آخر الأخبار

سلوكيات أنانية تحول وسائل النقل العمومي إلى فضاءات مزعجة بالمغرب

شارك

داخل وسائل النقل العمومي بالمغرب، كالترامواي أو الحافلات، تتحول العديد من الرحلات إلى تجارب صاخبة ومزعجة؛ فبعض الأشخاص لا يتورعون عن إجراء مكالماتهم الهاتفية بصوت مرتفع جدا، وكأنهم يُصرّون على أن يصبح كل راكب معهم شاهدا على محادثاتهم ومشاكلهم الخاصة، فيما يقوم البعض الآخر بتشغيل الموسيقى ورفع إعدادات الصوت دون استخدام السماعات، ما يحوّل هذه الفضاءات العمومية إلى مسرح فوضوي للأصوات المشتّتة والمتداخلة.

هذه السلوكيات، التي تختبر أعصاب الآخرين وتفرض عليهم ضغطا نفسيا يُفقدهم حقهم الطبيعي في هدوء الرحلة والسكينة المؤقتة التي يبحث عنها الجميع، سواء من أجل بداية يوم جديد أو بعد يوم طويل وشاق. تنمّ، حسب مهتمين، عن غياب الوعي بأدب الفضاء العام ومفهوم المشترك، عبر التجرؤ على اختراق الحيّز الشخصي للآخر وخرق قواعد السلوك السليم غير المكتوبة داخل مختلف الفضاءات العامة.

قال محسن بنزاكور، أستاذ جامعي مختص في علم النفس الاجتماعي، إن “ظاهرة الحديث بأصوات مرتفعة أو تشغيل الموسيقى بصوت عالٍ، سواء في وسائل النقل أو المقاهي أو مختلف الفضاءات العامة، ليست بشيء طارئ. والدليل على ذلك هو أنه في جميع الفضاءات العامة تقريبا من الصعب أن يجد الإنسان الاحترام الواجب في مثل هذه الفضاءات المشتركة”.

وأضاف بنزاكور، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن “أصحاب هذه العقليات يبرهنون على وعيهم المحدود بمفهوم المشترك في الفضاء العام وبمفهوم الحرية التي يربطونها فقط برغباتهم الفردية، دون إدراك أن الحرية تبدأ عندما ندرك حدود تأثيرنا على محيطنا. وهذا تجسيد لمفهوم ‘الزنقة’ في العامية، المرادف للفوضى، وعقلية يجب أن تُحارب”.

وأوضح المختص في علم النفس الاجتماعي أن “الشخص الذي يرفع صوته أو يشغّل محتوى صوتيا دون مراعاة الآخر قد لا يدرك أن هذا الأخير ربما يكون في تلك اللحظة في وضعية نفسية واجتماعية صعبة، وأن سماع نوع من الموسيقى قد يزيد حزنه أو معاناته؛ وهو ما يفقد المجتمع قيمة التضامن بسبب هذه السلوكيات المرضية التي لا تحترم المساحة الحميمية للآخرين، أي أن الأمر مرتبط أيضا بوجود فجوة في الحس الاجتماعي الذي ينبغي أن يؤطّر التعاملات والعلاقات اليومية داخل الفضاءات المشتركة، إضافة إلى ضعف الوعي بأخلاقيات استعمال الهاتف”.

من جهته، اعتبر خالد التوزاني، أستاذ جامعي ورئيس المركز المغربي للاستثمار الثقافي، أن “المغاربة عبر التاريخ كانوا يميّزون بين فضاءين: فضاء خاص مثل البيت والعائلة، وفضاء عام مثل السوق والمسجد والساحات العمومية.. وهذه الفضاءات تحكمها أخلاقيات معروفة، لكن ظهور وسائل نقل جماعية كبيرة وفضاءات مشتركة كثيرة وممتدة، خلق نوعا من ‘الصدمة’، حيث إن بعض الأفراد، خاصة من هم أقل احتكاكا بالحياة المدنية الحديثة، قد يقومون ببعض السلوكيات الخاصة من حيث الشعور بالألفة والحرية المطلقة في الفضاء العمومي، دون أن يدركوا أن هناك قواعد أخلاقية عامة تحكم هذا الفضاء المشترك”.

وأضاف التوزاني، في حديث مع هسبريس، أن “التقدم التكنولوجي والصدمة الرقمية يفسّران أيضا هذه الظاهرة، حيث إن انتشار الهواتف وسائل التواصل كان سريعا جدا؛ بل مفاجئا، إلى درجة أن الغالبية لم تستطع تكوين وعي جماعي بآداب الاستخدام، فيقع التداخل بين العالم الرقمي والفضاء الواقعي دون أي تمييز، وقد ساعد على توسّع هذه السلوكيات تأثير العولمة والتحضّر؛ مما خلق طابع الأنانية والفردانية الذي هيمن على بعض الأفراد من كل الأعمار، فتحوّلت السلوكات إلى نزعة مفرطة من الأنانية والانتهازية واللامبالاة والتسيّب، حيث يرى الفرد حاجته إلى الاتصال أو الترفيه فوق اعتبارات الاحترام والراحة العامة للآخرين”.

وشدّد الأستاذ الجامعي ذاته على أن “جوهر هذه الإشكالية هو عدم استيعاب معنى الفضاء المشترك، فهناك فجوة في الإدراك والوعي، لأن الفضاء العام ليس فقط مكانا مشتركا، وكذلك وسائل النقل؛ بل هي فضاءات يؤطّرها عقد اجتماعي ضمني، غير مكتوب، يقوم على التكافل والتضامن والاحترام المتبادل. وعندما لا يتم استحضار هذه المعاني العميقة، فإن الفضاء يصبح مجرد وعاء فارغ من كل معنى ودون أي مسؤولية أو رسالة نبيلة؛ وهذه إشكالية كبيرة”.

وحول سبل معالجة الظاهرة، ذكر التوزاني أن “المغرب، تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، يحثّ دوما على ترسيخ قيم المواطنة المسؤولة والانضباط والحفاظ على المصلحة العامة؛ وهذا ما يتطلب مقاربة شمولية، تبدأ بالتربية والتوعية على المدى الطويل، وخاصة في المدرسة، من خلال إدخال مادة التربية على المواطنة والسلوك، على أن تركز على العيش المشترك واحترام الفضاء العمومي وكيفية استخدام التكنولوجيا بأدب”.

وخلص المتحدث ذاته إلى أن “بناء صورة المغرب الجديد الذي ينتظر تنظيم تظاهرات كبرى ويشهد طفرات هائلة في تحديث البنية التحتية، يبدأ من هذه التفاصيل الصغيرة: من حافلة يسودها الهدوء والاحترام، وساحات نظيفة تحفل بقيم التعاون والتقدير المتبادل في مغرب يحترم فيه الصغير الكبير، ويرحم الكبير الصغير، ويوقّر الشيخ والمسن. وهكذا، عاش المغاربة قبل التحوّل التكنولوجي والرقمي، وينبغي إحياء قيم الاحترام والتضحية والتضامن والرحمة والإخاء والكرم. إنه استثمار في رأس المال الاجتماعي والرمزي للمغرب، وهو استثمار لا يقلّ أهمية عن أي استثمار اقتصادي آخر”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا