آخر الأخبار

هذه أدوار تشجيع "تفلسف" الأطفال في تجاوز الخوف وبناء الفكر المستقل

شارك

يتأسف الباحث المغربي رشيد العلوي لمآل “درس الفلسفة في التعليم الثانوي، اليوم، الذي اختزلها في المراقبة والتقويم، كغيرها من المواد”، مردفا بأن هذه نتيجة “النفعيّة العمياء التي صارت قدرًا محتومًا نسايره عن وعي أو عن غير وعي”، وهو ما ورد ضمن منشور جديد على منصة “معهد بصيرة” السعودي، بعنوان “في سبيل تطوير تجارب الفلسفة الموجهة إلى الأطفال في العالم العربي”.

وفي سياق دراسة القائم من أوضاع تدريس الفلسفة، والتوصية بما يمكنه تطوير نقلِ التفلسف للأطفال في مدارس المنطقة، استحضر الباحث تجربة “أولمبياد الفلسفة الخاص بمستويات التعليم الثانوي التأهيلي في المغرب”، وتجربة “الفلسفة في الزنقة” بالمملكة، ليعلق: “شكل النقاش بين فئة معدودة من المهتمين بالفلسفة حول الممارسات الجديدة أساسا للاهتمام بتدريس الفلسفة للأطفال، الذي مازال محتشماَ ولكنه في طور التجريب والاختبار، رغم كل الصعوبات، إذ إن الاعتقاد بإقرار وزارة التربية هذا النوع من التعليم ليس أمرا سهلا، كما هو الحال في تونس التي كانت جريئة في إعلانها ضرورة هذا النوع الجديد من التدريس.”

وتابع الباحث: “لا يوجد أبدا طريق واحٍد ونهائٍي لأي تجربة، فكل تجربة وتطبيق هو ولادة جديدة لشيء ما لا يدركه إلا المشاركون (…) الانطلاق من قواعد جاهزة سلفا ومن أحكام قٍيمة لا يفيد الممارسات في شيء، بل قد يحول دون تطويرها، وهو ما يستلزم دوماَ تقييمها وفتح النقاش حولها والعمل على تقدمها وتقاسمها”، ثم تطرق إلى “جملة عراقٍيل وإحباطات بل وتوجسات من الجدوى”، مسّت المشرفين على مثل هذه التجارب، وهو منهم، “قبل أن يتبين بعد مدة قصيرة أن هذا الاتجاه صائب ومن الواجب علي إتمامه”، وزاد: “في كل مناسبة يزداد لدي اليقين أن ولوج مجال الممارسات الجديدة للفلسفة ليس هينا، وأن كل ما تعلمته من دروس الفلسفة يجب تحويله إلى أسئلة فلسفيّة دقيقة جدا، ومناسبة يمكنها أن تحظى بالتفاعل الإيجابي لدى المشاركين”.

ودافع العلوي عن أن خوض مثل هذه التجارب في تقريب الأطفال من التفلسف يمكن الباحثين “من تجاوز البون الشّاسع بين التلقين الكلاسيكي للفلسفة وبين خوض غمار الممارسات الجديدة”، ويدفعهم إلى اكتشاف “نقاط تلاقٍ لا حصر لها؛ فلا أحد من المجالين يبخس من قيمة الآخر، فإلقاء محاضرة في جامعة أمام جمهور من المختصين والأكاديميين لا يعدم إمكانية تنظيم أوراش فلسفية للأطفال؛ ولعل المناظرات الفلسفية لمتعلمات ومتعلمي المرحلة الثانوية خير دليل على ذلك”.

وجوابا عن سؤال ما الذي سيستفيده الطفل من “ورش التفكير الفلسفي”، أجاب الأكاديمي ذاته: “يدرك الطفل أن لديه عدة مخاوف مُترسٍّبة: الخوف من عدم المعرفة، الخوف من الوقوع في الخطأ، الخوف من قول التفاهات، الخوف من حكم الآخرين عليه، الخوف من الأستاذ، وهي مخاوف مشروعة ويصعب على الطفل أن يعيها تمام الوعي أول الأمر، ولكن مع الممارسة تتولد لديه الشجاعة لمواجهتها؛ وهكذا تستطيع هذه الورشات أن تنفذ إلى مؤسسة هامة من المؤسسات الاجتماعية، ألا وهي الأسرة، فالطفل بكل عفويته يتقاسم ويشارك تجاربه الجديدة”.

ويعود الباحث إلى أفكار حالت دون اهتمام البعض بالفلسفة، من قبيل أنها “فكر معقد (…) ميدان شدٍيد الضبابية، وربما شدٍيد الغموض، ولا يجنون منها فائدة”؛ وهو تعقيد يوجد من يسعى إليه “فيلجون دروب التفكير ومنعرجاتٍه، وقد يكون مسعاهُم في ذلك هو الهروب من واقع يعتبرونه قاسياَ للغاية ومخيباَ للآمال”. لكن يدافع رشيد العلوي عن أن “الفلسفة وإن كانت مجالاَ معقداَ وصعباَ فليس ذلك بموجب تركيبها أو جوهرها، وإنما على العكس من ذلك، لبساطتٍها، إذ ليس من السًّهل أن يكون المرء بسيطاً؛ فهي تفترض فحصاَ دقيقاَ وأصالة كبرى وشجاعة أكيدة للنهوض بالحريًّة وتحمُّل المسؤوليًّة، والمُخاطرة، والقابليًّة للوقوع في الخطأ”.

ثم دافع الأكاديمي عن أن “القدرة على جعل التفكير الفلسفي مبسطا بالقدر الكافٍي هي أكبر عمليًّة معقدة في الممارسة الفلسفيًّة، لما يتطلبه إعمال هذا التفكير من رزانًة وممارسة واختبار مستمرين، لأن المُمارس لفٍعل التّفلسف في نظري هو الذي يستطيع شدًّ انتباه المتفلسٍف الصّغير وتحفٍيزه على المزيد والمزيد من التفكير المستقل”، قبل أن يرجّح رأيا في طبيعة التفلسف: “ليس التفلسف مراكمة للمعارف حول الفلاسفة، ولا قراءة لجميع الكُتب، ولا يُختزل في تشغٍيل بعض القدرات الفكريّة استنادا إلى العقل. إن التفلسف هو أولا وقبل كل شيء دخول في تحرّ وجودي، وسعي حازم إلى الأصالة والحقيقة”.

هذه الفلسفة هي التي يدافع المصدر عن تدريسها للأطفال، وبذل الجهود لتطويرها وإخراجها من المرحلة الأولى التي مازالت ترتع فيها في المنطقة الناطقة باللغة العربية، عبر نقاش لـ”فهم ماهيّة هذا النوع من التدريس، وصلاحيّة وجدوى التفلسف للأطفال، والآليات التي يمكن اعتمادها في هذا النوع من التدريس، ونوع التكوين الممكن للمكونين والممارٍسين المحتمًلين: برنامجه ومحتوياته وآليات إنجازه”.

وتابع العلوي: “من المؤكد أن المقاربات التطبيقيًّة للفلسفة متعدٍدة، غير أنها تشترك كلها في جعل التفكير تمريناَ متصلاَ بالآخرين. وبفضل هذه التطبيقات تصير الفلسفة حيًّة وشعبيًّة تهم كل واحد من الناس، وليس نخبةَ منهم فقط. فالمقهى الفلسفي، والصالون الفلسفي، وحلقة الفلسفة، و’الفلسفة فالزنقة’، والفلسفة في المستشفى، والفلسفة للأطفال، والاستشارة الفلسفيّة، والفلسفة في المقاولة، كلها ممارسات جديدة تسعى كل واحدة منها إلى أن تفرض نفسها وأن تثبت أنها قادرة على مزاحمة ومنافسة التعليم الكلاسيكي للفلسفة”.

ويدافع الباحث على تدريس الفلسفة للأطفال، وتوسيع “مجتمع الفلسفة” خارج أسوار الجامعات، حتى لا يغيّب “أساس الوجود الإنساني فينا، الذي يمكننا اعتباره أرقى ما طورته الفلسفة بحنكة”، وهو “السؤال”؛ لأن “السؤال وحده يمكنه أن يقينا من مخاوفنا المتنامية ومن القلق المستشري، وهو السؤال الذي يهتم أيضا بالبنية النفسيّة والروحيّة للإنسان، بحيث إن هذه الهشاشة المتنامية في أعماقنا ستعمق أزمة الإنسان المعاصر أو الإنسان الرقمي؛ وبهذا تصير الفلسفة علاجا”.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا