حاول الدكتور محمد بنطلحة الدكالي، أستاذ علم السياسة والسياسات العمومية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بجامعة القاضي عياض بمراكش، مقاربة مستجدات المشهد السياسي والدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، متخذا من عبارة “لن أذهب إلى كانوسا” مدخلا رمزيا لتسليط الضوء على التوترات المتجددة بين البلدين.
بأسلوب يمزج بين التحليل السياسي اللاذع والتلميح الثقافي التاريخي يستحضر السياقات التاريخية والرمزية ليفكك مواقف الحاضر، في ظل دعوات للتهدئة والتعاون مقابل انتقادات داخلية ومآخذ تاريخية لم تُمحَ بعد.
ويثير الأكاديمي المغربي ذاته أسئلة حرجة حول السيادة، الذاكرة والمصالح المتبادلة، دون أن يغفل التلميح إلى تناقضات الخطاب الرسمي، ويطرح تساؤلات عميقة حول مآلات المصالحة الحذرة في عالم تتقاطع فيه السياسة بالتاريخ، وتتصادم فيه الكرامة بالمصالح.
هذا نص المقال:
لقد نادى المنادي أن تتهيؤوا لرحلة استجمام إلى “كانوسا” يا سكان بلاد الشهداء.
أخبركم أن زعيم بلاد الشهداء تلقى اتصالا هاتفيا من نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، أعقبه بيان مشترك 31 مارس 2025، أعرب له فيه عن تمنياته له وللشعب الجزائري بالتوفيق والازدهار بمناسبة عيد الفطر المبارك. كما تطرقا إلى بوادر هامة في مجال الذاكرة، واتفقا على استئناف التعاون الأمني بين البلدين بشكل فوري، وكذا في مجال الهجرة والتعاون القضائي. كما جدد الرئيس ماكرون ثقته في حكمة وبصيرة زعيم بلاد الشهداء، ودعاه إلى القيام بلفتة صفح تجاه السيد بوعلام صنصال نظرا لسن الكاتب وحالته الصحية، كما اتفقا مبدئيا على عقد لقاء في المستقبل القريب.
ترى أتسخر يا هذا؟ وماذا عن الكلام والخطابات الرعناء؟ أترضخ بلاد النيف بعد شهور من التعنت والتوتر!؟ ودون تحقيق أي مكاسب حتى!؟ إن الرياسة تلزمها الكياسة، وماذا نقول لأحفاد الشهداء عن تصريح بوعلام صنصال: إن الأراضي المغربية قطعت شرقا لصالح الجزائر تحت الاستعمار الفرنسي..!؟
ولماذا لم يتطرق البيان إلى المخزن والمروك؟
حكمة زعيم بلاد الشهداء التهربية، عفوا الاستباقية والاستراتيجية، جعلته يستبق الحدث ويصرح بأن اعتراف فرنسا بسيادة المغرب على الصحراء لا تزعج الجزائر قائلا: “الموضوع يزعج الأمم المتحدة وليس نحن”.
إذن القضية مطروحة في الأمم المتحدة وانتهى الأمر، كما لا تنس أن فرنسا تتوفر على أرشيف تاريخي يخفي الكثير من الحقائق.
وهل تتوفر على حقائق الزليج والقفطان؟
اِسمع، حكيم بلاد الشهداء سبق له أن واجه نفس الإشكال إبان اعتراف إسبانيا بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ولم يأبه بغوغاء الإعلام ولا بخادش الكلام… وها هو التبادل التجاري بين البلدين يعيش أزهى فتراته.
صدقني، إن زعيم بلاد الشهداء لن يرضخ لأحد، أنسيت الحوار الصحافي الذي جمعه بوسائل إعلام محلية حين إعادة “انتخابه” لولاية ثانية. لقد قالها الزعيم ردا على سؤال صحافي يتعلق بزيارته لفرنسا: “لا أخضع لأوامر أحد”، وأكد قائلا: “لن أذهب إلى كانوسا”.
جميل اسم “كانوسا” أعجمي، وهو شاعري أيضا يليق عنوانا لإحدى ملاحم بلاد الشهداء، ولنذهب جميعا إلى “كانوسا”.
” لن أذهب إلى كانوسا” عبارة فرنسية تعود إلى تعبير تاريخي شهير يرتبط بحادثة حصلت عام 1077 حين اضطر الامبراطور الألماني هنري الرابع للذهاب إلى قلعة “كانوسا” في إيطاليا للاعتذار للبابا غريغوري السابع بعد صراع طويل، بعدها أصبحت الحادثة رمزا لعدم الخضوع للأوامر.
وهل يمكن إرجاء الذهاب إلى “كانوسا” حتى يحلو الجو؟
لقد تطرق البيان المشترك إلى ضرورة الاستئناف الفوري للتعاون.
والجماجم كيف نسعى إليها؟ هل تدخل في إطار تعزيز التجارة والاستثمار؟
أخبركم أن فرنسا حازمة في أمرها. لقد أكد وزير الخارجية الفرنسي جان- نويل بارو، بعد البيان أمام الجمعية الوطنية الفرنسية، أن باريس تريد حل الخلاف مع الجزائر بحزم ودون تهاون.
وبه وجب الإخبار.. والسلام.