آخر الأخبار

لماذا يدفع الإيرانيون ثمن الإنترنت مرتين؟ | الحرة

شارك

عاد الإنترنت العالمي إلى إيران هذا الأسبوع، لكن ليس لجميع الإيرانيين.

فبعد نحو 90 يوما من القيود التي فرضتها السلطات الإيرانية على الخدمة، قال ناشطون ومعارضون إيرانيون لـ”الحرة” إن معظم المستخدمين لا يزالون بحاجة لشراء خدمات خاصة وبرامج لكسر الحجب من سوق تديرها شبكات مرتبطة بالحرس الثوري.

بالنسبة إلى كثير من الإيرانيين، لم تعد المشكلة فقط في انقطاع الإنترنت، بل في النظام الذي نشأ حوله: خدمة شبه مفتوحة لفئات قريبة من السلطة، واتصال مدفوع ومراقب لمن يستطيع الدفع، وحرمان شبه كامل لمن لا يملكون المال لشراء الخدمة.

يقول جعفر بختياري، وهو صاحب ورشة صغيرة لصناعة الأحذية والحقائب الجلدية في طهران، إنه حصل عبر وسطاء على خدمة إنترنت من نوع “Pro” حتى لا يتوقف عمله.

ويضيف لـ”الحرة”: “كلفني الاشتراك هذا الشهر، مع برامج تخطي الحجب، نحو 30 مليون تومان،” أي ما يعادل نحو 170 دولاراً.

يعتمد بختياري على شبكات التواصل الاجتماعي في الترويج لمنتجاته داخل إيران وخارجها، والتواصل مع زبائن في العراق وأرمينيا. ويقول إنه لم يتمكن من بيع أي قطعة خلال الأشهر الأولى من العام الحالي بسبب انقطاع الإنترنت والحرب، قبل أن يستعيد جزءا من عمله في الأسبوعين الماضيين بعد حصوله على الاتصال المدفوع.

أما ناصر، وهو اسم مستعار لشاب من مدينة أرومية شمال غربي إيران، فيقول إنه لم يجد حلا داخل البلاد.

يمتلك ناصر ورشة لصناعة التحف الخزفية والفخاريات، لكنه يضطر للسفر إلى خارج إيران مرات شهريا لإدارة طلبات الزبائن والترويج لمنتجاته. يقول لـ”الحرة”: “لم أتمكن من الحصول على الإنترنت المناسب لإدارة عملي في إيران، لذلك اخترت كردستان العراق كمقر مؤقت للمشروع، واتفقت مع محال للتحف والأعمال اليدوية هناك لعرض منتجاتنا”.

سوق الحجب

بحسب ناشطين ومعارضين، أنتج قطع الخدمة أو تقييدها سوقا مربحة لتطبيقات VPN وبرامج تجاوز القيود، يقولون إن شبكات مرتبطة بالحرس الثوري تستفيد منها مباشرة.

ويقول فرزين كرباسي، وهو محلل سياسي إيراني كردي معارض يقيم في إقليم كردستان – العراق، إن الحرس الثوري “يحتكر الإنترنت في إيران منذ سنوات” عبر القيود والحجب، ثم عبر السوق التي نشأت حول تجاوزهما.

ويضيف لـ”الحرة” أن أبناء وأقارب مسؤولين في الحرس والسلطات، ومقربين منهم، يشرفون على بيع تطبيقات كسر الحجب، معتبرا أن هذه التجارة أصبحت “مصدرا كبيرا لتمويل الحرس ونظام الجمهورية الإسلامية”.

ولا تقتصر الاتهامات على الوسطاء المحليين. فمعارضون وناشطون إيرانيون، تحدثوا لـ”الحرة”، يقولون إن سوق الإنترنت البديل وتطبيقات تجاوز الحجب تمر عبر شبكة من شركات حكومية وخاصة وواجهات تقنية مرتبطة بالحرس الثوري أو تعمل تحت رقابة مؤسسات الدولة.

وتبقى “أرفان كلاود” الاسم الأكثر حضورا في هذا المجال. فقد أدرجت وزارة الخزانة الأميركية ، عام 2023، الشركة وفرعها في دبي واثنين من كبار موظفيها على قائمة العقوبات، متهمة إياها بالمساعدة في بناء بنية رقمية تسمح للسلطات الإيرانية بعزل البلاد عن الإنترنت العالمي وتطوير شبكة داخلية خاضعة للرقابة.

أما الشركات الأخرى التي يذكرها ناشطون ومعارضون، مثل “كارا مهر قشم”، ومجموعة “سينا” للاتصالات وتطوير تكنولوجيا المعلومات، و”توسعه اعتماد مبين”، إضافة إلى شركات اتصالات كبرى مثل “همراه أول”، و”إيرانسل”، و”آسياتك”، و”مبين نت”، فتظهر في رواياتهم بوصفها جزءا من بنية أوسع تتحكم في الوصول إلى الإنترنت أو تنفذ سياسات الحجب والمراقبة. لكن مستوى ارتباط كل شركة بالحرس الثوري يختلف، ويحتاج إلى تدقيق منفصل في السجلات والملكية والعقود.

بهذا المعنى، لا يمكن التعامل مع جميع الأسماء بدرجة الإثبات نفسها. هناك شركات موثقة بعقوبات أو سجلات دولية، مثل “أرفان كلاود”، وهناك شبكة أوسع يربطها ناشطون ومعارضون بالحرس أو بمؤسسات الدولة، من دون أن تكون درجة التوثيق واحدة في كل حالة.

إنترنت لفئات محددة

تزايد الحديث داخل إيران، خلال الأشهر القليلة الماضية، عن تحويل الإنترنت إلى خدمة متعددة المستويات. فهناك “الإنترنت الأبيض” للفئات القريبة من السلطة، وخدمات “Pro” التي تُباع لبعض الصحفيين والتجار وأصحاب الأعمال، وإنترنت محدود لعامة المستخدمين.

لكن خدمة “Pro”، بحسب كرباسي، لا تعني اتصالا حرا. فهي باهظة الثمن، ومراقبة، ومحددة الاستخدام، ولا تسمح لمستخدميها بفتح كل المواقع أو التطبيقات من دون أدوات إضافية لتجاوز الحجب.

ويقول كرباسي، مستندا إلى معلومات من شبكة ناشطين داخل إيران، إن سعر الغيغابايت الواحد من الإنترنت في السوق غير الرسمية يتراوح حاليا بين 540 ألفا و1.8 مليون تومان، أي بين 3 و10 دولارات، بحسب نوع الخدمة وسرعتها.

ويضيف أن الحصول على غيغابايت واحد يوميا من أردأ أنواع الاتصال قد يكلف الأسرة الإيرانية نحو 100 دولار شهريا، وهو مبلغ يساوي أو يتجاوز دخل كثير من العائلات من الطبقة الوسطى.

وتقول ژيلا مستأجر، عضوة الهيئة الإدارية في منظمة “هنغاو”، إن الإيرانيين باتوا يشترون “أنواعا مختلفة” من الإنترنت بأسعار متفاوتة، لكن هذه الباقات وتطبيقات تجاوز الحجب تمر، بحسب قولها، عبر شبكة اقتصادية مرتبطة بالحرس الثوري.

وتضيف لـ”الحرة”: “الناس يعانون من قمع الإنترنت، ثم يسمح لهم القامع نفسه بالخروج من هذا القمع تدريجيا مقابل مبالغ طائلة”.

نموذج أقرب إلى الصين

لا تعترف السلطات الإيرانية رسميا بأن الحرس الثوري يقف خلف تجارة تطبيقات تجاوز الحجب. لكنها لا تخفي وجود سوق كبيرة لهذه التطبيقات، ولا حقيقة أن الإيرانيين يدفعون مبالغ كبيرة للوصول إلى الإنترنت العالمي.

وخلال حملته الانتخابية عام 2024، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، في مناظرة مع منافسه المحافظ سعيد جليلي، إن الناس يدفعون مبالغ أكبر لتجاوز الرقابة مما يدفعونه مقابل الإنترنت نفسه. وأضاف أن الجهات التي تحصل على هذه الأموال لا تدفع الضرائب، في إشارة فهمها منتقدون على أنها موجهة إلى شبكات نافذة داخل الدولة.

ودعا بزشكيان حينها إلى أن تتعامل الحكومة مباشرة مع الشركات الأجنبية التي يستخدم الإيرانيون تطبيقاتها، بدلا من ترك السوق للوسطاء.

و قال وزير الخارجية الإيراني الأسبق، محمد جواد ظريف ، خلال الانتخابات الماضية، إن السلطات لا يمكن أن “تصفّي الإنترنت” ثم تبيع أدوات فك هذا التصفية بنفسها.

وفي مقابلة نشرها موقع “زووميت” الإيراني، الأحد الماضي، قال محمد سرافراز، العضو في المجلس الأعلى للفضاء الإلكتروني، إن إيران تتجه إلى نموذج أقرب إلى التجربة الصينية في إدارة الإنترنت.

وقال سرافراز، وهو من المقربين من دوائر الحكم، إن هناك تيارا واسعا داخل النظام يدعو إلى مزيد من تقييد الإنترنت العالمي، وجعل حاجة الناس إلى الشبكة تمر عبر خدمات محلية، مع إبقاء الاتصال الدولي محصورا بفئات محددة.

وأضاف أن الصين حجبت الإنترنت العالمي عن عامة الناس، وأتاحته لعدد محدود من المستخدمين، فيما وفرت لبقية السكان شبكة محدودة وخاضعة للرقابة. وقال إن إيران استوردت من الصين معدات تساعد في تطبيق هذا النموذج.

و نقل موقع “تابناك” ، المقرب من مجلس خبراء القيادة، عن النائب السابق، جلال رشيدي كوتشي، قوله إن رئيس البرلمان ورئيس السلطة القضائية ورئيس الجمهورية متفقون على عودة الإنترنت مع الإبقاء على القيود المفروضة على شبكات التواصل والمواقع الدولية كما كانت قبل الحرب.

كلفة اقتصادية وحقوقية

تجاوز أثر القيود على الإنترنت قضايا الحريات العامة والخصوصية والأمن. إذ تضررت الأعمال الصغيرة، والتجارة الإلكترونية، والعاملون المستقلون، ومئات المشاريع التي تعتمد على إنستغرام وتطبيقات المراسلة والتسويق الرقمي.

بختياري، صاحب ورشة الجلود في طهران، يقول إن الاتصال بالإنترنت هو السوق نفسها بالنسبة إليه. وناصر، صاحب ورشة الخزف في أرومية، اضطر إلى نقل جزء من عمله إلى العراق. أما ذوو الدخل المحدود، كما يقول ناشطون، فبقوا عمليا خارج الشبكة.

وفي مارس الماضي، اعتبرت “هيومن رايتس ووتش” أن قطع السلطات الإيرانية للإنترنت بالكامل يشكل انتهاكا لعدد من حقوق الإنسان. وقالت المنظمة إن قطع الإنترنت يساعد على إخفاء الانتهاكات، ويساهم في انتشار المعلومات المضللة، ويقيد الوصول إلى المعلومات بصورة غير قانونية، ويعرقل عمل الصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان، بما في ذلك توثيق الانتهاكات المحتملة لقوانين الحرب.

ودعت المنظمة الحكومة الإيرانية إلى إعادة الوصول غير المقيد إلى الإنترنت وشبكات الاتصالات في أنحاء البلاد، كما حثت المجتمع الدولي على دعم وصول المدنيين إلى الشبكة.

حتى الآن، لا تبدو عودة الإنترنت الجزئية في إيران نهاية للأزمة. فالوصول إلى الشبكة العالمية ما زال مشروطا بالمال، أو بالقرب من بالسلطة، أو بالقدرة على شراء أدوات تجاوز الحجب. وبينما تقول السلطات إن القيود تهدف إلى حماية الأمن، يرى منتقدوها أن النظام بنى سوقا كاملة على حرمان الناس من حق أساسي، ثم باعهم وسائل الالتفاف على القيود.

الحرة المصدر: الحرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا