قال عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، إن التجربة في ظل التحولات التي طرأت على السياسات العقابية المتبعة في مختلف أنظمة العدالة الجنائية أبانت أن العقوبات السالبة للحرية لا تشكل في أحيان كثيرة الهدف الردعي الذي يحول دون العود لارتكاب الجريمة؛ لذلك ظهرت بوادر التفكير في إحداث آليات تحد من التصور الكلاسيكي والجامد لدور العقوبة الممثل في الإيلام من خلال إحداث آليات قانونية، منها ما يهدف إلى إيقاف التنفيذ أو العفو من العقوبة السالبة للحرية ومنها ما يروم إلى إقرار عقوبات بديلة لها.

وأضاف وهبي، في كلمة له في الملتقى العلمي المنظم من طرف وزارة العدل بشراكة مع المعهد الدنماركي Dignity تحت عنوان “الإفراج المقيد بشروط.. بين متطلبات التفعيل وتحديات توسيع فرص الإفراج وإعادة الإدماج”، أن “نظام الإفراج المقيد جاء نتيجة تطور الفكر الجنائي لدور العقوبة في التأهيل الاجتماعي وإعادة الإدماج عن طريق إصلاح المحكوم عليه مع الإدارة العقابية التي تسعى إلى خلق روح التعاون والرغبة في الإصلاح لدى المحكوم عليه؛ فإذا ثبت أن العقوبة حققت أغراضها ولم يعد هناك مجال للاستمرار فيها، وجب تغيير المعاملة التهذيبية للمحكوم عليه بما يتناسب ودرجة استقامته وصلاحه فهي وسيلة تهذيبية وتشجيعية لمكافأة المحكوم عليهم حسيني السلوك وآلية فعالة للتخفيف من اكتظاظ المؤسسات السجنية، كما أنها آلية تجسد اعتماد سياسة عقابية مرنة تتماشى مع التوجهات الجديدة في اعتماد بدائل للعقوبات السالبة للحرية”.

مصدر الصورة

وأشار المسؤول الحكومي إلى أن “آلية الإفراج المقيد تستند على مجموعة من المرجعيات الوطنية والدولية؛ أهمها دستور المملكة، خاصة ما أرساه من مبادئ الحكامة الجيدة للمرافق العمومية، إضافة إلى ما يرتبط بتمتيع السجناء بكافة الحقوق والحريات المنصوص عليها في الدستور بما يتماشى ووضعهم القانوني، وكذلك التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بالبعد الاجتماعي للعدالة وحماية السجناء المحرومين من الحرية، زيادة على التوجيهات الاستراتيجية للوزارة المرتبطة بتنزيل خلاصات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة لاسيما ما يرتبط بضرورة مراجعة السياسة الجنائية وإصلاح سياسة التجريم والعقاب والارتقاء بأداء العدالة الجنائية، وكذا ما أقرته المعايير الدولية ذات الصلة سواء في مجال تعزيز الحقوق والحريات أو في إطار توجهات العدالة، مثل قواعد الأمم المتحدة النموذجية الدنيا للتدابير غير الاحتجازية “قواعد طوكيو” وغيرها من المذكرات والمبادئ التوجيهية”.

وشدد وزير العدل على أن “ارتفاع مؤشرات الجريمة وتنامي حالات العود واكتظاظ المؤسسات السجنية هي نتيجة مباشرة لقصور السياسة العقابية المتبعة عن بلوغ الأهداف المسطرة المرتبطة باجتثاث منابع الجريمة وإصلاح المحكوم عليهم وإعادة تأهيلهم وإدماجهم داخل المجتمع؛ لذلك ارتفعت الأصوات في معظم الأنظمة الجنائية الحديثة منادية بإعادة النظر في الأساليب المعتمدة في العقاب، وأصبح هذا الموضوع أحد الانشغالات الأساسية للرأي العام لما له من انعكاس على أمن وطمأنينة الأفراد، وكذا هيبة المؤسسات”.

مصدر الصورة

وفي هذا الصدد، أكد وهبي أن “الوضع العقابي ببلادنا أصبح بحاجة ماسة إلى تفعيل مختلف الآليات القانونية المتاحة التي توقف تنفيذ العقوبة السالبة للحرية أو تعفي منها أو أخرى تكون بديلا لها كحل معول عليه للتصدي للنواقص التي تعتري السياسة العقابية الحالية، خاصة في ظل المؤشرات والمعطيات المسجلة على مستوى الساكنة السجنية ببلادنا والتي تؤثر سلبا على الوضعية داخل المؤسسات السجنية، وتحد من المجهودات والتدابير المتخذة من طرف الإدارة العقابية في تنفيذ برامج الإدماج وإعادة التأهيل وترشيد تكلفة الإيواء”.

وأوضح المتحدث ذاته أن وزارة العدل جادة في تفعيل هذه الآلية على الوجه الأمثل ووفق الغاية والفلسفة التي أنشئت من أجلها، حيث سجل مؤخرا تطور ملموس في عدد المستفيدين من تدبير الإفراج المقيد بشروط، إذ بلغ عدد المستفيدين من هذه الآلية خلال الثلاث سنوات الأخيرة ما مجموعه 541 حالة (160 مستفيدا عن سنة 2022، و204 مستفيدين عن سنة 2023، و155 مستفيدا عن سنة 2024 مع 22 مستفيدا قيد الإفراج)، مشيرا إلى أن “هذا الأمر يجسد عزمنا وإرادتنا الصريحة في تفعيل هذه المسطرة القانونية الرامية إلى توسيع فرص الإفراج وتكريس مساهمتها في التخفيف من الاكتظاظ الذي تعاني منه المؤسسات السجنية من جهة، وإعادة تأهيل وإدماج النزلاء والحد من حالات العود من جهة أخرى”.

مصدر الصورة

وذكر عبد اللطيف وهبي بأن “وزارة العدل تبقى منفتحة على اقتراحات ومبادرات كافة القطاعات المعنية والفاعلة في مجال تنفيذ العقوبات السالبة للحرية وما يرتبط بالمواكبة البعدية للسجناء وتأهيلهم وإعادة إدماجهم داخل المجتمع للتفعيل الأمثل لهذه الآلية”.