برزت في السنوات الأخيرة حالات تتجه فيها بعض العلاقات الزوجية المنتهية نحو مسارات غير مألوفة؛ إذ يلجأ أحد الطرفين أو كلاهما إلى التشهير وكشف أسرار الحياة المشتركة السابقة، فيتحول الانفصال من نهاية طبيعية لعلاقة زوجية لم تستمر إلى مساحة للصراع بين الطرفين، وإعادة إنتاج التوتر عن بعد.
ويمكن مقاربة هذا الموضوع من منظور نفسي، بالنظر إلى ما يرافق الانفصال من مشاعر وجدانية معقدة؛ إذ تظهر لدى بعض الأطراف حالات غضب وجرح عاطفي وشعور بعدم الرضى أو الإنصاف، ما يجعل سلوك التشهير عبر مواقع التواصل الاجتماعي انعكاسا لصعوبات نفسية داخلية في حاجة للدراسة، أكثر مما هو اختيار واعٍ أو مدروس.
تُثار حول هذه الحالات تساؤلات حول الدوافع النفسية التي تجعل بعض الأطراف يميلون إلى كشف الأسرار بعد الانفصال، وحول السبل التي تمكّن الفرد من تجاوز الغضب والجرح العاطفي بطريقة متوازنة لا تُلحق الأذى بالآخر، إضافة إلى البحث في الاستراتيجيات العملية التي تساعد الطرفين على بناء توازن نفسي جديد يحافظ على الاحترام المتبادل ويحدّ من أي ممارسات مسيئة قد تتحوّل إلى قضايا رائجة أمام المحاكم.
في هذا الإطار، قالت ندى الفضل، أخصائية نفسية معالجة إكلينيكية، إن “لجوء بعض الأزواج إلى التشهير أو كشف أسرار الحياة الزوجية بعد الانفصال يعود إلى مجموعة من العوامل النفسية المعقّدة التي ترتبط غالبا باضطراب في تنظيم المشاعر”، مضيفة أن “الشخص الذي يشعر بجرح نرجسي عميق، أو بانهيار في صورته الذاتية عقب انتهاء العلاقة، قد يبحث لا شعوريا عن استعادة توازنه عبر تشويه صورة الطرف الآخر”.
وأكدت الفضل أن “الغضب غير المعالَج والانفعالات المكبوتة يلعبان دورا محوريا؛ إذ يتحول الإحباط المتراكم إلى سلوك انتقامي يُترجم في الفضح والتشهير”، موضّحة أن “هذا السلوك قد ينبع من حاجة قوية للسيطرة بعد فقدان التحكم في مجرى العلاقة، أو من اعتماد عاطفي يمنع الانفصال النفسي الكامل، فيدفع الشخص للحفاظ على نوع من الارتباط، حتى لو كان سلبيا، وهذا الميل يعكس غياب الحدود الداخلية الصحيّة وضعف القدرة على فصل ما هو خاص عمّا يجب أن يبقى خارج دائرة العلن”.
وأشارت المتحدثة ذاتها إلى أن “تجاوز مشاعر الغضب والجرح العاطفي بعد الانفصال يتطلب مسارا علاجيا يهدف إلى إعادة تنظيم المشاعر واستعادة التوازن الداخلي، ويبدأ ذلك عادة بمساعدة الشخص على فهم طبيعة انفعالاته وإعادة صياغة الأفكار المرتبطة بالانتقام أو التشويه، وذلك عبر تدخلات العلاج المعرفي السلوكي أو تقنيات العلاج الجدلي التي تعزّز القدرة على تحمل الضيق وتنظيم الاندفاعات”.
ونبّهت الأخصائية النفسية المعالجة الإكلينيكية، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، إلى أن “التفريغ الانفعالي الآمن، سواء من خلال الكتابة العلاجية أو مشاركة المشاعر مع مختص، يُعتبر وسيلة فعّالة لتحويل الطاقة السلبية التي قد تدفع إلى الإيذاء”.
لفتت ندى الفضل إلى أن “العمل يساعد على بناء هوية جديدة مستقلة عن العلاقة السابقة في تقليل التعلق المؤلم، فيما تُشجّع تقنيات التعاطف المعرفي على رؤية الطرف الآخر كإنسان يملك نقاط ضعف، وليس كخصم يجب ردعه أو إذلاله”، موردة أن “خطة السلامة النفسية تساهم في منع القرارات الاندفاعية عبر التفكير في العواقب العاطفية والاجتماعية والقانونية لكل خطوة قبل اتخاذها، ما يجعل التعافي عملية واعية ومسؤولة”.
وقالت الفضل إن “بناء توازن نفسي سليم بعد انتهاء العلاقة يتطلب اعتماد مجموعة من الاستراتيجيات التي تساعد على خلق مرحلة انتقالية هادئة ومضبوطة، موضحة أن “من أهم هذه الاستراتيجيات وضع حدود واضحة تحمي الطرفين، سواء من خلال اتفاق مباشر أو ضمني يضمن الخصوصية ويمنع التشهير أو تبادل الاتهامات، كما يساعد الانفصال التدريجي الصحي، عبر تقليل التواصل وخلق مسافة نفسية، على تهدئة الانفعالات وإعادة ترتيب المشاعر بعيدا عن التوتر”.
وفي هذه المرحلة، شددت الأخصائية النفسية على أن “تركيز كل طرف على تطوير ذاته يُعدّ عنصرا أساسيا، من خلال الانخراط في أنشطة صحية، وإعادة بناء شبكة اجتماعية داعمة، وتبني نمط حياة يعزز التوازن الداخلي”، معتبرة أن “تحويل التجربة السابقة إلى فرصة للتعلم والنمو يُعتبر خطوة محورية تساعد على إغلاق مرحلة دون عداء”.
وختمت ندى الفضل تصريحها بالتأكيد على أن “دعم الوسط العائلي أو المهني يلعب دورا في تعزيز مناخ يحترم الخصوصية ويحدّ من السلوكيات المؤذية، كما يظل تقبّل النهاية، وتقبّل الذات، وتقبّل اختلاف الآخر، أعمق أدوات إعادة البناء النفسي والمحافظة على الاحترام بعد الانفصال”.
المصدر:
هسبريس