آخر الأخبار

"راضية" تدخل القاعات المغربية .. نقاش جريء حول الأنوثة والمعاناة النفسية

شارك

عُرض مساء الجمعة 11 يوليوز 2025 الفيلم المغربي “راضية”، للمخرجة خولة أسباب بنعمر، في قاعة “ميغاراما” السينمائية بالدار البيضاء، ضمن أول عرض ما قبل تجاري حضره عدد محدود من السينمائيين والنقّاد وبعض الوجوه الفنية والإعلامية. هذا العمل، الذي يمتد لواحد وثمانين دقيقة، يقدّم تجربة تنتمي إلى سينما الذات، مرتكزًا على الاشتغال على العوالم النفسية الداخلية. ومن المرتقب أن يُشرع في عرضه الرسمي بالقاعات الوطنية ابتداء من الأربعاء 16 يوليوز، في ظل ترقّب جمهور الفن السابع لاكتشاف ملامح الرؤية الإخراجية الجديدة لبنعمر.

يحكي “راضية” قصة امرأتين، راضية وعائشة، تجد كلٌّ منهما نفسها محاصرة بين تركة الماضي وأسئلة الحاضر، في رحلة تأمل ذاتي عميق (Introspective) تتقاطع فيها الذاكرة بالعزلة، والندم برغبة التحرّر. الفيلم لا يقدّم أحداثاً بالمعنى التقليدي، بل يركّز على صوت داخلي يعبّر عن صراع نفسي يتعقّد بتراكم الجراح القديمة والخيارات المكبوتة. ومن خلال هذا السرد الباطني تسائل المخرجة مفاهيم الرضا، التنازل والاستقلال الذاتي، وتفتح باب التأويلات أمام المتلقي في فهم الحالة الشعورية التي تعيشها البطلتان.

اختارت خولة أسباب بنعمر الاشتغال على اللونين الأبيض والأسود، في مقاربة جمالية تتعمد إقصاء الإبهار البصري للتركيز على التوتر الداخلي للشخصيات، وجعل الصورة مرآةً للمشاعر المكتومة. الكاميرا تتحرك ببطء، تتعقب النظرات الصامتة وتوثق التفاصيل اليومية، بينما يعتمد المونتاج على الإيقاع البطيء واللقطات الثابتة، بما يمنح الفيلم طابعًا تأمليًا. هذه اللغة البصرية، المتقشفة ظاهريًا، تتحول إلى أداة تعبير قوية عن الاختناق، العزلة والرغبة المكبوتة في الانعتاق من قيود الذاكرة والمجتمع.

واعتمدت المخرجة في بناء الفيلم على أداء داخلي حساس للممثلتين الرئيسيتين، صونيا الملاح وحفصة الطيب، اللتين حملتا بثبات عبء التجربة النفسية المعقدة التي يتناولها الفيلم. غابت الحوارات التقليدية تقريبًا لصالح مونولوغات داخلية مكثفة ومشحونة، تعكس تمزقات الذات ومسارها نحو التماس الخلاص. وبفضل توجيه إخراجي دقيق، تحولت نظرات البطلتين، صمتهما وحركاتهما المحدودة إلى أدوات تعبير مكتملة، تنقل للمشاهد مشاعر دفينة من الانكسار، والمقاومة، والتوق إلى ولادة جديدة، دون حاجة إلى خطب أو شعارات.

مصدر الصورة

من خلال “راضية”، تسعى المخرجة خولة أسباب بنعمر، حسب قولها، إلى فتح نقاش جريء حول الأنوثة والمعاناة النفسية في مجتمع يُملي على المرأة أن ترضى بصمتها وتخضع لسلطة الجماعة. لا يقدّم الفيلم بطلة نموذجية، بل يُجسّد ملامح شخصية هشة، مأزومة، تبحث عن ذاتها في عالم رمادي. ورغم ابتعاد العمل عن المباشرة أو الشعارات النسوية الجاهزة، فإنه يُحمّل المتلقي مسؤولية التأويل والانخراط الوجداني في التجربة، مما يجعل “راضية” فيلمًا موجعًا في سكونه، عميقًا في تساؤلاته ومنفتحًا على قراءات متعددة.

يُعد هذا العمل ثاني فيلم روائي طويل في مسار خولة أسباب بنعمر، بعد تجربتها السابقة “نور في الظلام” سنة 2017، الذي حظي باهتمام نقدي وشارك في عدد من المهرجانات الدولية. تناول ذلك الفيلم قصة امرأة أضاءت الحياة في عتمة رجل كفيف، مستلهمة فكرته من حياة والد زوجها الإعلامي رشيد صباحي. وقد واصلت المخرجة في “راضية” وفاءها لسينما التفكير والعمق، مبتعدة عن السرديات التقليدية والقصص الخطية، ومُفضّلة مقاربة ذاتية تعكس رؤيتها الفنية وشواغلها الوجودية. وقد حصل “راضية”، قبل عرضه التجاري، على جائزة أفضل إخراج في الدورة الخامسة والعشرين من مهرجان السينما الإفريقية بخريبكة، كما حظي بإشادة خاصة خلال مشاركته في فعاليات أسبوع النقاد في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي.

وينتظر أن يحظى “راضية” باهتمام نقدي واسع بعد انطلاق عرضه التجاري في القاعات المغربية لكونه يمثل استثناءً واضحًا في خريطة الإنتاجات السينمائية المحلية، التي غالبًا ما تميل إلى الأسلوب المباشر والسرد الكلاسيكي. فالفيلم ينتمي إلى سينما المؤلف، ويُقدَّم بلغة فنية تنأى عن الاستسهال، مما قد يفتح نقاشًا واسعًا في الأوساط الثقافية حول مستقبل السينما المغربية، وحدود التلقي الجماهيري للأعمال التجريبية ذات الطابع الوجودي. وبين رهانات السوق، وتطلعات الجمهور، وسؤال الجدوى الفنية، يقدّم الفيلم تأكيدًا جديدًا على طموح مخرجة تسير بخطى ثابتة نحو بناء تجربة شخصية فريدة داخل المشهد السينمائي المغربي.

ويأتي فيلم “راضية” امتدادًا لمسار خولة أسباب بنعمر كصحافية ومدافعة مدنية اشتغلت سنوات في قضايا المساواة وحقوق النساء، قبل أن تنتقل إلى التعبير عن انشغالاتها المجتمعية بلغة السينما. وقد تم تعيينها سنة 2023 عضوا في اللجنة الوطنية للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، بقرار من رئيس الحكومة عزيز أخنوش، تقديرًا لمساهمتها في تعزيز قضايا النساء داخل المجتمع المدني. وقد شغلت رئاسة جمعية “جسور ملتقى النساء المغربيات”، وشاركت في تأسيس ائتلاف “المناصفة الآن”، كما أشرفت على تنظيم المهرجان الدولي لفيلم المرأة في سلا، مما جعل تجربتها الفنية متجذرة في واقع نضالي يربط بين الصورة والرسالة الاجتماعية.

هسبريس المصدر: هسبريس
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا