دق مجلس المنافسة ناقوس الخطر بشأن الواقع المقلق لسوق الخضر والفواكه في المغرب، كاشفا عن تشوهات بنيوية عميقة تحول دون تحقيق القطاع لإمكاناته الكاملة، رغم الثروة الفلاحية الهائلة التي تزخر بها البلاد.
وقدم التقرير السنوي لعام 2024، تشخيصا دقيقا لسلسلة من الإشكاليات المتجذرة التي تؤثر سلبا على كل من المنتج والمستهلك، وتعيق تطور سوق فعال وشفاف.
متاهة الوسطاء وهوامش الربح المتضخمة
سلط التقرير الضوء على أن البنية الحالية لمسالك التسويق تمثل العقدة الأساسية في هذه المنظومة، فالقنوات الطويلة وغير المباشرة هي السائدة، حيث يمر المنتج عبر شبكة معقدة من الوسطاء (سماسرة، مضاربون، تجار جملة ونصف جملة) قبل أن يصل إلى المستهلك النهائي.
هذه السلسلة الطويلة، وفق التقرير، تؤدي إلى نتيجتين كارثيتين، الأولى تتعلق بـ “تضخم الأسعار”، حيث يُضيف كل وسيط هامش ربح خاص به، مما يؤدي إلى ارتفاع مصطنع وغير مبرر في الأسعار النهائية التي يدفعها المواطن، في حين لا يتلقى الفلاح المنتج سوى جزء ضئيل من القيمة الحقيقية لمنتجه.
أما النتيجة الثانية فتمكن في “انعدام التتبع والجودة”، حيث تفقد المنتجات في هذه المسالك المعقدة أي إمكانية للتتبع الفعال، مما يجعل من المستحيل تحديد مصدرها أو التحقق من التزامها بمعايير الجودة والسلامة الصحية. كما أن طول فترة التداول يزيد من نسبة التلف والهدر.
في المقابل، أشار التقرير إلى أن البدائل الحديثة، مثل المسالك القصيرة التي تربط المنتج مباشرة بالمستهلك عبر المساحات التجارية الكبرى أو المنصات الرقمية، لا تزال مشاركتها هامشية ومحدودة، مما يكرس هيمنة الطرق التقليدية غير الفعالة.
أسواق الجملة.. بنية تحتية متهالكة
وصف المجلس وضعية أسواق الجملة المنظمة بـ”المتفقرة إلى النجاعة”، معتبرا إياها حلقة ضعيفة في السلسلة بأكملها، حيث تعاني هذه الأسواق من نقص حاد في البنيات التحتية العصرية والخدمات اللوجستية الضرورية، مثل غياب فضاءات التبريد الكافية، وسوء التنظيم، وضعف شروط النظافة والسلامة.
هذا الواقع المتردي يدفع نسبة كبيرة من التجار والمنتجين إلى هجر القنوات الرسمية واللجوء إلى مسالك موازية غير مهيكلة، والتي تنشط بقوة في هوامش المدن الكبرى كالدار البيضاء، حيث تعمل هذه الأسواق العشوائية تعملخارج أي إطار قانوني أو ضريبي، مما يخلق منافسة غير شريفة ويصعّب على الدولة مهمة ضبط الأسعار ومراقبة جودة المنتجات.
وإلى جانب ما سبق، رصد التقرير مجموعة من الممارسات والإشكاليات الأخرى التي تزيد من هشاشة القطاع، من قبيل “الطابع غير المهيكل الشامل”، حيث لا يقتصر انعدام الهيكلة على الأسواق فقط، بل يمتد ليشمل سلسلة القيمة بأكملها، مما يخلق بيئة ضبابية يصعب فيها تطبيق القوانين وتتبع مسار الأموال والمنتجات.
كما سجل التقرير وجود ممارسات مجحفة، حيث تنتشر ظواهر مثل “البيع قبل الجني” (بيع المحصول وهو لا يزال في الحقل بأسعار بخسة)، مما يضع الفلاحين الصغار تحت رحمة المضاربين ويحرمهم من تحقيق أرباح عادلة، بالإضافة إلى صعوبة الولوج إلى الدعم، إذ يعاني المنتجون، خاصة الصغار منهم، من ضعف كبير في الوصول إلى التمويل البنكي وخدمات التأمين الفلاحي، مما يحد من قدرتهم على الاستثمار في تحديث تقنيات الإنتاج ومواجهة المخاطر المناخية.
خارطة طريق للإصلاح
ولمواجهة هذه الوضعية، اقترح مجلس المنافسة مجموعة من التوصيات الاستراتيجية، أبرزها تحديث الإطار القانوني والمؤسساتي، وإصلاح مؤسسة الوكلاء أو إلغاؤها، وإحداث شركة وطنية لتدبير أسواق الجملة، إلى جانب توضيح القانون الأساسي لتاجر الجملة.
كما أوصى بإعادة هيكلة أسواق الجملة جغرافيا وتقليص عددها وتحديث بنياتها التحتية لتصبح منصات لوجستية عصرية، وتشجيع التثمين والتعبئة للحد من هدر المحاصيل، وإرساء معايير صارمة للجودة والتوحيد.
وفي الشق الاقتصادي، دعا المجلس إلى إرساء التعاقدية بين المنتجين والموزعين، ودعم التعاونيات والمجموعات ذات النفع الاقتصادي، وتطوير منتجات بنكية وتأمينية موجهة للفلاحين.
وشدد التقرير على أهمية الرقمنة عبر إحداث نظام معلومات مندمج لتوفير بيانات آنية وشفافة حول الأسعار والكميات، ودعم الشركات الناشئة في مجال التكنولوجيا الزراعية (AgriTech).
كما أوصى بعصرنة أسواق القرب والأسواق الأسبوعية، وتشجيع السلاسل القصيرة التي تقلص عدد الوسطاء وتوفر منتجات طازجة بأسعار عادلة، مع ضمان توازنها مع أسواق الجملة لتأمين استقرار التموين.
وختم مجلس المنافسة تقريره بالتأكيد على أن معالجة الاختلالات لا يمكن أن تتم بإجراءات متفرقة، بل تقتضي إصلاحا هيكليا شاملا ومتكاملا يعيد بناء الثقة في السوق، ويضمن توزيع القيمة المضافة بشكل عادل بين المنتج والمستهلك، بما يحمي القدرة الشرائية للمواطنين ويعزز الأمن الغذائي للبلاد.