قدّر معهد دراسة الحرب (ISW) أن التيار المتشدد داخل المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني يمكن أن يدعم اتفاقاً مع الولايات المتحدة، شرط أن يستجيب لمطالب طهران، وفي مقدمتها استمرار سيطرتها على هرمز.
واستند المعهد في تقييمه إلى تقرير نشره موقع "أكسيوس"، وأكده لاحقاً متحدث باسم رئاسة إقليم كردستان العراق لـ"إيران إنترناشيونال"، بشأن إبقاء قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي قنوات اتصال غير مباشرة مع الجانب الأمريكي وتفضيله تسوية النزاع عبر المفاوضات.
في المقابل، نقلت وكالة "رويترز"، الاثنين، عن مسؤول إيراني رفيع قوله إن بلاده ستنتقل إلى وضع "هجومي بالكامل"، بعدما استبعدت واشنطن تمديد اتفاق وقف إطلاق النار المؤقت.
وقال المسؤول إن الجهات الإيرانية مطالبة بالاستعداد لاحتمال تصاعد التوتر في مضيق هرمز والمنطقة عموماً، مشيراً إلى أن طهران ستكون جاهزة لاتخاذ "قرارات صعبة". وأضاف أن إيران قد تنفذ هجوماً عسكرياً "في الوقت المناسب وبدقة" بهدف كسر الحصار البحري الأمريكي إذا وصلت الجهود السياسية إلى طريق مسدود.
يرى معهد دراسة الحرب أن استمرار استهداف السفن التي تعبر المضيق من دون التنسيق مع هيئة المضيق في الخليج الفارسي التابعة لإيران يعكس صعوبة قبول وحيدي بأي اتفاق يؤدي إلى تخلي طهران عن سيطرتها على هذا الشريان البحري الاستراتيجي.
وتبرز أهمية هذه النقطة في مذكرة التفاهم الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي تضمنت مهلة استمرت 60 يوماً وانتهت أمس الاثنين. فقد نص البند الخامس منها على السماح بمرور آمن وحر للسفن التجارية عبر هرمز خلال فترة الاتفاق، لكن طهران فسّرت النص على أنه لا ينتزع منها السيطرة على المضيق.
وساهم التباين في تفسير هذا البند، وفق المعطيات الواردة، في انهيار التفاهم، قبل أن يؤدي الخلاف بشأن مستقبل الممر المائي إلى تجدد الحصار الأمريكي، ما أضاف مزيداً من الأعباء إلى اقتصاد إيراني يعاني أساساً من ضغوط حادة.
وتكتسب التداعيات الاقتصادية أهمية مضاعفة بالنسبة إلى السلطات، بعدما كانت الأوضاع المعيشية قد أشعلت احتجاجات في ديسمبر/كانون الأول، اتسعت في يناير/كانون الثاني وتحولت إلى تحركات رفعت مطالب بإنهاء حكم النظام الإسلامي.
ومع ذلك، يرى معهد دراسة الحرب أن الجناح المتشدد المرتبط بوحيدي يبدو مستعداً لتحمل التكلفة المالية لحصار طويل، حتى مع ما قد يرافق ذلك من اضطرابات داخلية وتوترات إقليمية متزايدة.
وبحسب منظمات حقوقية، قُتل أكثر من 30 ألف شخص على أيدي قوات الأمن خلال مظاهرات يناير/كانون الثاني، فيما احتُجز الآلاف تعسفياً. كما واصلت السلطات تنفيذ أحكام إعدام بحق أشخاص اتهمتهم بالمشاركة فيما وصفته بأعمال شغب مدعومة من الخارج.
وزاد قطع الإنترنت لأشهر من صعوبة متابعة التطورات الميدانية وتوثيق الانتهاكات بالنسبة إلى المنظمات الحقوقية الدولية، فضلاً عن التداعيات الاقتصادية الناجمة عنه، وهي صعوبات كان مسؤولون في الأمم المتحدة قد أشاروا إليها آنذاك.
لا يزال التضخم السنوي في إيران يتجاوز الـ 80%، بحسب ما أوردته وكالة "إيسنا" السبت، بينما تتسع تداعيات الأزمة لتطال قطاعات أساسية، بينها الأدوية والخدمات الاجتماعية.
وقال رئيس منظمة الغذاء والدواء مهدي بيرصالحي، الأحد، إن أسعار نحو ثلثي الأدوية في البلاد ارتفعت نتيجة صعوبات الحصول على المواد الخام وارتفاع كلفة نقلها جواً بدلاً من البحر. كما تحدثت وسائل إعلام إيرانية داخل البلاد وفي الخارج عن أزمة متفاقمة في تكاليف المعيشة، جعلت شرائح من السكان عاجزة عن تحمل أسعار سلع وخدمات أساسية، بالتزامن مع تعثر دفع بعض مستحقات الرعاية الاجتماعية.
وفي مؤشر على حجم القلق الرسمي، دعا النائب الأول للرئيس محمد رضا عارف إلى مواجهة الضغوط الاقتصادية الأمريكية عبر التخطيط ووضع السياسات المناسبة، مطالباً بالاستعداد لـ"أسوأ السيناريوهات"، في تصريح اعتبر معهد دراسة الحرب أنه قد يشير إلى مخاوف من اندلاع موجة جديدة من المظاهرات.
ولا يجزم المعهد بما إذا كان وحيدي مستعداً لتقديم تنازلات مقابل تخفيف الضغوط المالية وتفادي انفجار داخلي جديد، لكنه يطرح احتمال أن تختار السلطات بدلاً من ذلك تشديد قبضتها الأمنية، بالتوازي مع زيادة الاستثمار في مسارات النقل البري، رغم إقرار مسؤولين بأن هذه الطرق لا تستطيع تعويض الشحن البحري.
تعزز التحركات الأخيرة داخل المؤسسة الأمنية التكهنات بشأن استعداد السلطات لمواجهة اضطرابات محتملة. فقد أشار المحلل الأمني والمدير السابق في "إيران إنترناشيونال" روجر ماكميلان إلى تعيين حسين طائب مؤخراً قائداً لقوات الباسيج شبه العسكرية، بعدما سبق له أن ترأس جهاز استخبارات الحرس الثوري.
ويرتبط اسم طائب بدوره في قمع احتجاجات عام 2009، التي أعقبت انتخابات رئاسية متنازعاً عليها. ووفق منظمات حقوقية، اعتُقل آلاف الأشخاص تعسفياً خلال تلك الأحداث، فيما قُتل العشرات في الشوارع أو أثناء الاحتجاز، وتحدث عدد من المحتجين عن تعرضهم للتعذيب.
ويرى ماكميلان، شأنه شأن محللين آخرين، أن عودة طائب إلى موقع أمني بارز تحمل دلالة على استعداد طهران للتعامل بقوة مع أي موجة احتجاجية جديدة.
وقال لصحيفة "جيروزاليم بوست" إن وحيدي ليس مضطراً إلى الاختيار بين مواجهة واشنطن في الخارج وقمع المعارضة في الداخل، معتبراً أن السيناريو قد يبدأ بتصاعد الاحتجاجات، ثم وصف وسائل الإعلام الرسمية المشاركين فيها بأنهم "مثيرو شغب" و"إرهابيون"، قبل قطع الإنترنت وشن حملات اعتقال واسعة وتشديد الإجراءات القضائية واستخدام الإعدامات وسيلة للردع.
وتزامنت هذه المخاوف مع إجراءات داخلية عدة. ففي وقت سابق من الأسبوع، طُرد طالب بارز من جامعة شريف للتكنولوجيا على خلفية مزاعم بشأن تعليقه دمية على شكل فأر على شجرة خلال الاحتجاجات، في إشارة إلى لقب "موش علي"، أي "علي الفأر"، الذي كان يُستخدم للسخرية من المرشد الأعلى آنذاك آية الله علي خامنئي .
كما أفادت شبكة "دادبان" القانونية الإيرانية بأن السلطات أغلقت عدداً من المقاهي والمطاعم بعد اتهامها بالسماح بـ"المقامرة، وانتهاك الأعراف، والترويج للفساد، وعدم الالتزام بالمعايير الإسلامية"، استناداً إلى مكتب المدعي العام والثوري في قائنات.
وذكرت الشبكة أيضاً أن نساء حُرمن من خدمات عامة بسبب عدم ارتداء الحجاب، بينما أفادت صحيفة "صنداي تايمز" بأن شرطة الأخلاق الإيرانية بدأت استئناف دورياتها، في مؤشرات تضيف إلى المخاوف من تشديد القيود الاجتماعية والأمنية.
في المقابل، لا تبدو القيادة الإيرانية، وفق قراءة ماكميلان، مقتنعة بأن الضغوط الحالية ستجبرها سريعاً على التراجع، ذلك أن تعثر صادرات النفط وإصدار البنك المركزي أكبر ورقة نقدية في تاريخ البلاد يمثلان، برأيه، مؤشرين إلى أن فترة توقف الضربات المكثفة لم تكن كافية لتمكين النظام من استعادة عافيته الاقتصادية.
وقال إن الخيارات المتاحة أمام القيادة تضيق تدريجياً، مشيراً إلى أن كل أسبوع يمر من دون تسوية يدفع الأسر الإيرانية أقرب إلى الظروف التي سبقت انتفاضة يناير/كانون الثاني، بينما تصبح المنظومة الأمنية التي أعاد وحيدي تشكيلها أكثر استعداداً للتعامل مع أي تحرك داخلي.
وأضاف أن ثقة طهران ازدادت بعد ما وصفه بالفشل الواضح لحملة القصف الأمريكية والإسرائيلية في القضاء على قدرتها على إنتاج الطائرات المسيّرة أو تقليصها بصورة حاسمة، مشيراً إلى تقارير تفيد بأن المخزونات عادت إلى المستويات المسجلة قبل الحرب، وهو ما يجعله يعتقد أن إيران باتت مستعدة لاستئناف القتال.
وبحسب ماكميلان، تستعد طهران لمواجهة طويلة الأمد، مستندة إلى حسابات ترى أن تراجع شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والنقص في الصواريخ الاعتراضية، واقتراب انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، قد تمنحها مساحة أوسع للمناورة.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة