في دراسته «الاتحاد الأفريقي بين تراجع البعثات الأممية وتحديات ملء الفراغ الأمني»، المنشورة في مركز الجزيرة للدراسات، يناقش الباحث بدر حسن شافعي لحظة شديدة الحساسية في القارة الأفريقية: انسحاب بعثات الأمم المتحدة من مناطق صراع كبرى، مقابل عجز الاتحاد الأفريقي حتى الآن عن التحول إلى بديل كامل قادر على إدارة الأمن وحفظ السلام في القارة.
فالسنوات الأخيرة شهدت نهاية بعثتين من أكبر وأطول بعثات الأمم المتحدة في أفريقيا: «مينوسما» في مالي، و«مونوسكو» في الكونغو الديمقراطية، بينما تقلص عدد البعثات الأممية في القارة من تسع بعثات إلى أربع فقط، وتراجع عدد القوات إلى أقل من النصف تقريبًا. وهنا يطرح الباحث السؤال المركزي: هل يستطيع الاتحاد الأفريقي ملء هذا الفراغ، أم أن القارة تتجه إلى مرحلة أكثر اضطرابًا مع تراجع المظلة الدولية؟
فالقارة، بعد عقود من التمسك الصارم بمبدأ السيادة وعدم التدخل، انتقلت نظريًّا إلى مفهوم جديد يمنح الاتحاد حق التدخل في حالات الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، بل وحتى في مواجهة التهديدات الخطيرة للنظام الشرعي.
ومن هنا نشأ «مجلس السلم والأمن الأفريقي» بوصفه العقل الأمني للقارة، مع بناء هيكل كامل يشمل:
قوات جاهزة للتدخل نظام إنذار مبكر لجنة حكماء للوساطة وصندوق تمويل لحفظ السلام
لكن الدراسة تشير إلى أن المشكلة لم تكن في غياب الهياكل القانونية والمؤسساتية، بل في الفجوة بين النصوص والطاقة الحقيقية على التنفيذ. فالقوة الأفريقية الجاهزة للتدخل، رغم مرور سنوات على تأسيسها، لم تُفعَّل فعليًّا بسبب نقص التمويل وضعف الإرادة السياسية وتضارب الحسابات الإقليمية.
يتوقف الباحث مطولًا عند تجربة دارفور بوصفها أول اختبار واسع للاتحاد الأفريقي في مجال حفظ السلام. فمع انفجار الحرب في الإقليم عام 2003، ومحاولة الخرطوم منع التدخل الدولي، دخل الاتحاد الأفريقي إلى الساحة عبر بعثة «أميس» التي ضمت نحو سبعة آلاف جندي إفريقي.
لكن التجربة كشفت سريعًا حدود القدرة الأفريقية. فالقوات عانت نقص المعدات والتمويل وضعف التفويض وصعوبات الوصول إلى مناطق النزاع، بينما استمرت الجماعات المسلحة في خرق اتفاقات وقف إطلاق النار واستهداف المدنيين وحتى قوات حفظ السلام نفسها.
ولهذا انتهى الأمر إلى إنشاء أول عملية «هجينة» مشتركة بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي: «يوناميد»، التي ضمت ما يقارب عشرين ألف جندي وأربعة آلاف شرطي بتمويل أممي ضخم تجاوز المليار دولار سنويًّا.
ويرى شافعي أن هذه التجربة كشفت معادلة أساسية ما تزال تحكم القارة حتى اليوم: الاتحاد الأفريقي يمتلك الشرعية السياسية والقرب من الواقع المحلي، لكن الأمم المتحدة تمتلك التمويل والخبرة والقدرات اللوجستية.
إذا كانت دارفور قد كشفت ضعف الإمكانات، فإن الصومال كشفت حدود القدرة على الحسم. فبعثة «أميصوم» تحولت إلى أطول وأكبر عملية عسكرية أفريقية، شاركت فيها قوات من أوغندا وكينيا وإثيوبيا وجيبوتي ودول أخرى، ووصل عدد جنودها إلى أكثر من اثنين وعشرين ألفًا.
وقد نجحت البعثة بالفعل في استعادة مقديشو من حركة الشباب، وتأمين الحكومات الانتقالية، ودعم بناء المؤسسات الأمنية الصومالية. لكن الدراسة تشير إلى أن هذه النجاحات بقيت جزئية وهشة؛ لأن الحركة لم تُهزم نهائيًّا، كما أن البعثة نفسها غرقت في مشكلات التمويل والانتهاكات والتنافس الإقليمي بين الدول المشاركة.
ومن أكثر النقاط حساسية في الدراسة أن التدخلات الأفريقية في الصومال لم تكن دائمًا منسجمة مع المصالح الصومالية نفسها. فالدول المشاركة حملت أجنداتها الخاصة، سواء إثيوبيا أو كينيا أو حتى مصر لاحقًا، ما جعل الصوماليين ينظرون أحيانًا إلى البعثة باعتبارها امتدادًا لصراعات النفوذ الإقليمية أكثر من كونها مشروعًا إفريقيًّا خالصًا.
يرى شافعي أن التمويل يبقى المعضلة الأخطر في مستقبل عمليات حفظ السلام الأفريقية. فمعظم البعثات الأفريقية اعتمدت فعليًّا على أموال الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة والولايات المتحدة، لا على تمويل إفريقي ذاتي.
وفي الصومال مثلًا، دفع الاتحاد الأوروبي وحده مليارات اليوروهات لتغطية رواتب القوات الأفريقية على مدى خمسة عشر عامًا. لكن الأزمة تعقدت أكثر مع اتجاه إدارة ترمب إلى وقف تمويل بعثات حفظ السلام الدولية، ورفض دعم بعثة «أوصوم» الجديدة في الصومال.
وهنا يحذر الباحث من أن الاتحاد الأفريقي قد يجد نفسه أمام معادلة قاسية: القارة تريد استقلالًا أمنيًّا عن الأمم المتحدة، لكنها لا تملك الموارد الكافية لتحقيقه.
تخصص الدراسة مساحة واسعة لتحليل أسباب تعثر «القوة الأفريقية الجاهزة للتدخل»، التي كان يفترض أن تكون العمود الفقري للأمن القاري.
ومن بين أبرز الأسباب:
ولهذا أصبحت التدخلات الأفريقية تُدار غالبًا عبر تحالفات إقليمية مرنة، لا عبر القوة القارية الموحدة التي حلم بها الاتحاد الأفريقي.
لا يتعامل شافعي مع بعثات حفظ السلام الأفريقية بوصفها نجاحًا مطلقًا، بل يناقش أيضًا الاتهامات الثقيلة التي لاحقت بعض هذه القوات، من فساد وضعف انضباط وانتهاكات جنسية بحق المدنيين في دول مثل السودان وأفريقيا الوسطى والكونغو الديمقراطية.
ويشير إلى أن هذه الانتهاكات ساهمت في تآكل صورة البعثات داخل الدول المضيفة، بل دفعت بعض الحكومات للمطالبة برحيلها، كما حدث في مالي والكونغو.
ومن هنا تظهر مفارقة معقدة: البعثات تأتي لحماية المدنيين وتحقيق الاستقرار، لكنها قد تتحول أحيانًا إلى مصدر جديد لفقدان الثقة والتوتر.
في الخاتمة، يصل الباحث إلى نتيجة شديدة الوضوح: شعار «الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية» لا يمكن أن يتحول إلى واقع كامل دون شراكة دولية واسعة.
فالعمليات الأفريقية تملك ميزة القرب الجغرافي وفهم طبيعة الصراعات والقدرة على التحرك السريع، لكنها ما تزال تحتاج إلى:
ولهذا يرى شافعي أن المستقبل الأرجح ليس انسحاب الأمم المتحدة بالكامل، ولا سيطرة الاتحاد الأفريقي وحده، بل توسع نموذج «العمليات الهجينة» الذي يجمع الشرعية الأفريقية بالإمكانات الدولية.
وبمعنى آخر، فإن القارة التي تريد إدارة أمنها بنفسها، ما تزال – حتى الآن – غير قادرة على الاستغناء الكامل عن العالم الخارجي.
______________
الدراسة كاملة
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6543
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة