في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
غزة- كانت تغريد تتحرك بين المصورين في ساحة مستشفى الشفاء في غزة، تتنقل بين المصورين بوجه متعب وبصوت مبحوح ونَفَس قصير، تسأل عن لقطة ربما جمعت وجوه من تبقوا ومن رحلوا، قبل أن تتوزع العائلة بين ركام البيوت والمستشفيات والمقابر و المعتقلات الإسرائيلية.
اقتربت الجزيرة نت مستفسرة عن طلبها، ومن هنا بدأت حكاية أكبر من صورة، تقول تغريد إن عائلتها، التي تجاوز عدد أفرادها وأقاربها أكثر من 200 شخص، تقلصت عبر سنوات حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة إلى 10 أفراد فقط.
قالت جملتها بهدوء ثقيل: "كل الذكريات راحت"، ثم بدأت تروي كيف صار الركام ذاكرة بديلة تحفظ أسماء الأماكن أكثر مما تحفظ شكل البيوت.
خرجت تغريد الدلو 7 مرات من تحت الأنقاض، وعادت 7 مرات إلى الحياة وهي تعدّ من نقصوا حولها. في حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، دُفنت مرتين خلال يومين، ثم في الحي نفسه في منطقة أبو العظام، وما بينهما، وصولا إلى حي الزيتون.
صارت محطات النّزوح لدى تغريد علاماتٍ تعدّ بها من فقدت تحت التراب وتشير إليها واحدة تلو الأخرى: "هنا استشهدت أمي وابن أختي وأخوالي جميعا، وهناك ابن أخي، وفي الموضع المقابل شقيقتي وابنها و20 من أفراد العائلة".
تقول وهي تحبس دموعها عند حافة العين: "ذاكرتي خرجت من الحرب مثقوبة، وتشكّلت من تحت الركام". عندها اتخذنا موضعا للجلوس لعدم قدرتها على استدعاء الشهداء واقفة، وجلست تغريد قليلا، ثم بدأت ترتب أسماء أماكن النزوح وكيف نجت من تحت ركامها.
عند اقتراب ساعات العشاء، قصف جيش الاحتلال الإسرائيلي حي الشجاعية بأحزمة نارية متتالية امتدت من بداية سوق الخضار في منطقة الطوابين حتى آخر السوق؛ مما أدى إلى حركة نزوح واسعة للسكان وتدمير كبير في البنى التحتية والمنازل.
مع الفجر، بدأ الناس يقتربون من المكان بحثا عن أحياء تحت الأرض، واستمرت محاولات الإنقاذ حتى قرب وقت المغرب، وتحت السقف المنهار، كانت تغريد تخوض معركة منفردة إلى جانب أمها المقعدة، المصابة بألزهايمر، العاجزة عن النداء.
تستعيد تلك اللحظة وتغمض عينيها بشدة كلما تذكرت ضيق السقف المنهار، كأنها تحاول طرد الرؤية من مخيلتها: "زحفت بجسدي بين فكّي السقف المنهار والأرض المتكسّرة، أصارع الموت وأجرّ خلفي أمّي المقعدة نحو فتحة صغيرة نفذ منها خيط من الضوء، وما إن وصلنا إلى الخارج، وتنفسنا الهواء الممزوج بالغبار حتى أدركت أن النجاة كانت في بدايتها فقط؛ فالأفق كان مسدودا بأسقف ساقطة، وبقايا المباني المتهاوية".
وتكمل باكية: "متخيلة اللحظات هاي؟ قضيت الليل تحت الركام، واجتزتُ الصعاب في النهار".
أكثر من 200 شهيد ارتقوا في المنطقة، وعددٌ من السكان دُفنوا تحت التراب وهم أحياء، ومن أقربائها استشهد خالها، وابن أختها، وزوجة خالها.
بعد الخروج من مجزرة الشجاعية، اتجه الناجون إلى شارع الثورة بحثا عن سقف يحتمون به، ومرت ساعات قليلة قبل أن يتحول المكان ذاته إلى حصار جديد. استهدف جيش الاحتلال الشارع، وحوّل المنطقة إلى حيّز عسكري مغلق، وصار كل تحرك سببا مباشرا للاستهداف.
تروي تغريد أنهم بقوا 5 أيام منبطحين على الأرض بأجساد ساكنة، وأطفال يخفضون أصواتهم، وقذائف تتساقط حول البيوت. وفي الخارج، كانت الآليات تجمع السيارات في الشوارع وتفجرها دفعة واحدة، وفي الداخل كانت العائلة تحاول البقاء بصمت كامل.
لكن النّجاة لم تكن النهاية، حيث عادت تغريد إلى ركام في الشجاعية مرة ثانية، وفي هذا الاستهداف الجديد نفّذت قوات الاحتلال أقوى حزام ناري على المنطقة مجددا.
تتحدث وصوتها يتهدّج: "في كل استهداف كان عدد العائلة يتناقص واحدا تلو الآخر"، فقد فقدت في هذا الاستهداف ابن أختها وخالها و3 من أفراد عائلته، فارتبطت النجاة لديها بخسارة مباشرة داخل العائلة، وصار الخروج من تحت الأنقاض يعني البحث عمّن بقي وعمّن غاب.
قامت تغريد من تحت الركام تنفض عنها الغبار وتتفقّد إصابات جسدها، وبأصابع دامية راحت تبحث بلهفة وتصرخ وسط الدمار: "أين أمي؟ أين إخوتي وأخواتي؟" في رحلة بحث مريرة لا تنتهي بين ركام وركام.
وصلت تغريد إلى محطة ثالثة من الركام في منطقة أبو العظام بالشجاعية. قبل الاستهداف، اضطرت العائلة للإقامة في بقايا بيت مقصوف، مساحته 6 أمتار مربعة، حيث تقاسم 12 فردا 3 فرشات منهكة طوال أسبوعين.
في تلك الليلة، استيقظت العائلة على حزام ناري جديد في شارع مشتهى بالمنطقة. أصيب كل من كان داخل البيت، وبقوا تحت الركام بانتظار طواقم الدفاع المدني.
تستعيد تغريد تلك الليلة والدموع تخنق صوتها: "المجزرة هناك خلفت مئات الشهداء، وأصيب كل من كان داخل البيت.. بقينا تحت الركام ننتظر طواقم الدفاع المدني ونصارع الأنفاس الأخيرة".
لم تعد المساحة الضيقة مأوى، وتحولت إلى طبقة جديدة من الأنقاض فوق جسد العائلة، وكل خروج منها كان يعني طريقا جديدا إلى نزوح آخر، وبيتا مؤقتا آخر، وعددا أقل من الأحياء.
في شارع فلسطين، نفضت تغريد الركام عن نفسها للمرة الرابعة خلال مدة قصيرة بين استهداف وآخر، وحين أوشكت الجزيرة نت على السؤال عن شعورها وهي تعيش هذا الموت المتكرر، سبقت السؤال حاسمة وموجوعة: "أعرف سؤالك، هول ما رأيته كان أكبر من أي وقت للتفكير بالشعور، فقد كنت أبحث عن أمي في كل مرة، وأحمد الله أني استطعت إنقاذها".
في هذا الشارع، جاء الاستهداف الإسرائيلي الرابع ليضيف اسم ابن أخيها وأقارب آخرين إلى سجل الفقد المفتوح، واتسعت الحكاية من بيت واحد إلى إبادة عائلة كاملة تتناقص مع كل جغرافيا، وتتحول الخريطة داخل رأس تغريد إلى أماكن مرتبطة بأشخاص فقدتهم تباعا.
عادت تغريد إلى مستشفى الشفاء بعد تراجع جيش الاحتلال عن المنطقة مؤقتا، وهناك دخلت العائلة فصلا آخر من الفقد والتنكيل.
حاصرت الدبابات الإسرائيلية مجمّع الشفاء الطبي، واقتحمت آليات عسكرية أجزاء منه فجرا، ووصلت القوات إلى مبنى الجراحات والطوارئ وقسم التفتيش وأقسام طبية مختلفة. ومع الحصار، انقطع التيار الكهربائي والماء، ونفد الوقود، وتوقفت العناية المركزة، وتضررت البنية التحتية للمستشفى ومرافقه.
تقول تغريد، وهي مسؤولة قسم فصل الدم في بنك الدم بمجمّع الشفاء: "اتخذت من مكتبي مأوى بجانب النازحين في المشفى، وسرعان ما تفرقت عائلتي بالكامل بين شهداء وجرحى ومعتقلين".
خلال اقتحام قوات الاحتلال مرافق المشفى، اعتقلت شقيقها واثنين من أبنائه أمام عيني أمها (84 عاما)، والتي كانت قد خرجت للتو من سلسلة فواجع العائلة.
وتؤكد تغريد أن شقيقها استشهد لاحقا في سجون الاحتلال نتيجة التعذيب الممنهج، وشُرّد شقيقها الآخر مع أطفاله بقوة السلاح نحو جنوب القطاع.
تبتلع غصتها وتقول: "عند هذه النقطة، نجح الاحتلال في تمزيق العائلة التي ظلت طوال أسابيع الحرب تحاول جمع جراحها والتمسك ببعضها في مكان واحد".
تشتت الجميع، وبقيت تغريد وحيدة مع والدتها المقعدة وشقيقتها، هائمات في الشوارع يبحثن بين الرماد عن مأوى.
كانت هذه المحطة هي الأثقل والأقسى على قلب تغريد، حيث صبّ طيران الاحتلال حزاما ناريا حول مسجد اليرموك في شارع النفق، فانهارت 4 طوابق كاملة فوق رؤوس العائلة.
حين عادت تغريد مع الجزيرة نت إلى ركام ذلك البيت، سارت بخطوات بطيئة، وتتحاشى الاقتراب من الشقوق، كانت الطوابق مكدسة فوق بعضها، منزوعة الحديد، ومفتوحة الأعمدة، فيما بقي عمود واحد مائل في المكان، أشارت إليه وقالت إنه العمود الذي أصاب وجه أمها لحظة الانهيار.
في تلك المجزرة، غابت الكتلة الأكبر من أحبتها، ووصل عدد الشهداء من أقاربها إلى نحو 20 شخصا بقوا مدفونين تحت الأنقاض، بينهم شقيقتها، وابن أختها، وابن عمها وبنتاه، وبنت عمها وزوجها وأولادها وزوجات أبنائهم، في حين أُصيب آخرون بإصابات خطيرة وبترت أطرافهم.
كانت نجاة تغريد هناك فصلا جديدا من الدفن والخروج. أحاط بها وبمن بقي معها حائط مائل، ثم انهار فوقهم ودفنهم بالتراب. بقيت نحو 30 دقيقة تحت الرمل والأتربة، تعاني خنقا شديدا، قبل أن تنبش طواقم الدفاع المدني الأرض وتكتشف وجود أحياء.
خرجت متفرقة عن بقية الناجين إلى العلاج، بأجساد محروقة ومسلوخة وعظام متكسرة تحت الأسقف الإسمنتية. خرجت معها أمها، وشقيقتها الثانية، وأخوها الثالث.
وصلت الأم إلى المستشفى بشظايا تملأ وجهها وجسدها النحيل، ورقدت في العناية المكثفة 40 يوما، ثم استشهدت، تاركة تغريد أمام إرث جديد من الفقد.
تخرج تغريد اليوم كعنقاء قوية، راسخة، ذهبت هي وما تبقى من عائلتها إلى حي الزيتون شرقي مدينة غزة بحثا عن مأوى يواري انكسارها، وهناك بلغت المحطة السابعة من الركام.
ومع اتساع الهجوم شرق غزة، دمر الاحتلال الإسرائيلي مربعا سكنيا كاملا. استشهد فيه شقيقها الثاني وأبناؤه وأبناء شقيق آخر، وخرج من بقي بإصابات قاسية، بينها حالات بتر. وعند هذه المحطة، تقلصت العائلة إلى 10 أفراد فقط، يحملون آثار الركام في أجسادهم، ويحاولون حفظ من تبقى بعد 7 محطات من الدفن والخروج والفقد.
اليوم، تحمل تغريد آثار الرحلة في جسدها وصوتها؛ إذ تعاني من كسور في العظام، ونوبات اختناق مستمرة، واضطراب في التنفس، وإرهاق في الأحبال الصوتية يجعل من الكلام الطويل مهمة شاقة.
تلخص حكايتها التي تختزل وجع غزة بكاملها، وتشير إلى أنها نزحت 31 مرة خلال هذه الحرب الطويلة، وفي حصيلة عائلتها القريبة، فقدت شقيقين وشقيقة، وبقي اثنان من أفراد عائلتها في الأسر، عدا عشرات الشهداء من الأعمام والأخوال وأبنائهم وزوجاتهم وأحفادهم، الذين صاروا أسماء في سجل الغياب.
تبحث تغريد الآن عن صور لوجه أمها قبل الشظايا، وعن أشقائها الشهداء، وعن شقيقتها وأبنائها، وعن عائلة واسعة تقلصت حتى صار تعدادها جملة قصيرة.
ولكن صوتها المنهك يعيد صياغة معنى الوجود، فأن يُخنق المرء تحت التراب 7 مرات ثم يخرج يبحث عن الحياة، هو البرهان الصارخ على أن هذه الأرض عصية على المحو؛ وستبقى تغريد شاهدا حيا "لا تملك كل قذائف العدو الإسرائيلي القدرة على إطفائه".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة