيامهم الأخيرة في عام 1913، حين بدأ الغرب القديم يختفي أمام زحف السكك الحديدية والسلاح الحديث والسلطة المركزية. ويتنقّل هؤلاء بين السرقة والهروب، لا بدافع الطمع وحده، وإنما بدافع البقاء في عالم لم يعد لهم فيه مكان. ويطاردهم صديقهم السابق ديك ثورنتون، الذي يعمل الآن لصالح السلطة، في مفارقة أخلاقية تُحوّل الصداقة إلى مواجهة، والاختيار الشخصي إلى حكم تاريخي.

ويكشف الفيلم من خلال شخصياته عن بشر لا أبطال، رجال متعبين يعرفون أنهم ينتمون إلى زمن انتهى. ويتقدّم بايك باعتباره قائدًا يحمل بقايا شرف قديم، لا يبرّر أفعاله لكنه يرفض الخيانة. ويقول في إحدى لحظات الفيلم: “عندما تبدأ بإطلاق النار، افعل ذلك حتى النهاية”، وهي عبارة تختصر فلسفة البقاء الأخيرة التي تحكم هذا العالم: لا أنصاف حلول، ولا تراجع.

وتتمثّل فكرة الفيلم الكبرى في علاقته بالعنف، إذ لا يقدّمه كأداة بطولية، وإنما كواقع فوضوي ومدمّر. ويستخدم سام بكينباه العنف ليجرّد المشاهد من متعة الاستهلاك السريع، فيجبره على النظر، على التأمل، وعلى الإحساس بثقل الفعل ونتيجته. ولا يصبح العنف هنا وسيلة خلاص، وإنما علامة على الانهيار الأخلاقي والاجتماعي. ويقول أحد أفراد الزمرة: “نحن لسنا أفضل منهم، لكننا لسنا أسوأ”، لتتلاشى الحدود التقليدية بين الخير والشر.

خطاب أخلاقي

تتشكل بنية الفيلم السردية على إيقاع دائري، ويبدأ بمحاولة سرقة فاشلة وينتهي بمجزرة نهائية، وكأن السرد نفسه محكوم بالمصير. ولا يسعى الفيلم إلى حبكة معقّدة بقدر ما يراكم الإحساس بالنهاية الوشيكة. وتتقدّم الأحداث ببطء محسوب، يتخلله انفجار عنيف، ثم صمت ثقيل، في خطاب سينمائي يجعل الزمن نفسه عنصرًا دراميًا.

وتتجلّى هوية الفيلم الفيلمية في أسلوبه الإخراجي الفريد، حيث يعتمد بكينباه على المونتاج المتوازي، والتصوير البطيء، وتقطيع المشاهد أثناء العنف، ليحوّل الفعل الواحد إلى تجربة حسية وأخلاقية. ولا يهرب المشاهد من الدم، لكن الدم لا يُقدَّم كفرجة، وإنما كإدانة ضمنية. ويفرض الإخراج مسافة بين المتفرج والمتعة، ويضعه أمام سؤال: لماذا نشاهد هذا؟

وتنطلق الرؤية الإخراجية من خلفيات فلسفية وأدبية واضحة، تتقاطع مع التراجيديا الكلاسيكية، حيث يعرف الأبطال نهايتهم لكنهم يختارون المضي إليها بكرامة. تتقاطع كذلك مع الأدب الأميركي النقدي الذي شكّك في أسطورة التأسيس، ومع سياق اجتماعي مشحون أواخر الستينيات، زمن حرب فيتنام وانهيار الثقة بالسلطة. يصبح الغرب في الفيلم استعارة لأميركا المعاصرة آنذاك، أمة مسلّحة، منقسمة، وتائهة أخلاقيًا.

وتطرح النهاية واحدة من أكثر لحظات السينما قسوة وتأثيرًا، حين يختار أفراد الزمرة العودة لمواجهة حتمية، لا بدافع النصر، وإنما بدافع الوفاء لأنفسهم، حيث يقول بايك قبل المواجهة: “لن نتركهم يفعلون ما يشاؤون”، لتتحوّل المعركة إلى فعل كرامة أخير، لا إلى محاولة نجاة.

ويخلص الفيلم إلى أن الأسطورة لا تموت بهدوء، وإنما بعنف، وأن الشرف في عالم فاسد لا ينقذ صاحبه، لكنه يمنحه معنى. ويثبت فيلم “الزمرة المتوحشة” أنه ليس فيلم ويسترن عن الماضي، بقدر ما هو فيلم عن الإنسان حين يفقد زمنه، وعن السينما حين تجرؤ على النظر في الجرح بدل تضميده. وهكذا يبقى العمل شاهدًا على قدرة الفن على مساءلة التاريخ، لا تمجيده، وعلى تحويل النوع السينمائي إلى خطاب أخلاقي مفتوح لا يهدأ.

الفوضى المحسوبة

يؤسس فيلم “الزمرة المتوحشة” مشاهده البصرية منذ مشاهده الأولى، حين تتجاور براءة الطفولة مع قسوة السلاح، في افتتاحية تصوغ بيانًا جماليًا لا لبس فيه. ويُدخل سام بكينباه المشاهد إلى عالم تتكسّر فيه الثنائيات، حيث لا نقاء بلا دم، ولا ذاكرة بلا خيانة. وتُبنى الصورة هنا لا بوصفها إطارًا سرديًا فحسب، وإنما كحقل توتر أخلاقي، تُرى فيه الأشياء على حافتها القصوى.

ويُفعّل الإخراج مفهوم الصدمة البصرية عبر مونتاج متقطّع يبطّئ الزمن عند الذروة ويُسرّعه عند الانفجار. ويُحوِّل التصوير البطيء لحظات الموت إلى تأمل قاسٍ في الجسد وهو يتلقى أثر العنف، لا ليُجمِّله، وإنما ليكشف ثمنه. وتُصبح الرصاصة حدثًا ممتدًا، وتغدو السقطة سؤالًا أخلاقيًا. ويقول أحد أفراد الزمرة في لحظة مكثفة: “العالم تغيّر، ونحن لم نتغيّر معه”، فتتجسّد العبارة صورةً قبل أن تكون كلامًا.

ويُعيد الفيلم تعريف المشهد عبر مشهد السرقة الافتتاحي، حيث تُدار الكاميرا بين الوجوه، والأقنعة، والخيول، فتتشابك الحركة مع الإيقاع لتصنع فوضى محسوبة. وتُستبدل البطولة الكلاسيكية بارتباك جماعي، وتُستبدل اللقطة الثابتة بتيار بصري متدافع. وتُعلن هذه البداية هوية فيلمية ترى الويسترن مرثية لا احتفالًا.

ويُعمّق الفيلم جمالياته في مشاهد العبور الحدودي، حيث تتبدّل الألوان وتلين الإضاءة، فتُقرأ الحدود لا كجغرافيا، بقدر ما هي حالة انتقال أخلاقي. وتُقابِل الكاميرا الوجوه المتعبة بفضاءات مفتوحة، في تناقض يُبرز وحدة الإنسان أمام اتساع العالم. ويقول بايك بهدوء قاتم: “نحن نعيش لأننا لا نعرف كيف نتوقّف”، فتغدو الجملة مفتاحًا بصريًا لسردٍ يتقدّم بلا رجعة.

يُبرز الفيلم جماليته القصوى في مشهد الوليمة قبل النهاية، حيث يسود الصمت أكثر مما تسود الكلمات. وتُصوَّر الأجساد في وضعيات انتظار، وتُترك المسافات بين الشخصيات تتكلم. وتُحوِّل الكاميرا الطاولة إلى مسرح اعتراف صامت، وتُحوِّل النظرات إلى حوار أخلاقي. وتُمهِّد هذه الحالة السكونية لانفجار لاحق، فتشتغل الجمالية على مبدأ التراكم لا المفاجأة.

ويُفجِّر الختام المشهد الأكثر حضورًا في ذاكرة السينما، حين تتقاطع البطء والسرعة، والضجيج والصمت، في مجزرة لا تُرى كذروة حركية فقط، وإنما كخلاصة فلسفية. وتُجزّأ الحركة إلى لقطات قصيرة، وتُعاد تركيبها لتصنع شعورًا باللاجدوى. ويقول أحدهم قبيل المواجهة: “إن كان لا بد من النهاية، فلتكن على طريقتنا”، فتتحوّل العبارة إلى توقيع بصري على مفهوم الكرامة.

وتُحاور التعبيرات الجمالية خلفيات ثقافية وأدبية واضحة، تستدعي التراجيديا الإغريقية حيث يعرف الأبطال مصيرهم ويختارونه. وتُجاور هذه الخلفية سياقًا اجتماعيًا معاصرًا لزمن الإنتاج، فتنعكس أزمة السلطة والعنف المؤسسي في صورة غربٍ يحتضر. وتُصبح المشهد الجمالي هنا نتاج تفاعل بين أسلوب وموقف، وبين تقنية ورؤية.

ويُثبت الفيلم، في محصلته الجمالية، أن الجماليات الفيلمية ليست مشهدًا معزولًا، وإنما نظامًا بصريًا وأخلاقيًا متكاملًا. وتُبنى الصورة لتُقاوم الاستهلاك السريع، وتُصاغ التعبيرات لتترك أثرًا طويل الأمد. ويُغادر المشاهد العمل وهو يحمل صورًا لا تُمحى، لا لأنها جميلة فحسب، وإنما لأنها صادقة وقاسية. وهكذا ينجز فيلم “الزمرة المتوحشة” درسه الأكبر: حين تبلغ السينما أقصى صدقها، تصير أيقونة.

وجوه النهاية

يقدّم فيلم “الزمرة المتوحشة” بطله لا بوصفه مركز بطولة، وإنما بوصفه بؤرة انكسار. ويظهر بايك بيشوب قائدًا يحمل شرفًا متآكلًا، ويقود رجالًا يعرفون أن زمنهم انتهى. ويتحرّك هذا البطل في مساحة أخلاقية رمادية، لا يدّعي الطهارة ولا يطلب الغفران، وإنما يطلب الاتساق مع الذات. ويقول بايك في لحظة مكثفة: “ما يهمّ ليس كيف نعيش، بل كيف ننتهي”، فتتحدّد البطولة هنا كاختيار أخير لا كانتصار.

ويكشف البناء الشخصي لبايك عن رجلٍ مثقل بالذاكرة، مطاردٍ بالذنب، ومشدودٍ إلى فكرة الوفاء. ويتقدّم وعيه بالزمن بوصفه وعيًا بالموت، فتغدو قراراته أقل تردّدًا وأكثر حسمًا. ويُقابل هذا الوعي حضور ديك ثورنتون، الصديق القديم الذي صار ذراع السلطة. ويُجسّد ثورنتون انقسام الذات الواحدة بين الحرية والنظام، ويقول في أحد المشاهد: “لا أحد يختار السلسلة التي يربط بها نفسه”، فتتحوّل العلاقة بين الرجلين إلى مرآة نفسية لتاريخٍ يخون أبناءه.

ويرسم الفيلم شخصيات الجماعة لا كتوابع للبطل، وإنما كأصوات متعدّدة داخل مصير واحد. ويظهر ليل غورتش ببراغماتية قاسية، ويطلّ داتش بوفاء صامت، ويقدّم كل منهم تعريفه الخاص للشرف. وتتجاور النزعة العبثية مع الإخلاص، وتتماسك الجماعة برباطٍ هشّ لكنه حاسم. ويقول أحدهم: “نحن معًا لأننا لا نعرف مكانًا آخر”، فتُعرَّف الجماعة بوصفها ملجأ نفسيًا قبل أن تكون تنظيمًا إجراميًا.

ويُحمِّل المكان وظيفة رمزية تتجاوز الخلفية الجغرافية. ويتحوّل الغرب الأميركي إلى فضاء يلفظه التحديث، حيث السكك الحديدية والبنادق الآلية تُقصي الخيول والطقوس القديمة. وتتبدّل الأمكنة بين بلدات خانقة وحدودٍ مفتوحة، في استعارة لحالة انتقال اجتماعي عنيف. ويُصوَّر العبور إلى المكسيك بوصفه محاولة استعادة زمنٍ أقل قسوة، لكن المكان نفسه يخذل ساكنيه، فيقول أحدهم: “الأرض لا تحفظ الوعود”.

باب الخوف الجماعي

يفتح البعد النفسي للفيلم بابًا على خوفٍ جماعي من الزوال. وتتقدّم الشخصيات وهي مدفوعة بقلق البقاء أكثر من رغبة الربح، وتعيش تناقضًا بين توقٍ إلى النظام وحنينٍ إلى الفوضى. يُصبح العنف لغة تواصل حين تفشل الكلمات، ويغدو الصمت علامة إدراك. وتُقرأ المواجهات لا كمعارك، بقدر ما هي جلسات اعتراف متأخرة.

ويعكس البعد الاجتماعي سياقًا تاريخيًا يتفكّك فيه العقد القديم بين الفرد والمجتمع. وتُقدّم السلطة بوصفها باردة، نفعية، وقابلة للاستبدال، بينما يُقدّم الخارجون عن القانون بوصفهم بقايا أخلاق غير صالحة للاستمرار. ويقول ثورنتون بمرارة: “لا يحتاج النظام أصدقاء، يحتاج منفّذين”، فتتضح المفارقة بين الانتماء والنجاة.

يركّز البعد الرمزي على ثيمة الكرامة كقيمة أخيرة. وتتراكم الإشارات البصرية من نظراتٍ متبادلة، ووضعيات جسدية، ومسافات مدروسة، لتعلن أن النهاية ليست حادثًا وإنما موقفًا. وتُختار العودة إلى المواجهة لا كتهوّر، وإنما كقرار وجودي. ويقول بايك قبيل النهاية: “إن لم نقف الآن، فلن نقف أبدًا”، فتُختم الرحلة بإعادة تعريف المعنى.

وينتهي الفيلم بتأكيد أن البطولة ليست صفة فردية، فهي علاقة بين الإنسان وزمنه. وتتشكّل الشخصيات والمكان في نسيجٍ واحد، يُفصح عن غربٍ لم يعد مكانًا، وإنما سؤالًا مفتوحًا. ويظلّ هذا السؤال معلّقًا بعد انطفاء الصورة، لأن “الزمرة المتوحشة” لا تروي حكاية نهاية فقط، بقدر ما يصغي إلى صداها النفسي والاجتماعي والرمزي كزمن طويل الأمد.

تنقضي رحلة فيلم “الزمرة المتوحشة” ولا يترك المشاهد إلا محمّلًا بصدى الأسئلة الكبرى عن الوفاء والزمن والموت، فالنهاية ليست مجرد موتٍ جماعي، وإنما إعلان صريح عن كرامة تُدافع عن نفسها في عالمٍ قاسٍ. وتتردد الكلمات الأخيرة مثل صدى بعيد، حيث يقول أحد أفراد الزمرة: “لن نركع لأحد، حتى لو كان العالم كله يقف أمامنا”، ويضيف بايك بيشوب بهدوء قاتم: “حين ينهار كل شيء، تبقى الحقيقة الوحيدة هي ما نختاره نحن”. وتختتم الصورة بانكسار الأسطورة وبهاء البطولة الأخلاقية، تاركة أثرًا لا يُمحى في وجدان كل من شهد هذا الغرب الذي يحتضر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا