محب الدين الخطيب.. مفكر سوري جمع بين الصحافة والدعوة
كاتب وصحفي ومفكر سوري ينتمي للتيار السلفي، وهو من أبرز أعلام النهضة الفكرية والإسلامية في العصر الحديث. ولد في دمشق وتلقى تعليمه بين الشام وبيروت والأستانة ( إسطنبول).
عرف بمواقفه الوطنية والقومية المدافعة عن الهوية الإسلامية، وكان لاستقراره في القاهرة انعكاس على إبداعه الفكري والثقافي، وهو من أوائل الذين نشروا الفكر السلفي في مصر والعالم العربي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 الاحتلال الإسرائيلي يتوغل بريف القنيطرة ويعلن مقتل شخص "مشتبه به"
* list 2 of 2 مصطفى السباعي.. سيرة رائد الحركة الإسلامية في سوريا end of list
أسس "المكتبة السلفية"، التي طبعت كتبا تراثية ومجلات تروج للفكر السلفي، ونشط في نشر وترويج مشروعه الفكري عبر الصحافة والطباعة وتأسيس الجمعيات الثقافية، إلى أن ألم به المرض وتوفي عن عمر ناهز 83 عاما.
المولد والنشأة
وُلد المفكر والكاتب محب الدين بن أبي الفتح الخطيب في حي "القيمرية" العريق بدمشق عام 1886، لأسرة شامية مرموقة ومعروفة بالعلم، أصولها من العراق، ويتصل نسبها بالشيخ عبد القادر الجيلاني، أحد أبرز العلماء الحنابلة في بغداد.
كان والده الشيخ أبو الفتح الخطيب من علماء دمشق، وتولى التدريس والوعظ في الجامع الأموي، وظل أمينا لدار الكتب الظاهرية حتى وفاته.
ذاق محب الدين مرارة اليتم منذ طفولته، إذ توفيت والدته وهي عائدة من فريضة الحج، وعمره آنذاك لم يتجاوز سبع سنين، وبعد عام واحد توفي والده أيضا.
مصدر الصورة
التكوين الدراسي
بدأ محب الدين مسيرته التعليمية في دمشق، إذ التحق في صغره بمدرسة الترقي النموذجية القريبة من المكتبة الظاهرية، التي عمل والده أمينا عليها، ونال فيها الشهادة الابتدائية عام 1896، ثم انتقل إلى مدرسة مكتب عنبر.
شكلت وفاة والده نقطة تحول بارزة في حياته، ودفعت الظروف أسرته إلى إخراجه من المدرسة، لكنه رغم ذلك بقي يلازم كبار العلماء ويدمن القراءة الحرة في دار الكتب الظاهرية.
انخرط محب الدين في البيئة العلمية التي اتسمت آنذاك بحلقات العلم والمجالس الدينية، ومن أهم الشخصيات التي أثرت في تكوينه الشيخ طاهر الجزائري، الذي كان له بمثابة الأب الروحي والمعلم والموجه.
وتشير المصادر التاريخية إلى أن الشيخ طاهر الجزائري وجه تلميذه نحو قراءة كتب التراث، ونسخ بعض المخطوطات النادرة، كما نصحه بالاستفادة من كبار علماء دمشق في ذلك الوقت، ومن أبرزهم أحمد النويلاتي وجمال الدين القاسمي ومحمد علي مسلم.
شهدت هذه المرحلة تحولا نوعيا في تكوينه المعرفي، إذ اتجه إلى متابعة المجلات الفكرية الكبرى المنتشرة في عصره، كمجلتي الهلال والمقتطف، وبدأ بكتابة المقالات وإرسالها إلى صحيفة ثمرات الزمان التي كانت تصدر من العاصمة اللبنانية بيروت.
انتقل بعد ذلك إلى بيروت حيث أتم دراسته الثانوية، ثم اتجه إلى الأستانة (إسطنبول) والتحق بكليتي الآداب والحقوق معا، إلا أن مسيرته الجامعية لم تكتمل، إذ لاحقته الأجهزة الأمنية العثمانية بسبب نشاطه السياسي بين الطلاب العرب وتأسيسه "جمعية النهضة العربية".
اضطر محب الدين إلى مغادرة إسطنبول والعودة إلى دمشق بعد التضييق الأمني، ومنها إلى اليمن حيث بدأ مرحلة جديدة من حياته.
مصدر الصورة
الوظائف والمسؤوليات
اختير محب الدين مترجما بالقنصلية البريطانية في الحديدة غربي اليمن، وفي طريقه إليها توقف بمصر، حيث التقى بأستاذه طاهر الجزائري وصديقه محمد كرد علي، واجتمع أيضا ببعض الرموز الفكرية والسياسية لتلك المرحلة كالشيخ محمد رشيد رضا ورفيق العظم.
انضم إلى جمعية الشورى العثمانية، وهي جمعية سرية تأسست في دمشق ومصر لمناهضة الحكم العثماني، وفوضه قادتها بتأسيس فرع لها في اليمن، وهو ما أنجزه فعلا في الحديدة.
وإلى جانب نشاطه السياسي في اليمن، اهتم بالتعليم والصحافة، وأسس مطبعة وصحيفة حملت اسم "جريدة العرب".
أصدرت السلطات العثمانية دستور عام 1908، فتحول نشاط جمعية الشورى السرية إلى العلن تحت لافتة جمعية "الاتحاد والترقي"، قبل أن يختلف محب الدين مع توجهاتها هو والشيخ رشيد رضا فغادراها.
عاد إثر ذلك إلى دمشق واستأنف نشاطه في جمعية النهضة العربية، كما مارس العمل الصحفي وشارك في تحرير جريدة سياسية ساخرة اسمها "طار الخرج"، وبعد تضييق السلطات عليه غادر الشام إلى مصر عام 1909.
بدأ هناك محطة جديدة بالعمل في جريدة "المؤيد" حتى عام 1913، حين اختاره الشيخ محمد رشيد رضا ليكون أستاذا في مدرسة الدعوة والإرشاد.
وأثناء فترة عمله بالجريدة، وتحديدا أواخر عام 1912، أسهم مع عدد من الشباب السوريين في تأسيس "الحزب العثماني للامركزية الإدارية"، وأسفرت الانتخابات مطلع 1913 عن اختياره مساعدا للسكرتير العام للحزب.
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914، زاد نشاط محب الدين الخطيب في العمل السياسي، واختارته الجمعيات العربية بالقاهرة ودمشق مندوبا للتشاور مع زعماء الجزيرة العربية حول مستقبل البلاد، غير أن مهمته اصطدمت بالاستخبارات البريطانية، التي اشتبهت في تحركاته الأمنية والعسكرية، واعتقلته في الخليج ونقلته إلى البصرة.
مصدر الصورة
انتقل محب الدين إلى مكة عام 1916 مع قيام الثورة العربية، وهناك أسس المطبعة الأميرية وأشرف على جريدة "القبلة"، وكان أول رئيس تحرير فيها.
عاد محب الدين إلى دمشق عام 1918، بعد خروج القوات العثمانية، والتحق بالعمل في الإدارة العربية الجديدة التي ارتبطت بالأمير فيصل بن الحسين، وتولى الإشراف على جريدة "العاصمة"، التي كانت تابعة للحكومة في دمشق.
مرحلة الاستقرار والعمل في مصر
بعد سقوط دمشق في يد الفرنسيين عام 1920، غادرها محب الدين متجها إلى القاهرة، وعمل مدة في جريدة "الأهرام"، ثم بعدها أنشأ مؤسسات صحفية وثقافية مستقلة.
كانت القاهرة مرحلة الاستقرار الأبرز في مسيرته العملية، إذ واصل فيها نشاطه الفكري في الصحافة والتأليف.
أنشأ محب الدين "المكتبة السلفية" ومطبعتها، وجعلها وسيلة لنشر كتب التراث الإسلامي، كما أشرف على تحقيق وطباعة عدد كبير منها، فأصبحت الكتب والمطبعة جزءا من مشروعه الإصلاحي والفكري في مصر.
تولى رئاسة تحرير مجلة الزهراء الشهرية التي أصدرها عام 1924، واستمرت إلى 1929، ونشرت موضوعات في التاريخ والأدب واللغة والحضارة والقضايا الفكرية، وشارك في الكتابة فيها عدد من الأدباء والعلماء منهم الشيخ محمد الخضر حسين.
انتقل إلى مشروع صحفي أوسع اتصل مباشرة باسمه، فأصدر "مجلة الفتح" الإسلامية عام 1926، والتي استمرت في الصدور حتى سنة 1948.
ولم يقتصر نشاط الخطيب في مصر على الصحافة، بل امتد ليتكامل مع العمل المؤسسي والاجتماعي؛ وكان له دور محوري في تأسيس "جمعية الشبان المسلمين" عام 1927 والعمل فيها. كما تولى تحرير "مجلة الأزهر"، التابعة لجامع الأزهر، واستمر فيها سنوات عدة.
مصدر الصورة
آثاره العلمية
كان لمحب الدين الخطيب أثر كبير في الإصلاح الفكري ونشر الثقافة الإسلامية، التي تجسدت في كتاباته ومؤلفاته، ومن أبرزها:
* توضيح الجامع الصحيح للإمام البخاري.
* موسوعة الحديقة، صدرت في 14 جزءا (مختارات من الأدب الإسلامي من مختلف العصور).
* ذو النورين عثمان بن عفان.
* الأزهر ماضيه وحاضره.
* الغارة على العالم الإسلامي (ترجمة).
* اتجاه الموجات البشرية في جزيرة العرب.
* حملة رسالة الإسلام الأولون.
* مع الرعيل الأول، عرض وتحليل لحياة الرسول مع أصحابه.
وفاته
توفي محب الدين الخطيب عن عمر 83 سنة في القاهرة يوم 30 ديسمبر/كانون الأول 1969، بمستشفى الكاتب بحي الدقي بعد خضوعه لعملية جراحية.