عناصر من حزب الله (أرشيفية من رويترز)

لا تزال التقارير المتداولة بشأن حصول حزب الله على 200 مليون دولار من إيران لدعم العائلات النازحة تثير جدلاً واسعاً في لبنان وخارجه، وتطرح تساؤلات حول آليات انتقال الأموال إلى الحزب رغم العقوبات الأميركية المشددة المفروضة على طهران وحزب الله.

في المقابل، نفى المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية تومي بيغوت صحة تلك التقارير، معتبراً أنها "محاولة لتلميع صورة الحزب"، ومؤكداً أن واشنطن مستمرة في سياسة فرض العقوبات على إيران وأذرعها في المنطقة، إلى جانب دعم الحكومة اللبنانية في جهود إعادة إعمار الجنوب.

مع ذلك، تتناول التقارير المتداولة مسألة وصول أموال إيرانية إلى حزب الله للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب بين إسرائيل والحزب في 2 مارس (آذار) الماضي.

ولا يعد الحديث عن التمويل الإيراني للحزب أمراً جديداً، إذ سبق للأمين العام السابق لحزب الله حسن نصرالله أن أعلن في خطاب عام 2016 أن إيران تمثل المصدر الوحيد لتمويل الحزب وترسانته العسكرية.

واشنطن متمسكة بسياسة تجفيف التمويل

من جهتها، أكدت مصادر دبلوماسية لـ"العربية.نت/الحدث.نت" أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب "ماضية وبقوة في سياسة فرض العقوبات على إيران وتجفيف مصادر التمويل لأذرعها في المنطقة، لاسيما حزب الله".

كما شددت على "ضرورة أن تقوم الدولة اللبنانية بدورها في تحمل مسؤولياتها الاجتماعية والإنسانية تجاه اللبنانيين، لاسيما في الجنوب، كي لا تسمح للمؤسسات الاجتماعية التابعة لحزب الله من الاستفادة من غياب أجهزتها الرسمية على الأرض".

عناصر من حزب الله (أرشيفية من فرانس برس)

"القرض الحسن" تحت المجهر

كذلك توقفت المصادر عند مؤسسة "القرض الحسن"، الذراع المالية الرئيسية لحزب الله التي تقدم قروضاً مقابل رهن الذهب، مبينة أن "واشنطن تشدد على ضرورة أن تتخذ الدولة اللبنانية الإجراءات اللازمة بحقها وسحب الترخيص منها وإغلاق ما تبقى من فروعها، لاسيما وأنها مدرجة على لوائح العقوبات الأميركية".

فهذه المؤسسة استفادت، بحسب خبراء اقتصاديين وماليين، من انتشار "اقتصاد الكاش" وتعطل عمل المصارف التجارية لتوسيع نطاق عملياتها في لبنان.

فيما أشارت المصادر إلى "ضرورة أن يباشر لبنان بتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية والمالية المطلوبة، منها إعادة هيكلة المصارف، كخطوة أساسية لمكافحة تبييض الأموال وتهريبها ومحاربة اقتصاد الكاش الذي استفاد منه حزب الله".

فرع لـ"القرض الحسن" في الضاحية الجنوبية لبيرون بعد استهدافه بغارة إسرائيلية (أرشيفية من رويترز)

اقتصاد موازٍ وشبكات تمويل خارجية

من جانبه، قال الخبير المالي والناشط السياسي أمير مقداد، لـ"العربية.نت/الحدث.نت" إن "لدى حزب الله اقتصاد موازٍ يضم مؤسسات اجتماعية ومالية داخل لبنان وخارجه، ولا سيما في أفريقيا وأميركا الجنوبية، تُستخدم في تأمين موارد مالية وإدخال الأموال إلى لبنان".

وأضاف مقداد أن الأزمة المالية التي انفجرت عام 2019 دفعت لبنان إلى الاعتماد بشكل متزايد على "اقتصاد الكاش"، ما سمح بتدفق الأموال خارج الرقابة التقليدية التي كانت تمارسها المصارف.

تمويل سنوي بمئات الملايين

كما أشار إلى أن آليات تمويل حزب الله تغيرت على مر السنين، موضحاً أنه في فترات سابقة كانت إيران تخصص للحزب ما يصل إلى 700 مليون دولار سنوياً.

كذلك أردف أن لدى الحزب "اقتصاد موازي يُقدّر حجمه بنحو 250 مليون دولار سنوياً، ويشمل مؤسسات اجتماعية ومالية تابعة له مثل "القرض الحسن" وشبكات تهريب عبر الحدود وأنشطة مرتبطة بتجارة الممنوعات وتبييض الأموال".

عناصر من حزب الله (أرشيفية من فرانس برس)

نظام "المقاصة" وقنوات التمويل غير الرسمية

وأوضح مقداد، الذي أعد دراسة مفصلة وبالأرقام بعنوان "منظومة الرواتب والتمويل في حزب الله"، أن من بين آليات التمويل التي يستخدمها الحزب ما يُسمى بنظام "المقاصة"، حيث تقوم جهة خارج لبنان بدفع أموال لطرف معين، مقابل قيام جهة أخرى داخل لبنان بدفع المبلغ للمستفيد بعد تقاضي عمولات محددة، من دون انتقال الأموال مباشرة عبر القنوات المصرفية التقليدية.

كما أشار إلى دور بعض شركات الصرافة وتحويل الأموال، التي سبق أن صنّفتها الخزانة الأميركية ضمن الجهات المرتبطة بتمويل حزب الله.

"تجارة القيمة" كوسيلة بديلة

ووفق مقداد، فإن عمليات التمويل تشمل أيضاً ما يُعرف بـ"تجارة القيمة"، حيث تُستخدم شركات وأنشطة تجارية كواجهات لنقل القيمة المالية بطرق غير مباشرة، وهي آلية تصنف ضمن أساليب غسل الأموال.

جاءت التقارير المتعلقة بالتمويل الإيراني لحزب الله بعد أيام من لقاء جمع رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في واشنطن، لبحث مسار الإصلاحات الاقتصادية والمالية في لبنان.

وحسب بيان صادر عن المكتب الإعلامي لسلام، تناول اللقاء جهود مكافحة الاقتصاد النقدي والحد من استخدام الأموال خارج النظام المالي الرسمي، إلى جانب تعزيز الشفافية والامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بما يسهم في استعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني وتعزيز اندماجه في النظام المالي العالمي.