في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تخيل أن تخضع لفحص دم روتيني وأنت لا تشكو من أي عرض، ثم يخبرك المختبر أن هناك إشارة قد تدل على وجود سرطان في جسمك، بل ويقترح العضو الذي ربما بدأ فيه الورم.
تبدو الفكرة وكأنها خطوة كبيرة نحو مستقبل جديد في الطب: اختبار واحد قد يلتقط عشرات السرطانات قبل أن تكشف عن نفسها بالأعراض، لكن بين هذا الوعد وما يثبته العلم اليوم مسافة مهمة.
صحيح أن اختبارات الدم متعددة السرطانات نجحت بالفعل في رصد بعض الأورام لدى أشخاص لا تظهر عليهم أعراض، لكن قدرتها على اكتشاف السرطان في مراحله الأولى لا تزال محدودة. كما أن النتيجة الإيجابية لا تعني بالضرورة وجود سرطان، والنتيجة السلبية لا تستبعده. والأهم من ذلك أن اكتشاف السرطان مبكرا لا يكفي وحده لإثبات أن الاختبار ينقذ الأرواح.
اكتشاف السرطان قبل ظهور الأعراض ليس أمرا غير مسبوق. فهذا ما تفعله برامج الفحص المعتمدة منذ سنوات. فتصوير الثدي الشعاعي قد يكشف سرطان الثدي قبل ظهور كتلة محسوسة، وفحص عنق الرحم يستطيع رصد تغيرات تسبق السرطان، كما يمكن لتنظير القولون اكتشاف سلائل وإزالتها قبل أن تتحول إلى أورام. وفي فئات محددة عالية الخطورة، يُستخدم التصوير المقطعي منخفض الجرعة للكشف المبكر عن سرطان الرئة.
لكن هذه البرامج موجهة إلى أعضاء محددة. أما معظم السرطانات، مثل البنكرياس والمبيض والكبد والمعدة، فلا توجد لها حتى الآن فحوص روتينية فعالة على نطاق واسع. ومن هنا ظهرت فكرة اختبارات الكشف المتعدد عن السرطان (Multi-Cancer Early Detection test – MCED)، فهل يمكن لأنبوب دم واحد أن يبحث في الوقت نفسه عن إشارات صادرة عن أورام مختلفة في أعضاء متعددة؟
يموت جزء من خلايا الجسم ويتجدد باستمرار، وخلال هذه العملية تطلق الخلايا أجزاء صغيرة من مادتها الوراثية إلى مجرى الدم، تُعرف باسم الحمض النووي الحر في الدورة الدموية. والخلايا السرطانية تفعل الأمر نفسه، فتترك وراءها كميات ضئيلة من الحمض النووي الورمي.
تحاول اختبارات الكشف المتعدد التقاط هذه الإشارات وسط كمية هائلة من المادة الوراثية القادمة من الخلايا الطبيعية. بعض هذه الاختبارات يبحث عن طفرات جينية، وبعضها الآخر يدرس أنماط مثيلة الحمض النووي، وهي تعديلات كيميائية تختلف بين الخلايا السليمة والسرطانية.
وهناك اختبارات تجمع بين أكثر من نوع من المؤشرات، مثل المادة الوراثية والبروتينات وغيرها من العلامات الحيوية. بعد ذلك، تستخدم خوارزميات حاسوبية لتقدير إذا ما كانت العينة تحمل إشارة سرطانية، وقد تحاول أيضا تحديد المصدر المحتمل لها، مثل الرئة أو الكبد أو البنكرياس. لكن هذا التنبؤ لا يساوي تشخيصا نهائيا؛ فالإيجابية تحتاج إلى تصوير وفحوص إضافية، وقد تنتهي بخزعة لتأكيد وجود السرطان وتحديد نوعه.
وهنا يجب التمييز بين هذه الاختبارات والتحاليل الجينية التي تبحث عن طفرات موروثة تزيد خطر الإصابة بالسرطان. فالاختبار الجيني يقدّر الاستعداد المستقبلي للمرض، بينما يحاول اختبار الكشف المتعدد رصد أثر ورم قد يكون موجودا بالفعل.
المشكلة الأساسية أن الورم الصغير قد يطلق كمية ضئيلة جدا من الحمض النووي في الدم، أو ربما لا يطلق كمية تكفي لالتقاطها. وكلما كبر الورم أو انتشر، زادت عادة كمية المادة الوراثية الورمية، وأصبح اكتشافها أسهل. وهنا تكمن المفارقة: نحن نحتاج الاختبار أساسا لاكتشاف المرحلة المبكرة، لكنها المرحلة التي يكون فيها أقل حساسية.
في دراسة نُشرت عام 2021 في مجلة "أنالز أوف أونكولوجي" لاختبار يعتمد على مثيلة الحمض النووي، كانت الحساسية متوسطة عند النظر إلى جميع السرطانات مجتمعة، لكنها كانت ضعيفة جدا في المراحل المبكرة، ثم ارتفعت بوضوح في المراحل المتقدمة. أما النوعية فكانت مرتفعة جدا. لكن هذه الأرقام لا يمكن نقلها مباشرة إلى فحص أشخاص أصحاء في المجتمع، لأن الدراسة تضمنت عددا كبيرا من المشاركين المعروف مسبقا أنهم مصابون بالسرطان، وهو ما يجعل النتائج أفضل من الواقع الفعلي للفحص السكاني.
كما أظهرت مقارنة مستقلة موّلتها المؤسسة الوطنية الأمريكية للسرطان ونُشرت عام 2026 في "جورنال أوف ذا ناشونال كانسر" أن الاختبارات ليست متساوية في أدائها. فعند مقارنة ستة اختبارات على المجموعة المرجعية نفسها، كانت الحساسية في السرطانات المبكرة منخفضة نسبيا، بينما ارتفعت في السرطانات المتقدمة. كما تفاوتت النوعية بين اختبار وآخر بدرجة ملحوظة. وهذا يعني أن عبارة "اختبار يكشف عشرات السرطانات" لا تكفي وحدها للحكم على جودته أو فائدته.
لفهم هذه الاختبارات، نحتاج إلى التمييز بين 3 نقاط أساسية:
وتصبح النوعية مهمة للغاية عندما نفحص أشخاصا أصحاء، لأن السرطان في أي لحظة يظل أقل شيوعا بكثير من عدم وجوده. وإذا فحصنا أعدادا كبيرة، فإن نسبة صغيرة من الإيجابيات الكاذبة قد تتحول إلى آلاف الأشخاص الذين سيخضعون للتصوير والخزعات والانتظار والقلق من دون أن يكون لديهم سرطان فعلا.
وقد ظهر ذلك عمليا في دراسة "باثفايندر" -التي نشرت عام 2023 في مجلة "لانست"- والتي اختبرت استخدام أحد هذه الفحوص لدى أشخاص في سن الـ50 فما فوق لا يعانون أعراضا توحي بالسرطان.
من بين آلاف المشاركين، ظهرت إشارة سرطانية لدى عدد محدود، لكن السرطان تأكد فقط لدى جزء منهم، مما يعني أن القيمة التنبؤية الإيجابية لم تكن مرتفعة بدرجة تجعل الفحص حاسما. كما استغرق الوصول إلى تشخيص نهائي وقتا ملحوظا. وأثبتت الدراسة أن إدخال الاختبار إلى مسار الرعاية ممكن، لكنها لم تكن مصممة لمعرفة إذا ما كان ذلك يقلل الوفيات.
قدمت تجربة "إن إتش إس غاليري" البريطانية التي نشرت عام 2026 في مجلة "أوف كلينيكال أونكولوجي" أهم اختبار واقعي لهذه التقنية حتى الآن. فقد شملت أكثر من 142 ألف شخص تتراوح أعمارهم بين 50 و77 عاما، وجرى توزيعهم عشوائيا إلى مجموعتين: مجموعة تلقت الفحوص المعتادة إلى جانب اختبار دم سنوي لـ3 سنوات، وأخرى تلقت الفحوص المعتادة وحدها.
كان الهدف الأساسي للتجربة هو معرفة إذا ما كان الاختبار سيخفض تشخيص السرطانات المتقدمة من نوع محدد، ولم يتحقق هذا الهدف. لكن ظهرت بعض النتائج الثانوية المشجعة، من بينها ارتفاع اكتشاف السرطانات في المراحل المبكرة وانخفاض محدود في سرطانات المرحلة الرابعة.
ومع ذلك، لا تكفي هذه المؤشرات وحدها للحكم النهائي، لأن خفض المرحلة الرابعة لا يثبت تلقائيا انخفاض الوفيات، ولا تزال بيانات المتابعة ضرورية قبل استخلاص نتيجة نهائية. وقد عُرضت هذه النتائج في مؤتمر الجمعية الأمريكية لعلم الأورام السريري ولم تكن قد نُشرت بعد في صورة بحث كامل محكّم عند الإعلان عنها.
قد يبدو الأمر بديهيا: إذا اكتشفنا السرطان مبكرا، ألن نحصل تلقائيا على نتائج أفضل؟ في كثير من الحالات يكون العلاج أكثر نجاحا عندما يُكتشف الورم في مرحلة محدودة، لكن إثبات الفائدة من أي برنامج فحص أكثر تعقيدا من ذلك.
أولا، قد يزيد الفحص مدة البقاء بعد التشخيص على الورق فقط، لأن ساعة التشخيص تبدأ أبكر، حتى لو لم يتغير موعد الوفاة. وهذا ما يُعرف بانحياز زمن التقدم في التشخيص.
ثانيا، تميل الفحوص إلى التقاط الأورام البطيئة النمو أكثر من الأورام العدوانية، لأن الأورام البطيئة تبقى مدة أطول في مرحلة يمكن اكتشافها. وهذا قد يعطي انطباعا أكبر من الحقيقة بأن الفحص يحسن النتائج.
ثالثا، قد نكتشف أوراما بطيئة جدا ربما لم تكن لتسبب أعراضا أو تهدد الحياة أصلا. لكن بمجرد اكتشافها، قد يخضع المريض للجراحة أو العلاج الإشعاعي أو غيرهما من التدخلات. وهذا ما يسمى الإفراط في التشخيص، وما يرافقه من إفراط في العلاج.
لهذه الأسباب، لا يكفي أن تثبت الشركات أن اختبارها يعثر على السرطان أو يزيد نسبة الأورام المكتشفة مبكرا. المعيار الحقيقي هو أن تُظهر تجربة عشوائية طويلة المدى أنه يقلل الوفيات، مع إبقاء الأضرار في حدود مقبولة.
الجواب هو: لا. اختبار الدم لا يرى الورم مباشرة، ولا يحدد خصائصه النسيجية. هو فقط يلتقط إشارة قد تكون صادرة عن سرطان، ثم يقترح مكانها المحتمل. وإذا كانت النتيجة إيجابية، فقد تبدأ سلسلة من الفحوص تشمل التصوير المقطعي أو الرنين المغناطيسي أو التصوير المقطعي بالإصدار البوزيتروني، ثم التنظير أو الخزعة بحسب العضو المشتبه فيه.
وربما لا يجد الأطباء شيئا رغم كل ذلك. عندها يبرز سؤال صعب: هل كانت الإشارة كاذبة؟ أم أن ورما صغيرا جدا موجود، لكنه لم يظهر بعد في الفحوص؟ وكم مرة تنبغي إعادة الاختبارات؟ لا يوجد حتى الآن مسار تشخيصي موحد يصلح لجميع الحالات.
أما النتيجة السلبية فلا تعني أن الجسم خالٍ من السرطان. فقد يكون الورم من نوع لا يشمله الاختبار، أو يكون صغيرا جدا، أو لا يطلق كمية كافية من الحمض النووي، أو تكون إشارته أقل من الحد الذي تلتقطه الخوارزمية. لذلك، لا ينبغي أن تمنح النتيجة السلبية إحساسا زائفا بالأمان، ولا أن تدفع الشخص إلى تجاهل الأعراض الجديدة أو التخلي عن الفحوص الموصى بها.
يجب عدم الخلط بين اختبارات السرطان متعددة الأنواع وبين تحاليل مثل "سي إيه- 125" (CA-125) و "سي إي إيه" (CEA) و "سي إيه 19-9" (CA19-9)، فهذه المؤشرات قد تفيد في ظروف سريرية محددة، مثل متابعة الاستجابة للعلاج لدى مريض معروف بإصابته، أو المساعدة في تقييم كتلة مشتبه فيها. لكنها لا تصلح عموما كفحوص عشوائية للبحث عن السرطان لدى الأصحاء.
فمثلا، قد يرتفع "سي إيه- 125" في حالات غير سرطانية، كما قد يبقى طبيعيا لدى بعض المصابات بسرطان المبيض في مراحله المبكرة، ولم يثبت أنه فحص فعال للفحص العام بين النساء.
إذا أثبتت التجارب المستقبلية فائدتها، فقد تملأ اختبارات الدم متعددة السرطانات فجوة مهمة. فهي قد تساعد على اكتشاف أورام لا نملك لها حاليا برامج فحص روتينية، كما أن سحب الدم قد يكون أسهل قبولا وأقل تعقيدا من عدة فحوص منفصلة. وقد تساعد الخوارزميات في توجيه الفحوص اللاحقة نحو عضو محدد بدل البحث العشوائي في الجسم كله.
لكن الأرجح أن الفائدة الأكبر ستكون إذا حُددت الفئات الأنسب للفحص وفق العمر، والتاريخ العائلي، والتدخين، والعوامل الوراثية وغيرها، بدل تقديم الاختبار للجميع بالطريقة نفسها. وكل ذلك لا يزال احتمالا يحتاج إلى إثبات، لا نتيجة محسومة.
حتى يوليو/تموز 2026، لم تعتمد إدارة الغذاء والدواء الأمريكية أي اختبار دم متعدد السرطانات للفحص السكاني، رغم أن بعض الاختبارات تباع في الولايات المتحدة بوصفها فحوصا مطورة داخل المختبر. كما لا توجد توصية من هيئة الخدمات الوقائية الأمريكية أو الجمعيات الطبية المهنية باستخدامها روتينيا لفحص الأشخاص الذين لا يعانون أعراضا.
يُضاف إلى ذلك أن التكلفة المالية العالية لهذه الاختبارات -التي لا تغطيها معظم شركات التأمين حاليا- تشكل عائقا رئيسيا أمام انتشارها، مما يجعلها خيارا حصريا لمن يستطيع تحمل تكلفتها من جيبه الخاص. وتوافر الاختبار تجاريا لا يعني أنه أثبت تقليل الوفيات أو أن فوائده تفوق أضراره.
ومن يفكر في إجراء هذا النوع من الفحوص يحتاج إلى طرح أسئلة واضحة على طبيبه: هل دُرس الاختبار لدى أشخاص بلا أعراض، أم لدى مرضى معروفين بإصابتهم؟ ما حساسيته في المراحل المبكرة على وجه الخصوص؟ ما احتمال أن تعني النتيجة الإيجابية وجود سرطان حقيقي؟ وما خطة المتابعة إذا ظهرت الإشارة ولم يظهر شيء في التصوير؟
ومن المهم تأكيد 3 نقاط:
نعم، يمكن اكتشاف بعض السرطانات قبل ظهور الأعراض، وهذا يحدث بالفعل عبر برامج الفحص المعتمدة، كما استطاعت اختبارات الدم الحديثة التقاط بعض السرطانات الخفية لدى أشخاص يبدون أصحاء. لكن هل أصبح لدينا الآن تحليل دم سنوي موثوق يستبعد السرطان أو ثبت أنه يقلل الوفيات؟
الجواب حتى الآن: لا. هذه تقنية واعدة تستحق البحث والاستثمار، وقد تغيّر مستقبل الكشف المبكر، خصوصا في السرطانات التي لا تتوفر لها وسائل فحص معتمدة. لكن الاختبار الجيد لا يُقاس بعدد السرطانات التي يَعِد برصدها، بل بعدد الأرواح التي ينقذها، مقارنة بما قد يسببه من نتائج كاذبة وفحوص غير ضرورية وإفراط في التشخيص والعلاج.
وإلى أن تثبت التجارب إذا ما كانت هذه الوعود ستتحقق، يبقى من الأفضل النظر إلى اختبارات الدم متعددة السرطانات بوصفها تقنية واعدة قيد التقييم، ومكمّلة لبرامج الفحص المثبتة لا بديلا عنها. فالمعيار الحقيقي في مكافحة السرطان ليس أن نعثر على أكبر عدد من الإشارات، بل أن ننقذ أكبر عدد من الناس بأقل قدر ممكن من الضرر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة