آخر الأخبار

حين تتحول الأقمشة إلى هوية .. "عبث الموضة" في عصر الاستهلاك

شارك

“Il n’y a plus de mode, rien que des vêtements”
Karl Lagerfeld

الثيابُ التي تُفكرُ بدلًا مِنَّا

أية لعبة خفية تجعل من سروال مثقوب علامة على الثراء، ومن جسد هزيل معيارًا للجمال، ومن حقيبة صغيرة شبيهة بمِقْلَمة أطفال رمزًا للأناقة الرجولية، ومن قميص مستعمل يحمل اسم فريق لم نسمع به قط بطاقة هوية تُباع بالكيلو؟ أهي الموضة وقد تحولت إلى مسرح للعبث الاجتماعي، حيث يُعاد تدوير الفقر والهزال والطفولة والهوية المجهولة في هيئة ترف فاخر؟ أم هو السوق وقد وجد في اللاَّمعنى نفسه بضاعة مربحة، يُغلفها في واجهات لامعة ويبيعها على أنها علامات للتميز؟ وكيف أمكن أن تنقلب المعايير بهذا الشكل المدهش: من الفقر إلى الثراء، من المرض إلى الجمال، من الطفولة إلى الرجولة، ومن الهوية إلى المجهول؟

كيف يصبح الثوب مرايا مضللة لهويتنا؟

اللباس قماش يحمينا من البرد أو يستر عوراتنا. حين نرتدي الملابس، لا نغطي أجسادنا فحسب، وإنما نغطي أرواحنا أيضًا. الموضة تقول لك: “اختر قناعك اليوم، لتعرف من أنت، أو بالأحرى: لتعرف كيف يراك الآخرون.” كان الكهنة في العصور القديمة يرتدون لباسًا يربطهم بالسماء. اليوم، الدور نفسه يلعبه شعار صغير على الحذاء أو حقيبة يد تُباع بسعر سيارة؛ الفرق الوحيد أن الكهنة آمنوا بالخلود، أما نحن فنؤمن “بموسم الموضة المقبل”. الملابس في جوهرها خدعة لأنها محاولة لإقناع العالم أننا “أكثر” مما نحنُ عليه. البدلة الرسمية تقول: “أنا مهم”، والفستان الملوّن يقول: “أنا مرحة”، والجاكيت الجلدية تقول: “أنا متمرّد”. لكن الحقيقة أن البدلة تخنق، والفستان يحدّ الحركة، والجلد يسبب العرق.

تكمن الميتافيزيقا الساخرة للموضة في هذا التناقض: نرتدي لنخفي، لا لنكشف؛ نزيّن الجسد لنشوّش على الروح؛ نشتري الثوب لأننا نخشى مواجهة فراغنا الداخلي عراةً. تخيّل لو أن الأرواح نفسها تدخل عرض أزياء. كيف ستبدو؟ هل ستختار “تصميمات شفافة” تكشف حقيقتها؟ أم أنها ستتبعنا نحن البشر وتفضّل أقنعة أكثر لمعانًا من جوهرها؟ هكذا تصبح الموضة مختبرًا فلسفيًا: من يعرّف الإنسان؟ المشاعر؟ والروح، أم القدرة على ارتداء قطعة سخيفة والمشي بها كأنها إنجاز حضاري.

السراويل الممزقة وحكاية الترف المقنع

ليست الموضة مجرد أقمشة تُخاط أو أحذية تُلمَّع أو عطور تُبَخّ، إنها ديانة سرّية من غير كتاب مقدّس، طقوسها تُمارس في المتاجر الكبرى، وكهنتها هم مصمّمو الأزياء الذين يتكلّمون لغة غامضة نصفها فرنسي أو إنجليزي أو إيطالي ونصفها الآخر هذَيان. إنك حين تدخل متجرًا فخمًا، تُشعرك الأسعار بأنك ضيف في قاعة محكمة دولية: لا شيء يقلّ عن حكم مؤبّد، ولا شيء يُباع دون أن ينهب راتبك المسكين. تعلّمنا الموضة اليوم أن السروال الممزق أغلى من السليم، وأن القمصان التي تبدو وكأنها نجت من معركة مع قطة شرسة تُباع باعتبارها “آخر صرخة”. لم تعد الأناقة تقتضي نظافة أو تناسقًا، أضحت تحتاج فقط إلى “علامة” محفورة مثل الوشم على صدرك. صار الحرف الأول من اسم دار الأزياء هو بطاقة عبورك الاجتماعية، وكأنك جُندي في جيش عالمي لا يحمل إلا شعارًا مبهرجًا بدل الرتبة.

لم تكن الموضة يومًا مجرد خيار جمالي أو ترف شخصي، كانت دوما لغة اجتماعية مشحونة بالرموز، تكشف عن تحولات القيم والمعايير في المجتمع. ومن أبرز الأمثلة التي تفضح هذا البعد الرمزي ما اصطلح على تسميته بـ”الممزق”، أي السراويل المثقوبة والمقطعة عمدًا، والتي خرجت من هامش الفقر والحاجة إلى واجهة الثراء الاستهلاكي. فما كان بالأمس علامة على العَوَز والاهتراء بفعل الزمن صار اليوم منتجًا فاخرًا تُسوّقه كبرى العلامات التجارية بأسعار مبالغ فيها، ليغدو دليلًا على مكانة اجتماعية متخيلة أكثر مما هو حاجة مادية. من هنا، يكمن سر جاذبية “الممزق” في قلبه للمعادلة الاجتماعية بين الغنى والفقر، بحيث يتقمص الأثرياء رمزية البساطة القسرية التي عاشها الفقراء يومًا، لكن بعد تحويلها إلى استعراض للقدرة الشرائية. هنا تتجلى مفارقة ثقافية عميقة: فالثقب الذي كان يُحيل على التهالك صار يرمز إلى الجرأة والاختلاف، والتمزق الذي كان يستدعي نظرة شفقة أضحى علامة على حداثة متمردة. وهكذا ينكشف الوجه الخفي للموضة باعتبارها آلية لإعادة تدوير المعاني الاجتماعية وإفراغها من سياقها الأصلي، ثم إعادة توظيفها في سوق الاستهلاك المترف.

ولعل أخطر ما يكشفه هذا التحول هو زيف المعايير التي تُقاس بها المكانة في المجتمعات المعاصرة. فالممزق، بما هو “ترف مُقَنَّع في هيئة فقر”، يفضح سطحية النزعة الاستهلاكية التي تجعل من الوهم سلعة، وهو في الآن ذاته مرآة لثقافة تحترف تحويل كل ما هو هامشي أو مأساوي إلى عنصر جمالي مُعلَّب، قابل للتداول في الأسواق الكبرى. بذلك يغدو “الممزق” صيحة موضة ودرسًا اجتماعيًا في كيفيات تحويل المعاناة إلى ديكور، والفقر إلى إكسسوارٍ فاخر، واللامعنى إلى هوية.

جمالٌ مستعارٌ يبيعُ هيكلًا عظميًا

لم يعد الجسد في الثقافة المعاصرة مجرد كيان بيولوجي، فقد أصبح نصًّا بصريًا مشحونًا بالرموز والدلالات، تتدخل فيه قوى السوق والإعلام لصياغة مقاييس مثالية للجمال. ومن أكثر هذه المقاييس إثارة للجدل ما يمكن تسميته بـ”عارضات الهيكل العظمي”، أي ذلك النمط الجسدي الذي يُروَّج له بوصفه ذروة الأناقة والرشاقة، رغم اقترابه المَرَضي من الهزال. لقد تحولت النحافة، التي كانت في سياقات سابقة علامة على الفقر وسوء التغذية، إلى معيار للجمال الراقي، وتجلٍّ صارخ للقدرة على التحكم الصارم في الجسد، بما يكشف عن انقلاب في أنساق القيم المرتبطة بالمظهر الخارجي.

لا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن آليات صناعة الصورة في الإعلام والإعلانات وصناعة الأزياء، حيث يُعاد إنتاج الهزال بوصفه جمالًا استثنائيًا، ويُسوّق للنساء باعتباره شرطًا للقبول الاجتماعي والنجاح المهني. فكلما اقترب الجسد من حدود الفراغ العظمي، زادت قيمته الرمزية في السوق البصرية، وكأنه يعلن عن انتصار الإرادة على الطبيعة، وعن قدرة الفرد على تحويل جسده إلى منتج قابل للتداول. وفي هذا السياق، يصبح الجمال ليس انعكاسًا للصحة أو الحيوية، وإنما علامة استهلاكية محضة، تفصل الجسد عن وظيفته الطبيعية وتُخضعه لمنطق العرض والطلب. تكمن خطورة هذه الظاهرة في أنها لا تُفرغ الجسد من معناه الحيوي فحسب، بقدر ما تُحوّل المعاناة إلى سلعة، وتُكرّس نمطًا جماليًا قد يقود إلى اضطرابات الأكل وأشكال متطرفة من العنف الموجّه ضد الذات. إن “عارضات الهيكل العظمي” يكشفن عن عمق المأزق الثقافي الذي يجعل من الهزال مثالية جمالية، في وقت يحتاج فيه الإنسان إلى استعادة علاقة أكثر اتزانًا بجسده، علاقة تنأى به عن منطق الاستلاب البصري الذي يفرضه السوق. هكذا يظهر أن الجمال، بدل أن يكون احتفاءً بالحياة، قد تحول في زمن الاستعراض إلى قناع للموت البطيء.

حين تصبح طفولة الرجل ترفًا فاخرًا

ليست الحقيبة الصغيرة التي يحملها كثير من الرجال اليوم مجرد إكسسوار عملي لتجميع المفاتيح والهاتف وبعض الأوراق، إنها علامة بصرية تختزل تحولات جذرية في مفهوم الرجولة والذوق. هذا الملحق، الذي يشبه في هيئته “مِقْلَمة” أطفال، يفصح عن انتقال الموضة من كونها أداة للتمايز الاجتماعي إلى كونها وسيلة لإعادة تشكيل “الهويات الجندرية”. فحجم الحقيبة لا يعكس اقتصادًا في الوظيفة بقدر ما يعلن انخراطًا في لعبة رمزية حيث يتقاطع الطفولي مع العصري، والهشاشة مع الأناقة، في مشهد يختبر حدود الصورة النمطية عن الرجل. إن تبنّي هذه الحقيبة المصغرة يكشف عن رغبة خفية في الانفلات من ثقل الرموز التقليدية المرتبطة بالرجولة. فالرجال الذين يحملونها يبدون وكأنهم يغامرون بالخروج من صورة “المحافظ الكبير” أو “الجيب الممتلئ”. في مقابل ذلك، تُقدَّم “المِقْلَمة” بوصفها تمرّدًا أنيقًا على فكرة أن الرجل لا يحق له الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة أو اقتناء ملحقات توصف عادة بأنها أنثوية أو طفولية. وهكذا، تصبح الحقيبة المصغرة إعلانًا عن تحوّل في تمثلات الجسد والهوية، بقدر ما هي سلعة في واجهات الموضة العالمية.

لكن هذه الموضة تحمل في طياتها أيضًا مفارقة جليّة: فبينما تُسوَّق الحقيبة الصغيرة بوصفها ضرورة عملية في زمن السرعة والتقنيات المحمولة، فإن حضورها الجمالي الطاغي يفضح أنها أقرب إلى ديكور استهلاكي منها إلى أداة نفعيّة؛ هي ملحق ينتمي إلى اقتصاد الاستعراض أكثر من انتمائه إلى الحياة اليومية، حيث يُعاد إنتاج ما هو “طفولي” في هيئة “ترف رجولي”، وما هو “ثانوي” في هيئة “موضة أساسية”. بذلك تُظهر هذه الحقيبة أن الموضة، حتى في أصغر تفاصيلها، ليست بريئة، إنها خطاب اجتماعي مُشفّر يفاوض الحدود بين الأدوار، ويحوّل الطفولة نفسها إلى إكسسوار فاخر يُباع في متاجر الرفاهية.

القمصان المستعارة: الهوية التي لا نعرفها

تكتسب الملابس المستعملة الواردة من الغرب بعدًا ثقافيًا يتجاوز بعدها النفعي المباشر، فهي ليست مجرد قمصان وسراويل تهاجر من خزانة إلى أخرى، إنها نصوص صامتة تحمل علامات وهوّيات لم نخترها. حين يرتدي شاب في أحد الأزقة قميصًا عليه شعار فريق كرة أمريكية لم يسمع باسمه قط، فإنه يشارك، من غير وعي، في عرض مسرحي رمزي حيث تتقاطع العولمة بالصدفة. هذه القطع التي فقدت قيمتها في سوقها الأصلي تعود لتولد من جديد في سوق آخر، وقد جُرّدت من سياقها الثقافي لتتحول إلى زينة غامضة، تثير فضولًا أكثر مما تعكس انتماء.

تكمن المفارقة في أن هذه القمصان لم تعد تُقرأ بوصفها علامات رياضية أو هوّيات جماعية تخص جمهورها الأول، وإنما صارت أقرب إلى رموز بصرية تتبناها أجساد لا تربطها أي علاقة بفرقها أو مدنها أو تاريخها. بهذا المعنى، يغدو القميص المستعمل أداة لتجسيد شكل جديد من “الهوية المستعارة”، حيث يلبس المرء ما يعبر عن عالم لم يعرفه، وما ينتمي إلى ذاكرة لا تخصه. وتلك هي إحدى مفارقات “العولمة الثقافية”: إذ تتيح للفرد أن يكون واجهة لشعارات وكيانات بعيدة، من غير أن يملك وسيلة لقراءتها أو مساءلتها. لكن خلف هذه الظاهرة يطلّ وجه آخر “للامساواة”: فبينما يُنظر إلى القمصان والشعارات في موطنها الأصلي باعتبارها امتدادًا للانتماء والفخر الرياضي، فإنها في أسواقنا المستعملة تُباع كسلع مجهولة النسب، بلا دلالة سوى رخص ثمنها. هنا يتحول ما كان رمزًا لهوية جمعية إلى مجرد قماش يغطي الجسد، في مفارقة تكشف كيف تعمل السوق العالمية على تفريغ العلامات من معانيها وإعادة تدويرها في فضاءات جديدة. وهكذا نكتشف أننا، بارتدائنا قمصانًا غريبة الأسماء، لا نغطي أجسادنا فقط، بل نرتدي أيضًا نصوصًا باردة هاجرت بلا ذاكرة، وصارت انعكاسًا ساخرًا لاقتصاد يعيد إنتاج نفسه في ثوب “الهوية المستعملة”.

حين تبيعنا الموضة أحلامًا من قماش

الموضة لا تسألك: هل ترتاح في هذه الأحذية؟ وإنما تسألك: هل تجرؤ على دفع ثمنها لتُثبت أنك موجود؟ إنها صناعة للهوية أكثر من كونها صناعة للملابس؛ آلة عملاقة لتحويل الإنسان إلى إعلان متحرّك. الأزياء تغيّر شكلها كل موسم بنفس سرعة تغيّر السياسيين لمواقفهم، ومع ذلك يظل المستهلك مخلصًا لهذه الديانة أكثر من إخلاصه لعقيدته. لكن الطرافة الكبرى أن الموضة لا تُصمَّم من أجل الناس العاديين، وإنما من أجل منصّات العرض، حيث يمشي العارض/ة مثل إنسان آلي فاقد للروح، مرتديًا ثيابًا لا يمكن لأي إنسان أن يقود بها دراجة أو يلحق بها حافلة. ومع ذلك، يخرج الجمهور مبهورًا: “يا لها من عبقرية!”. عبقرية في ماذا؟ في جعل معطف بلا أكمام يبدو ثورة؟ أم في إقناعك أن الحقيبة الصغيرة التي لا تسع حتى مفتاح بيتك تستحق ألف دولار لأنها “قطعة فنّية”؟ الموضة، في النهاية، ليست إلا “اقتصاد الوهم”: نشتري أحلامًا من قماش، ونكدّس في خزائننا تاريخًا صغيرًا من النزوات. بعد سنوات، نضحك على صورنا القديمة ونقول: “كيف كنت أرتدي هذا؟” بينما، في تلك اللحظة، كنا مقتنعين أن لا حياة من دون هذا القميص أو ذلك الفستان.

إنها آلة الزمن الأكثر سخرية: تبيعنا حاضرًا زائلًا، وتتركنا نضحك على أنفسنا في المستقبل.

حين تفرض الموضة قواعدها على أجسادنا

هل فكرنا يومًا أننا لا نرتدي الملابس بقدر ما ترتدينا هي؟ أليس الأدهى أن كل هذه الرموز، التي تعيد تدوير الفقر والهزال والطفولة والهوية المجهولة، تُقدَّم لنا بوصفها “حرية اختيار” بينما نحن نكتشف أننا لم نختر شيئًا سوى ما اختارته لنا السوق؟ ألا يبدو غريبًا أننا نرتدي ملابس لا تخصنا؟ وإذا كانت كل قطعة تحمل ذاكرة الآخرين وتُسوَّق على أنها أناقة، فهل نغطي أجسادنا أم نرتدي هوياتنا المستعارة، ونصبح بذلك جزءًا من لعبة عبثية أكبر من ذواتنا؟

لنتأمل؛ وإلى حديث آخر.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا