آخر الأخبار

ما سر تقلص الزيارات الرسمية في تونس؟

شارك

تعيش تونس منذ انقلاب 25 يوليو/تموز2021 تحولات عميقة مست بنيتها السياسية وأعادت تشكيل موقعها في محيطها الإقليمي والدولي، بما يطرح أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور الذي باتت تلعبه الدولة خارج حدودها.

فبعد أن قُدمت لسنوات كنموذج توافقي في إدارة الانتقال الديمقراطي، وكفاعل متوازن في علاقاته الخارجية، يبدو اليوم أن ذلك الرصيد الرمزي والسياسي قد تآكل بشكل لافت.

تتزايد مؤشرات العزلة، وتتسم المواقف بالاضطراب، وتتراجع المبادرات، في وقت تحتاج فيه البلاد أكثر من أي وقت مضى إلى دبلوماسية نشطة وفعالة قادرة على مواكبة أزماتها المركبة والتحولات الكبرى التي يشهدها العالم.

هل تعكس العزلة التي تعيشها تونس اليوم خيارا سياسيا واعيا، أم إنها نتيجة مباشرة لتفكيك الدبلوماسية وإخضاعها لمنطق الصراع الداخلي؟

من دبلوماسية المبادرة إلى الارتباك

يكشف مسار سنوات الانقلاب عن تراجع تدريجي من دبلوماسية المبادرة إلى دبلوماسية الارتباك، ومن الفعل إلى الانفعال. فقد مثل مسار ما بعد 25 يوليو/تموز2021 نقطة تحول حاسمة، ليس فقط على المستوى الداخلي، بل أيضا في تموقع تونس الخارجي.

فمنذ ذلك التاريخ، دخلت الدبلوماسية التونسية حالة من التوقف والجمود. فلم تنجح في استثمار الرصيد الذي راكمته الثورة ومسار الانتقال الديمقراطي، كما لم تتمكن من بلورة مقاربة جديدة فاعلة تواكب التحولات الدولية المتسارعة.

وبدل أن تتحرك وفق رؤية إستراتيجية واضحة، بدت أقرب إلى إدارة ظرفية يغلب عليها التردد والانكفاء، وهو ما انعكس سلبا على صورة البلاد ومصالحها.

عرفت السياسة الخارجية التونسية لعقود، بقدر من الاتزان والوضوح، إذ سعت إلى تنويع شراكاتها مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني. غير أن هذا التقليد شهد في السنوات الأخيرة اهتزازا عميقا.

فقد أصبحت مواقف تونس من القضايا الإقليمية والدولية تتسم بالتأخر أحيانا، وبالتناقض أحيانا أخرى، وبالخروج عن ثوابت السياسة الخارجية التونسية ومداراتها التقليدية، وبالصمت في لحظات تتطلب حضورا فاعلا وصوتا واضحا.

إعلان

هذا الارتباك جعل من تونس فاعلا غير متوقع، وهو ما أضعف مصداقيتها لدى شركائها؛ لأن الدبلوماسية تقوم أساسا على الوضوح والاستمرارية، لا على ردود الفعل المتقطعة.

ومن أبرز مظاهر هذا التراجع الانخفاض اللافت في مستوى التفاعل الدبلوماسي مع العالم، حيث تقلصت الزيارات الرسمية رفيعة المستوى، سواء تلك التي تقوم بها تونس أو التي تستقبلها، كما أصبح حضورها في المحافل الدولية باهتا يغلب عليه الطابع البروتوكولي، دون أن يترجم إلى مكاسب ملموسة.

ولا يمكن اعتبار هذا الانكماش تفصيلا شكليا، بل يعكس تراجعا في مكانة تونس ضمن شبكة العلاقات الدولية أفقد الدبلوماسية دورها كأداة لبناء الثقة وتعزيز المصالح.

ولم يقتصر هذا التراجع على مستوى التحركات والمواقف، بل امتد إلى البنية المؤسسية ذاتها، حيث تتسع قائمة السفارات والقنصليات الشاغرة بشكل غير مسبوق، إذ تقدر بنحو 27 إلى 29 سفارة دون سفراء، إلى جانب حوالي 12 قنصلية، أي ما يقارب 40 بعثة دبلوماسية.

هذا الفراغ لا يعكس مجرد تأخر إداري، بل يكشف خللا أعمق في جاهزية الجهاز الدبلوماسي وترتيب أولوياته، خاصة عندما يشمل عواصم ذات وزن سياسي واقتصادي، وهو ما يضعف الحضور التونسي في مراكز القرار، ويحد من فاعلية التواصل مع الشركاء، ويفقد الدولة جزءا مهما من قدرتها على توظيف علاقاتها الخارجية لخدمة مصالحها، بما يعمق صورة دبلوماسية منكمشة وفاقدة للمبادرة.

تغليب الصراع الداخلي على الحضور الخارجي

يبدو أن أحد الأسباب الرئيسية لهذا التراجع يكمن في انشغال السلطة بمعارك داخلية مستمرة، حيث تحول المشهد السياسي إلى ساحة توتر دائم، تطغى فيها الملاحقات الأمنية والقضائية، مما استنزف جزءا كبيرا من الجهد والاهتمام.

في هذا السياق، تراجع ملف العلاقات الخارجية إلى مرتبة ثانوية، إن لم يكن مهمشا بالكامل، ولم تعد الدبلوماسية تدار كأداة إستراتيجية، بل كملف تقني محدود الحضور.

هذا الاختلال في ترتيب الأولويات أفضى إلى غياب التوازن الضروري بين الداخل والخارج، وهو توازن أساسي لأي دولة تسعى إلى الاستقرار والتأثير.

كما لم يسلم من هذا التراجع مجال الدبلوماسية الشعبية، التي لعبت دورا مهما في تعزيز صورة تونس في الخارج، خاصة بعد الثورة. فقد أتاحت هذه القنوات تنويع الخطاب وبناء جسور متعددة مع الفاعلين الدوليين، غير أن هذه المساحات تقلصت بشكل واضح، سواء نتيجة التضييق السياسي أو غياب الإرادة لتفعيلها.

وبذلك فقدت تونس واحدة من أهم أدوات التأثير الناعم التي كانت تعزز حضورها وتوسع دائرة علاقاتها.

الانزلاق نحو سياسة المحاور مع ضمور الأثر

في ظل هذا الفراغ، برزت مؤشرات على انخراط تونس، بشكل غير واضح، في سياسات المحاور الإقليمية والدولية، وهو ما يمثل خروجا عن تقليد تونسي قائم على التوازن وعدم الانحياز الحاد.

فالانخراط في هذه السياسات دون رؤية دقيقة يضعف استقلالية القرار الوطني، ويجعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات الصراعات، كما يربك شركاءها التقليديين الذين يجدون صعوبة في تحديد موقعها. وهكذا يتقلص هامش المناورة الذي كانت تتمتع به تونس، ويتحول موقعها من فاعل متوازن إلى طرف متردد.

إعلان

اتسمت التحركات الخارجية خلال هذه المرحلة بطابع بروتوكولي، دون أن تترجم إلى نتائج ملموسة. فعلى الرغم من المشاركة في بعض القمم واللقاءات متعددة الأطراف، لم تنجح تونس في تحويل هذه المناسبات إلى شراكات إستراتيجية أو دعم اقتصادي فعلي.

هذا القصور في توظيف العلاقات الخارجية أدى إلى تفويت فرص مهمة، خاصة في ظل الحاجة الماسة إلى الاستثمار والتمويل، فتحولت الدبلوماسية إلى نشاط شكلي يفتقر إلى الفاعلية، بدل أن تكون رافعة لمعالجة الأزمة الاقتصادية.

ولا يمكن فصل هذا التراجع الدبلوماسي عن تداعياته الداخلية. فضعف الحضور الخارجي يؤدي إلى تراجع ثقة الشركاء، وهو ما ينعكس مباشرة على فرص التعاون والتمويل.

كما أن تدهور صورة تونس، خاصة فيما يتعلق بالحريات، يؤثر على جاذبيتها كشريك موثوق. وفي عالم يتسم بتسارع الأزمات وتزايد التحديات، تحتاج الدول، خاصة ذات الاقتصادات الهشة، إلى دبلوماسية نشطة قادرة على استباق التحولات وتأمين المصالح، غير أن تونس تبدو في هذه المرحلة منكمشة على نفسها، غائبة عن مراكز الفعل والتأثير.

لا يمر هذا الانكفاء دون كلفة، بل ينعكس في تعميق الأزمة الاقتصادية، وتراجع فرص الدعم، وتزايد الضغوط الاجتماعية. وفي غياب رؤية واضحة، يتحول التراجع الخارجي إلى عامل إضافي في تفاقم الأزمات الداخلية، حيث تضيق الخيارات أمام صانع القرار، ويزداد الاعتماد على حلول ظرفية محدودة الأثر.

السيادة كشعار.. بين الخطاب والتفريغ العملي

في المقابل، يبرز في خطاب السلطة تركيز كبير على مفهوم السيادة الوطنية، حيث يتم تقديمه كإطار مفسر للخيارات السياسية. غير أن هذا الاستخدام المكثف ظل في كثير من الأحيان في حدود الشعار، دون أن يترجم إلى سياسات تعزز السيادة الفعلية.

فالسيادة، في معناها العميق، لا تختزل في الخطاب، بل تقوم على قوة الاقتصاد، واستقرار المؤسسات، وقدرة الدولة على بناء شراكات متوازنة. أما الاكتفاء برفع الشعار في ظل سياسات تضعف هذه المقومات، فإنه يحول السيادة إلى أداة خطابية أقرب إلى التوظيف الشعبوي منها إلى مشروع وطني متكامل.

وهنا تتجلى مفارقة لافتة. فبينما يرفع شعار الاستقلالية، تتراجع أدوات تحقيقها، وعلى رأسها الدبلوماسية الفاعلة. فالدبلوماسية ليست مجرد امتداد للسياسة الداخلية، بل هي أحد أعمدة السيادة نفسها، لأنها تمكن الدولة من الدفاع عن مصالحها، وبناء تحالفاتها، وتوسيع هامش حركتها في عالم معقد.

في هذا السياق المتأزم، برزت في الفترة الأخيرة معطيات متداولة حول طرح اسم رجل الأعمال التونسي المغترب كمال الغريبي من قبل دوائر خارجية، إيطالية بالأساس وقريبة من رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني، كبديل محتمل للرئيس قيس سعيد.

وبغض النظر عن دقة هذه المعطيات من عدمها، فإن مجرد تداولها يكشف درجة مقلقة من الانكشاف السياسي الذي بلغته تونس. فهذا الطرح يعكس، من جهة، وصول البلاد إلى حالة انسداد عميق يعجز النظام القائم عن تجاوزها أو تقديم أفق واضح للخروج منها، ويشير، من جهة ثانية، إلى تنامي قابلية المشهد الداخلي للاختراق والتأثير الخارجي.

كما أن هذا التطور لا يمكن فصله عن السياسات الداخلية التي قامت على القبضة الحديدية، وتفكيك الحياة السياسية، وإضعاف الأحزاب والمنظمات الوسيطة، مما أفرغ الساحة الوطنية من توازناتها الطبيعية، وفتح الباب أمام نوعين من الارتهان: إما الاستقواء الضمني بالخارج لتعويض الهشاشة الداخلية، أو التعرض المباشر لتدخلات خارجية أكثر وضوحا وجرأة.

وهنا تتقاطع هذه المؤشرات بوضوح مع الفكرة المحورية لهذا المقال، إذ لم تعد عزلة تونس مجرد تراجع في الحضور الدبلوماسي، بل تحولت إلى حالة هشاشة شاملة تجعلها أقل قدرة على حماية قرارها السيادي، وأكثر عرضة لأن يعاد رسم مستقبلها خارج حدودها.

إعلان

هل نحن أمام خيار أم نتيجة؟

تعيش تونس اليوم لحظة مفصلية لم تعد فيها العزلة مجرد عرض عابر، بل تحولت إلى مؤشر على خلل أعمق في إدارة علاقاتها الخارجية، وهو ما يفرض طرح السؤال الجوهري: هل نحن أمام خيار سياسي واع يعيد تعريف موقع البلاد في العالم، أم أمام نتيجة غير مقصودة لانشغال السلطة بصراعاتها الداخلية؟

تبدو المؤشرات أقرب إلى كونها نتيجة أكثر منها خيارا، في ظل غياب رؤية واضحة وأهداف محددة قادرة على إقناع الرأي العام بجدواها، مقابل اختلال في ترتيب الأولويات تقدمت فيه المعارك الداخلية على حساب المصالح الإستراتيجية للدولة.

وفي كلتا الحالتين، فإن هذا المسار يستدعي مراجعة شاملة تعيد التوازن بين الداخل والخارج، عبر إعادة الاعتبار للدبلوماسية كمجال إستراتيجي، وفصلها عن التجاذبات السياسية، وبناء رؤية تقوم على الانفتاح والتوازن، إلى جانب معالجة الفراغ المؤسسي، وتنشيط الشبكة الدبلوماسية، وتفعيل قنوات التواصل الرسمية والشعبية بما يعيد الحيوية إلى الحضور التونسي في الخارج.

فالدبلوماسية ليست ترفا يمكن الاستغناء عنه، بل ضرورة لحماية المصالح الوطنية في عالم مترابط تتقاطع فيه الأزمات والفرص، ولا يمكن لتونس أن تواجه تحدياتها أو تستعيد عافيتها بمعزل عن محيطها، بل عبر دبلوماسية فاعلة تعيد لها مكانتها وتفتح أمامها آفاق المستقبل، وتمنحها القدرة على إعادة تعريف دورها بما ينسجم مع إمكاناتها وتطلعات شعبها.

هذا ما يعجز نظام قيس سعيد على القيام به.

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا