آخر الأخبار

شريان خفي من الصين.. مكونات تجارية تغذي آلة إيران والحوثيين العسكرية

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

بينما تنشغل واشنطن بالحرب مع إيران وبإدارة علاقتها المتوترة مع بكين، تكشف بيانات جمركية وشحنات اعترضتها سلطات تابعة للحكومة اليمنية المعترف بها دوليا عن مسارات إمداد تجارية من المصانع والأسواق الصينية إلى إيران ومناطق سيطرة جماعة أنصار الله ( الحوثيين)، وتحمل مواد ومكونات، كثير منها مزدوج الاستخدام، يمكن توظيف بعضها في تصنيع أجزاء لطائرات مسيّرة وصواريخ وأنظمة توجيه.

واستنادا إلى تقريري بلومبيرغ وصحيفة وول ستريت جورنال، تكشف المعطيات استخدام إيران والحوثيين -عبر مسارات مختلفة- مكونات ومواد واردة من الصين في برامج عسكرية وصناعة الأسلحة.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 شريكان لا خصمان.. قمة ترمب وشي بمنظار الصحافة الصينية
* list 2 of 2 بعد حرب الرسوم.. 5 رسائل من كارني عن مستقبل العلاقة مع أمريكا end of list

شحنات تجارية بوجه عسكري

وفي التفاصيل التي أوردتها وكالة بلومبيرغ الإخبارية في تقرير لاثنين من مراسليها، فحص خبراء أسلحة محتويات حاوية تجارية قادمة من الصين في مستودع بميناء عدن، وكانت في طريقها إلى ميناء الحديدة الخاضع للحوثيين.

وبحسب التقرير، تبيّن عند فحص محتويات الحاوية أنها تحتوي على آلات صناعية ومواد كيميائية ومكونات اشتبه المحققون في إمكان استخدامها في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة.

وكان من أبرز ما لفت انتباه المحققين وجود زعانف خلفية وقطع أخرى تشبه مكونات تُستخدم في تجميع صاروخ باليستي إيراني، إلى جانب راتنج الفينول المقاوم للحرارة، وهي مادة تدخل في تصنيع الصواريخ، فضلا عن مكونات يُشتبه في إمكان استخدامها لصناعة المسيّرات والصواريخ.

مصدر الصورة صورة أرشيفية لميناء عدن تظهر حجم تداول النشاط التجاري للحاويات في أعوام سابقة (الجزيرة)

ونقلت بلومبيرغ عن فواز البسيسي، المدير العام لإدارة موانئ عدن البرية والبحرية والجوية، قوله: "عندما رأيت المحتويات لأول مرة، كان واضحا أن هذه الشحنة تختلف عن الشحنات الأخرى التي رأيناها".

ووصف البسيسي ما عُثر عليه في ثلاث من هذه الحاويات بأنه "هيكل صاروخ كامل موزع على الحاويات الثلاث"، بينما رأى هنري طومسون، خبير الأسلحة والعضو السابق في فريق خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، أن بعض القطع تكاد تكون مؤكدة الصلة بالصواريخ، بينما تظل طبيعة قطع أخرى أكثر التباسا.

إعلان

ويربط التقرير الاستقصائي هذا التطور بشبكات شراء نشأت على مدى سنوات بين تجار يمنيين ومراكز التصنيع والتجارة الصينية، لا سيما في مدينة غوانغجو.

ومع اندلاع الحرب اليمنية وسيطرة الحوثيين على العاصمة صنعاء عام 2014، تعززت الروابط الاقتصادية بين اليمن والصين، وبرز جيل من التجار اليمنيين الذين يعرفون المصانع والوسطاء والقنوات اللازمة لنقل البضائع عبر جيبوتي إلى اليمن.

وبهذه الطريقة، يمكن شراء محرك من مورد صيني، وإلكترونيات من مورد آخر، ومكونات صناعية من ثالث، ثم جمع هذه المشتريات في شحنات تصل إلى اليمن، في حين يشير التقرير إلى أن أنظمة أسلحة كاملة بدأت تُعبأ إلى جانب بضائع عادية للالتفاف على العقوبات.

وتشير سجلات الشحن التي حصلت عليها السلطات اليمنية إلى عشرات الحاويات المنقولة عبر 41 بوليصة شحن صادرة عن شركات صينية، كثير منها في غوانغجو. وفي 25 من هذه السجلات، جرى تغيير اسم المستورد اليمني، وهو نمط قالت وحدة مكافحة الإرهاب في عدن إنه يساعد على إخفاء الشركات المرتبطة بالحوثيين.

وتشدد بلومبيرغ في المقابل على أنه لا توجد أدلة على أن الشركات الصينية المعنية كانت تعلم الوجهة النهائية لمنتجاتها.

واشنطن نقلا عن جهة أممية: أكثر من 70% من السلع ذات الاستخدام المزدوج المحظورة أو المقيدة التي صودرت بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026 كانت ذات منشأ صيني.

من استيراد السلاح إلى تصنيعه

تشير المعطيات التي جمعتها بلومبيرغ إلى أن الحوثيين باتوا قادرين على تصنيع أسلحة داخل اليمن، محققين بذلك استقلالية عسكرية غير مسبوقة بفضل المعدات والقطع الواردة من الصين.

ووفقا لبلومبيرغ، فإن عملية الفحص التي جرت في عدن في يوليو/تموز الماضي مثّلت تتويجا لتحقيق بدأ قبل نحو 9 أشهر بمعلومة استخبارية أمريكية محددة للغاية تتعلق برجل الأعمال اليمني فارس المؤيد، وأظهرت أن الحاويات تضمنت أيضا أدوات تشغيل آلي تدار بالكمبيوتر لصناعة أجزاء دقيقة للمسيّرات، ومحركات ثنائية الأسطوانات، ومعدات حفر وتهوية قد تُستخدَم في حفر الأنفاق.

من جانبه، أكد هنري طومسون، خبير الأسلحة والعضو السابق في لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن، في حديثه لبلومبيرغ، أن "ما لا نعرفه هو ما إذا كانت ورش الهندسة في الصين تدرك أنها تنتج مكونات صواريخ"، مستدركا أنه بالنظر إلى مجمل الشحنات المماثلة، "فمن المؤكد تقريبا أن هذه الشحنة موجهة للمجمع الصناعي العسكري للحوثيين".

مصدر الصورة لوحة مناهضة لأمريكا في طهران تُظهر عنصرا من الحرس الثوري ومركبة أمريكية غير مأهولة تحت الماء تقول إيران إنها استولت عليها في مضيق هرمز (الأوروبية)

أما وولف كريستيان بايس، الزميل المشارك للنزاعات المسلحة في المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية وعضو سابق بفريق الخبراء الأمميين، فأشار إلى أن تقييم الشحنة يعتمد بصورة كبيرة على السياق؛ إذ قال إن القطع نفسها لو عُثر عليها في ميناء هامبورغ بألمانيا متجهة إلى عنوان تجاري مشروع، لكان التقييم مختلفا.

وعلّق بيتر سالزبوري، الأستاذ غير المتفرغ بجامعة كولومبيا، قائلا إن "المصانع الصينية تنتج أجزاء جيدة مثل الغربية أو أفضل منها وبأسعار أقل"، مشيرا إلى أن الحوثيين "يجرِّبون كل حيلة ممكنة للالتفاف على الجهود الرامية إلى مراقبة ما يفعلونه ووقفه".

إعلان

ولم تجب وزارة الخارجية الصينية مباشرة عن أسئلة بلومبيرغ بشأن استخدام الحوثيين السلع التجارية ومزدوجة الاستخدام في تصنيع الأسلحة، لكنها قالت إن بكين "طبقت بجدية قرارات مجلس الأمن الدولي، وتحملت التزاماتها الدولية الواجبة".

لكن المشكلة، بحسب الخبراء الذين نقلت عنهم بلومبيرغ، ليست في قطعة منفردة، بل في تراكم عدد كبير من العناصر ذات الصلة المحتملة بالتصنيع العسكري في الشحنة نفسها.

وفي هذا السياق، أشار التقرير إلى أن أكثر من 70% من السلع ذات الاستخدام المزدوج المحظورة أو المقيدة التي صودرت بين يناير/كانون الثاني 2025 وأبريل/نيسان 2026 كانت -طبقا لما نقلته الولايات المتحدة عن جهة أممية تراقب الشحنات إلى اليمن- ذات منشأ صيني.

وفي رد منفصل خلال اجتماع لمجلس الأمن، رفض ممثل الصين الاتهامات الأمريكية ووصفها بأنها "بلا أساس".

من اليمن إلى إيران

إذا كانت التحقيقات في عدن قد كشفت عن شحنات من مكونات صينية كانت في طريقها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، فإن تقرير وول ستريت جورنال الاستقصائي نقل صورة موسّعة عن إيران نفسها.

فبحسب بيانات الجمارك الإيرانية التي حللتها الصحيفة، وصلت إلى وزارة الدفاع الإيرانية خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 1300 شحنة من الصين تضمنت مكونات ذات استخدام مزدوج.

وفي إحدى الحالات، هبطت طائرة قادمة من الصين في طهران في اليوم نفسه الذي كانت بكين تعلن فيه عن جهودها الدبلوماسية لتهدئة الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، وكانت تحمل مكونات إلكترونية يمكن استخدامها في أنظمة الطائرات المسيّرة وتوجيه الصواريخ.

وبعد يومين فقط، وصلت أكثر من 12 شحنة أخرى تضم مكونات تبلغ قيمتها أكثر من 6 ملايين دولار ويمكن استخدامها في المسيّرات.

مصدر الصورة حركة الملاحة في مضيق هرمز قبالة مسندم العُمانية يوم 23 سبتمبر/أيلول 2026 (رويترز)

وأفادت الصحيفة في تقرير مطول أعده 4 من مراسليها، بأن سجلات الفترة الممتدة من يناير/كانون الثاني 2025 إلى نهاية يونيو/حزيران 2026 تظهر آلاف الشحنات إلى وزارة الدفاع الإيرانية وشركات إيرانية، بينها أجهزة التتبع بنظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس) ومحركات كهربائية وقِطع لمحركات الطائرات ومكونات إلكترونية.

وشملت بعض الشحنات مكونات إلكترونية يمكن استخدامها في أنظمة توجيه الصواريخ والمسيّرات. وتشير الصحيفة، في مسار آخر، إلى أن شركات صينية أنتجت لإيران مواد كيميائية مثل بركلورات الصوديوم المستخدمة في تصنيع وقود الصواريخ الباليستية.

وبالتوازي، وسعت طهران روابطها الجوية مع الصين عبر شركة ماهان إير الإيرانية، إذ ارتفع عدد رحلاتها من بكين وشنغهاي وغوانغجو إلى طهران من 4 رحلات أسبوعيا في مطلع مارس/آذار إلى نحو 27 رحلة بنهاية أبريل/نيسان، بينما أظهرت البيانات لاحقا أن كثيرا من الرحلات المتجهة من الصين إلى إيران بدا مخصصا للشحن.

وقد أثارت هذه المعطيات انقسامات داخل الإدارة الأمريكية قبيل قمة ترمب وشي في واشنطن.

فبينما دعت شخصيات سياسية أمريكية بارزة، مثل السيناتور الديمقراطية إليسا سلوتكين، في رسالة وجهتها لترمب ونقلتها وول ستريت جورنال، إلى ضرورة جعل الدعم الصيني لإيران "محورا رئيسيا" للمحادثات، نظرا لوجود "أدلة كثيرة ومتزايدة على أن هناك شركات صينية تساعد إيران في استهداف وقتل الجنود الأمريكيين"، قلل الرئيس الأمريكي من شأن تلك المخاوف قائلا: "أعتقد أنه ( شي جين بينغ) تصرف بشكل معقول نسبيا".

مصدر الصورة ترمب وشي جين بينغ خلال لقائهما في قاعة الشعب الكبرى ببكين يوم 14 مايو/أيار 2026 (رويترز)

ومن جهتهم، أشار محللون سياسيون إلى أن بكين تسعى من خلال دعم طهران إلى تقويض مكانة واشنطن الدبلوماسية واستنزاف مخزونها العسكري، في الوقت الذي تحرص فيه على حماية مصالحها الاقتصادية مع الولايات المتحدة، وعدم إطالة أمد صدمات أسعار الطاقة العالمية.

الصين اشترت أكثر من 80% من صادرات النفط الخام الإيرانية، وفق ما نقله أعضاء في الكونغرس الأمريكي، بينما تطورت شبكات من البنوك الصينية والشركات الوهمية في هونغ كونغ لمساعدة إيران على مواصلة بيع النفط.

بواسطة وول ستريت جورنال

النفط والمال إلى جانب السلاح

لا يقتصر الدعم المرتبط بالصين -بحسب وول ستريت جورنال- على المعدات، فالصين أصبحت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني، بينما تستخدم شبكات من الشركات الواجهة والبنوك الصينية وآليات مالية باليوان للمساعدة في استمرار التدفقات المالية رغم العقوبات الأمريكية.

إعلان

وتشير الصحيفة إلى أن الصين اشترت أكثر من 80% من صادرات النفط الخام الإيرانية، وفق ما نقله أعضاء في الكونغرس الأمريكي، بينما تطورت شبكات من البنوك الصينية والشركات الوهمية في هونغ كونغ لمساعدة إيران على مواصلة بيع النفط.

وبحسب بيانات شركة كبلر لتتبع حركة السفن التي أوردتها الصحيفة، استمرت كميات من النفط الإيراني في الوصول إلى الصين حتى بعد إطلاق واشنطن في أواخر أغسطس/آب "عملية المنبوذ الاقتصادي"، بينما بلغ حجم الشحنات نحو 4 ملايين برميل في أسبوع واحد.

وهكذا، تبدو مسارات الإمداد والتمويل أوسع من مجرد نقل قطع للصواريخ والمسيّرات؛ إذ تشمل الصورة التي يرسمها التقريران الطاقة والتمويل والخدمات اللوجيستية والرحلات الجوية والأسواق التجارية الإلكترونية.

الحوثيون: استقلال أكبر داخل محور إقليمي

تكشف المعطيات التي جمعتها بلومبيرغ أن المسألة لا تنحصر في قدرة إيران على الاستمرار في الحرب، بل تمتد إلى الحوثيين الذين باتوا، وفق التحقيق، أكثر استقلالا في إنتاج الأسلحة.

وقالت ندوة الدوسري، الباحثة غير المقيمة في معهد الشرق الأوسط، إن الحوثيين لديهم أيديولوجيتهم وطموحاتهم الخاصة، لكنها أضافت أنه "من دون الدعم الإيراني، لم يكونوا ليشكِّلوا التهديد الذي يمثلونه اليوم لليمن، ناهيك عن المنطقة".

وأردفت قائلة إن مئات من قادة الحرس الثوري الإيراني عملوا داخل اليمن منذ 2014، للمساعدة في توجيه العمليات العسكرية وتطوير قدرات تصنيع الأسلحة.

لكن الصورة الحالية -وفق الوكالة الإخبارية- تشير إلى أن الحوثيين أصبحوا قادرين على تنفيذ جزء متزايد من مشروعهم العسكري بدرجة أعلى من الاستقلال، مستفيدين من شبكات شراء عالمية ومن تدفق مكونات صينية منخفضة الكلفة ومتاحة تجاريا.

وتزداد أهمية هذا التطور مع توسع نفوذ الحوثيين على الساحل اليمني للبحر الأحمر، واقترابهم من باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم. وتحذر بلومبيرغ من أن قدرة الجماعة على التأثير في هذا الممر قد تضيف عرقلة جديدة إلى حركة التجارة العالمية، خصوصا في ظل الاضطرابات القائمة أصلا في مضيق هرمز.

وتشير المعطيات الواردة في التقريرين إلى أن سهولة الحصول على سلع ومكونات مزدوجة الاستخدام عبر شبكات التجارة الدولية تعقّد جهود اعتراض المواد التي يمكن توظيفها عسكريا، وتتيح لإيران والحوثيين -عبر مسارات مختلفة- الوصول إلى مكونات يمكن استخدامها في برامج الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا