في تصعيد جديد للمواجهة البحرية، استبقت القوات البحرية الإسرائيلية وصول "أسطول الصمود العالمي" إلى سواحل قطاع غزة باعتراضه على بعد مئات الأميال البحرية بالقرب من جزيرة كريت اليونانية.
هذه العملية، التي استهدفت أسطولا يضم 58 سفينة انطلقت من إسبانيا، لم تكن مجرد تحرك عسكري ميداني، بل جاءت مدعومة بحزمة عقوبات مالية وحرب روايات استهدفت تجفيف منابع تمويل النشطاء الدوليين.
وفي حين تبرر إسرائيل هذا الاعتراض المبكر بضرورات أمنية وربط الأسطول مباشرة بحركة المقاومة الإسلامية ( حماس)، يرى مراقبون ومنظمات إنسانية أن هذا التحرك يعكس إستراتيجية إسرائيلية جديدة تهدف إلى منع أي محاولة لكسر الحصار بالقرب من غزة، وقطع الطريق على محاولات تدويل الأزمة الإنسانية في ظل التوترات الإقليمية الراهنة.
وفي هذا التقرير، نستعرض تفاصيل التخطيط الإسرائيلي، من الحصار المالي إلى الاعتراض العسكري في المياه الدولية، والمبررات التي سيقت لتسويق هذه العملية دوليا.
لم تتبع إسرائيل عام 2026 تكتيك "الانتظار"، الذي طبقته في سنوات سابقة، بل اعتمدت إستراتيجية الاعتراض بعيد المدى، وحسب بيانات التتبع، كان أسطول الصمود العالمي -الذي يضم 58 سفينة- موجودا بالقرب من جزيرة كريت اليونانية، على بعد مئات الأميال البحرية من إسرائيل، عندما واجهته القوات الإسرائيلية، مما يعكس رغبة الجيش الإسرائيلي في حسم المواجهة قبل وصولها إلى إسرائيل بعيدا عن الأضواء.
وشاركت في العملية 7 سفن حربية تابعة للبحرية الإسرائيلية إلى جانب قوات الكوماندوز البحري الإسرائيلية، مدعومة بأسطول من الطائرات المسيّرة التي تولت مهمة الاستطلاع والمراقبة اللحظية لتحركات الأسطول المكون من 58 سفينة.
لم يكن اختيار وحدة الكوماندوز "شايتيت 13" لتنفيذ اعتراض "أسطول الصمود" عفويا، بل جاء استمرارا للدور الجديد الذي باتت تلعبه هذه الوحدة النخبوية كـ"ذراع ضاربة" منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إذ تُعد واحدة من أهم 3 وحدات خاصة في الجيش الإسرائيلي، ورغم تاريخها الطويل بالعمليات "خلف خطوط العدو"، فإنها شهدت تحولا جذريا بعد معركة " طوفان الأقصى"، إذ تحولت لأول مرة إلى ذراع إضافية لفرق المشاة النظامية.
وكشف منظمو الأسطول عن تعرضهم لعملية "تشويش إلكتروني مكثف" استهدفت أنظمة الاتصال والملاحة على متن القوارب. هذه السيطرة التقنية أدت إلى انقطاع الاتصال بـ11 سفينة تماما، مما عزل قادة الأسطول عن بقية السفن ومنعهم من تنسيق أي حركة احتجاجية أو توثيق ما يحدث لحظيا.
واعتمدت القوات أيضا على توجيه تحذيرات مباشرة عبر قنوات الاتصال البحرية، إذ أظهرت لقطات -نشرها منظمو الأسطول- أن ضابطا في البحرية الإسرائيلية دعا النشطاء إلى تغيير مسارهم.
وقال "إذا كنتم ترغبون في إيصال مساعدات إنسانية إلى غزة، فيمكنكم القيام بذلك عبر القنوات الرسمية والمعترف بها، يرجى تغيير مساركم والعودة إلى ميناء الانطلاق. أما إذا كنتم تحملون مساعدات إنسانية، فأنتم مدعوون للتوجه إلى ميناء أشدود".
وأضاف أن تلك الزوارق وجّهت "أشعة ليزر وأسلحة هجومية نصف آلية" نحو القوارب، وأصدرت أوامر للناشطين بالتوجه إلى مقدمات السفن والانحناء على ركبهم.
وبحسب موقع "والا"، فإن الحكومة الإسرائيلية قررت "ردع المشاركين" في الأسطول، ولذلك استولت على نحو 20 سفينة فقط، ووجهت إنذارات إلى البقية.
وأضاف أن قائد البحرية اللواء إيال هاريل سيجري في الساعات القادمة تقييما للوضع ويقدم توصياته، ويشارك في العملية كل من جهاز المخابرات العسكرية "أمان" ووزارة الخارجية.
بالتوازي مع التحرك العسكري، فعّلت إسرائيل سلاح "العقوبات المالية" لضرب الأسطول من الداخل قبل وصوله، وفي خطوة تهدف إلى ضرب القدرة اللوجستية للنشطاء، أعلن وزير الدفاع يسرائيل كاتس عن فرض عقوبات مالية مشددة على حملة التمويل الجماعي الخاصة بالأسطول.
وقال كاتس "تنص المادة 56 (ب) من قانون الإرهاب على أن وزير الدفاع يجوز له الأمر بمصادرة ممتلكات منظمة إرهابية معلنة، أو ممتلكات مخصصة لارتكاب جريمة إرهابية خطيرة، إذا اقتنع بأن ذلك ضروري لإحباط أنشطة منظمة إرهابية والإضرار بقدرتها على دفع أهدافها أو لإحباط جريمة إرهابية خطيرة".
وبررت وزارة دفاع الاحتلال هذه العقوبات أيضا بادعاء أن الأسطول "منظم من قبل حركة حماس بالتعاون مع جهات دولية"، وأن الغطاء الإنساني للرحلة ليس سوى "ستار" لإخفاء أهداف أخرى، وتهدف هذه الرواية -وفقا لكاتس- إلى ردع المتبرعين الدوليين من أفراد ومؤسسات بوضعهم تحت طائلة المسؤولية القانونية والملاحقة المالية بتهمة "المساهمة في تمويل منظمة إرهابية".
ورغم عدم وضوح الأثر العملي السريع لهذه العقوبات، فإن صحيفة "إسرائيل هيوم" أشارت إلى أن الهدف هو تعطيل "مصادر التمويل" الحيوية التي يحتاج إليها الأسطول المكون من نحو 100 سفينة ونحو ألف مشارك، فبهذه العقوبات، تسعى إسرائيل إلى جعل التعامل مع الأسطول عبئا قانونيا ومصرفيا في الموانئ الأوروبية مما يعرقل عمليات التجهيز والإبحار.
وفي إطار تبرير الحصار والاعتراض، صوّر الإعلام الإسرائيلي الأسطول على أنه مجرد "حملة دعائية"، مشيرا إلى أن المنظمين يرفضون تسليم المساعدات عبر "القنوات الرسمية والمعترف بها" مثل ميناء أشدود.
يؤكد منظمو الحملة أن "مهمة ربيع 2026" إنسانية وتهدف إلى إيصال مساعدات إغاثية، وفتح ممر بحري مدني إلى غزة، إضافة إلى دعم جهود الإغاثة وإعادة الإعمار، وتشير الصفحة الرسمية للمهمة إلى أن المساعدات تشمل الغذاء وحليب الأطفال، والمستلزمات الطبية ومواد النظافة وأدوات تعليمية.
في المقابل، ركزت الماكينة الإعلامية والسياسية الإسرائيلية على صياغة مبررات تهدف إلى سحب صفة "الإنسانية" عن الأسطول، وربطه بأجندات سياسية معقدة، ويرى محللون أن إسرائيل تستخدم هذا الرفض دليلا قانونيا أمام المجتمع الدولي لتبرير اعتراض السفن بعيدا عن الساحل، بحجة أن الهدف من الأسطول هو "الاستفزاز السياسي" وليس الإغاثة الإنسانية.
كما ساقت إسرائيل مبررا سياسيا مفاده أن هذه التحركات تهدف إلى تخريب الجهود الإقليمية والدولية الرامية لإيجاد حلول "واقعية" لقطاع غزة، بما في ذلك الترتيبات التي تتماشى مع رؤية "خطة ترمب للسلام" التي تركز على التنمية مقابل نزع السلاح.
ولتعزيز هذه الرواية، نشرت وزارة الخارجية مواد تدعي العثور على مواد ممنوعة (مثل المخدرات) على متن السفن، واصفة الرحلة بأنها مجرد عرض لا يقدم مساعدات حقيقية مقارنة بما يدخل عبر المعابر البرية الخاضعة للتفتيش.
وتعد هذه المبادرة الثانية لـ"أسطول الصمود العالمي"، بعد تجربة سبتمبر/أيلول 2025، التي انتهت بهجوم إسرائيلي على السفن في أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه في أثناء إبحارها في المياه الدولية، واعتقال مئات الناشطين الدوليين على متنها قبل البدء بترحيلهم.
وتأتي هذه المبادرات في وقت يشهد فيه القطاع أزمة إنسانية وصحية غير مسبوقة منذ بدء إسرائيل حرب الإبادة على القطاع، التي أدت إلى تدمير واسع للبنية التحتية، بما في ذلك المستشفيات ومرافق الرعاية الصحية.
وتفاقم هذه المعاناة القيود الإسرائيلية المشددة على إدخال الوقود والمستلزمات الطبية، إلى جانب نقص حاد في الأدوية والمعدات، فضلا عن محاصرة قطاع غزة منذ عام 2007، وبات نحو 1.5 مليون فلسطيني من أصل نحو 2.4 مليون بالقطاع بلا مأوى بعد أن دمرت حرب الإبادة مساكنهم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة