في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وتعود حلقة 15 سبتمبر/أيلول من برنامج "المخبر الاقتصادي "، الذي تنتجه "الجزيرة بلس " وتبثه منصة الجزيرة 360، ويمكنكم مشاهدتها كاملة على هذا الرابط، إلى إنريكو ماتي، الرجل الذي قاد إيني الإيطالية في مرحلة صعودها، وإلى اتفاقها النفطي مع إيران عام 1957.
لكن أهمية القصة لا تكمن في أن شركة إيطالية دخلت سوقا نفطية مزدحمة، بل في السؤال الذي طرحه العقد: من يدفع كلفة البحث عن النفط، ومن يتحمل الخسارة، ومن يملك النصيب الأكبر من العائد إذا نجح المشروع؟
لم يكن ماتي رئيس شركة تقليديا. ففي عام 1945، عُين مفوضا لتصفية شركة "أجيب " الحكومية بعد الحرب العالمية الثانية، لكنه قرر مواصلة التنقيب في وادي بو، وهو السهل الممتد حول نهر بو في شمال إيطاليا، بدلا من تفكيكها. ومع اكتشافات الغاز وتوسع شبكة النقل، أُنشئت إيني في فبراير/شباط 1953، وأصبح ماتي أول رئيس لها.
ومن موقعه الجديد، كان ماتي يبحث عن مورد طاقة لإيطاليا وعن موطئ قدم لشركته في الشرق الأوسط. وكان قد استُبعد من الترتيبات النفطية التي أعقبت أزمة النفط الإيراني في الخمسينيات، في سوق كانت فيها صيغة اقتسام الأرباح مناصفة بين الدولة والشركة الأجنبية هي النموذج الغالب. وتذكر موسوعة إيرانكا أن إيني والشركة الوطنية الإيرانية للنفط قدمتا لاحقا نموذجا تعاقديا عرف باسم صيغة 75/25.
ارتبط اسم ماتي بعبارة “الأخوات السبع”، وهي تسمية أطلقها على شركات النفط الغربية الكبرى التي هيمنت على جانب واسع من الصناعة النفطية الدولية في ذلك الزمن. لكن أهم ما فعله لم يكن إطلاق وصف خصومه، بل محاولة منافستهم في موضع أكثر حساسية: شروط الشراكة مع الدول المنتجة.
وأبرمت إيني والشركة الوطنية الإيرانية للنفط اتفاقا في 14 مارس/آذار 1957 للتنقيب وتطوير الموارد النفطية في إيران. وفي 15 أغسطس/آب أقر مجلس النواب الإيراني الاتفاق، ثم أفادت مذكرة أمريكية بأن مجلس الشيوخ صادق عليه ووقعه الشاه في 24 أغسطس/آب.
وتذكر موسوعة إيرانكا أن اتفاق سيريب، وهو اسم الشركة الإيرانية الإيطالية المشتركة، أصبح نافذا في ذلك التاريخ. فالاتفاق لم يكن صفقة تمنح إيران ثلاثة أرباع النفط المستخرج، بل ترتيبا يخص صافي أرباح المشروع. كما لم يكن تأميما جديدا للنفط الإيراني، بل شراكة بين الشركة الوطنية الإيرانية للنفط وأجيب مينيراريا، ذراع التنقيب التابعة لإيني.
تشير الوثائق الأمريكية إلى أن الاتفاق منح إيران 75% من صافي الأرباح. وفي المقابل، تتحمل إيني كامل كلفة الاستكشاف إذا لم يعثر على النفط، بينما تسهم إيران بنصف رأس المال إذا تحقق الاكتشاف.
أما الشركة المشتركة، سيريب، فكانت مملوكة مناصفة بين الشركة الوطنية الإيرانية للنفط وأجيب مينيراريا. وهذا يعني أن ملكية الشركة بنسبة 50/50 لا تساوي تلقائيا توزيع العائد بنسبة 50/50. فصيغة 75/25 جاءت من هيكل يجمع بين شراكة الشركة الوطنية الإيرانية والعائد السيادي للدولة ضمن ترتيبات الاتفاق.
وصفت مذكرة أعدتها أجهزة الخارجية الأمريكية في أغسطس/آب 1957 الاتفاق بأنه “تغيير كبير وجذري” عن النمط السائد في الشرق الأوسط. فذلك النمط كان يقوم على اقتسام الأرباح مناصفة، مع تحمل الشركة صاحبة الامتياز الاستثمارات، بينما منح الاتفاق الإيراني حصة أعلى للدولة المنتجة وربط مساهمتها الرأسمالية بتحقق الاكتشاف.
بكلمات أبسط، لم تنافس إيني الشركات الكبرى بحجم إنتاجها، بل بعرض تفاوضي مختلف: مخاطرة أعلى على الشركة الأجنبية في البداية، وحصة أعلى للدولة المنتجة عند النجاح.
وهذه المعادلة هي التي جعلت الاتفاق قابلا لأن يتحول إلى سابقة تفاوضية. فمذكرة الخارجية الأمريكية نفسها توقعت أن يدفع الاتفاق دولا أخرى في الشرق الأوسط إلى المطالبة بمراجعة ترتيباتها النفطية القائمة.
في 18 مارس/آذار 1957، أرسل السفير الأمريكي في روما جيمس ديفيد زيلرباخ برقية سرية إلى وزارة الخارجية قال فيها إن تقسيم المنافع بنسبة 75/25 قد يضر بعلاقة شركات النفط الدولية بالدول المنتجة، ويعطي زخما لاتجاهات التأميم، ويعقد الجهود الأمريكية في المنطقة. وطلب من وزارته التحرك لوقف الاتفاق بصيغته القائمة.
لكن برقية من السفارة الأمريكية في طهران في اليوم التالي كشفت زاوية أخرى. فقد حذرت من أن محاولة منع الاتفاق قد تثير غضب الشاه، الذي قد يعده شأنا إيرانيا إيطاليا لا تقبل فيه طهران التدخل الخارجي.
هذه الوثائق لا تثبت أن واشنطن كانت قادرة على إلغاء الاتفاق أو أنها اتخذت قرارا موحدا ضده، لكنها تثبت أن الصيغة لم تُقرأ كصفقة تجارية عادية. كانت، في نظر دبلوماسيين أمريكيين، اختبارا لقواعد النفط التي حكمت المنطقة آنذاك.
لم يكن نجاح العقد مضمونا لمجرد توقيعه. فقد أشارت مذكرة أمريكية أخرى إلى أن إيني قد تواجه مشكلة في التسويق إذا تجاوز إنتاجها المحتمل قدرة السوق الإيطالية على الاستيعاب.
وهنا يظهر درس آخر في قصة ماتي: النفط لا يصنع القوة عند البئر وحده. فالقيمة تتحدد أيضا بمن يملك التمويل، والتكرير، والنقل، ومنافذ البيع، والأسواق القادرة على استيعاب الإنتاج. لهذا كان عقد 75/25 مهما، لكنه لم يلغ بقية عناصر القوة في الصناعة النفطية.
لا تزال قصة ماتي ملهمة، وذلك لأنها تنقل النظر من سؤال: من يملك المورد؟ إلى سؤال: كيف توزع مخاطرة الوصول إلى المورد، وكيف يقسم عائده؟ وهذا هو لب معادلة 75/25.
لم تكن مجرد نسبة تسويقية، ولا قسمة مباشرة لبراميل النفط. كانت محاولة لتغيير العلاقة بين الشركة الأجنبية والدولة المنتجة عبر ثلاثة مفاتيح: ملكية مشتركة، مخاطرة تنقيب تتحملها الشركة، وحصة أكبر من صافي الربح للدولة.
وفي هذا المعنى، كان إنريكو ماتي حاضرا في العقد أكثر من حضوره في الشعارات. فقد حاول أن يدخل سوق النفط لا عبر كسر احتكار قائم بالقوة، بل عبر تقديم صيغة تجعل التفاوض نفسه ساحة للمنافسة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة