آخر الأخبار

عاصفة في قم.. الحوزة والعلماء في زمان الحرب

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

منذ الغارة التي استهدفت المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير/شباط، توجهت الأنظار صوب فقهاء الحوزة العلمية المنوطة بهم مهمة ترتيب عملية انتقال السلطة من خلال مجلس خبراء القيادة. هذا المجلس المخولة إليه مهمة تسمية الولي الفقيه، هو هيئة من 88 فقيها لاحقتهم الضربات الجوية في مدينة قم لمنع اجتماعهم لاختيار خليفة للمرشد الراحل.

تعد قم مدينة مقدسة في المذهب الشيعي نظرا لوقوع عديد من المزارات الدينية بها أهمها ضريح فاطمة بنت موسى الكاظم، وهي بمثابة العاصمة الدينية لإيران ومعقل النخبة الدينية بها. وتتمتع الحوزة العلمية في قم، أي مجموعة المدارس الدينية في المدينة، بنفوذ كبير، في النظام السياسي والاجتماعي، ما جعل المدينة والحوزة محط الأنظار ليس فقط لاختيار خليفة للمرشد الأعلى، ولكن للحفاظ على استدامة شرعية النظام كله، بينما يتعرض لضربات شديدة.

"مع استمرار القصف، أصبح اختيار المرشد الجديد اختبارا حقيقيا لقدرة النظام على البقاء"

حاول مجلس الخبراء الاجتماع 5 مرات على الأقل بعد اغتيال المرشد، لكن كل الجلسات أُلغيت بسبب خطورة الوضع، فقد استُهدف مقر المجلس في قم ما أسفر عن مقتل العديد من الموظفين العاملين فيه. ومع استمرار القصف، أصبح اختيار المرشد اختبارا حقيقيا لقدرة النظام الديني على البقاء.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 جريمة على ضفاف النيل.. هل أصبح السودان "وكر" الكبتاغون العالمي الجديد؟
* list 2 of 2 من هم الستة الذين أشاد بهم ديفيد بن غوريون؟ end of list

فقد أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل صراحة في بداية الحرب أن الهدف هو الإطاحة بالنظام، وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إنه لن يسمح باختيار مرشد جديد لا يوافق عليه، لذا كان الإسراع باختيار قائد جديد لإيران حتى قبل دفن المرشد الراحل خطوة ضرورية للحفاظ على النظام خلال الحرب، خاصة مع استمرار اغتيال قادة الدولة، ما ينذر بتفكك الهياكل القيادية بشكل متزامن وانهيار الوضع السياسي.

مصدر الصورة جنازة لضحايا الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في مدينة قم – 5 مارس/آذار 2026 (الفرنسية)

صراع الفقهاء الخافت

ثارت الخلافات في الخفاء بين الفقهاء المحافظين الراغبين في اختيار شخصية أكثر "محافظة" تبقي على النظام القائم، وبين الإصلاحيين الراغبين في تغيير نهج النظام طمعا في إنهاء الحرب بسرعة. سعى الحرس الثوري بقيادة أحمد وحيدي، ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو قائد سابق بالحرس، لتعيين مجتبى لخلافة أبيه، وحظوا بدعم فقهاء محافظين بمجلس الخبراء.

إعلان

في المقابل، عارضهم الفقهاء الإصلاحيون ورئيس مجلس الأمن القومي علي لاريجاني (الذي اغتالته إسرائيل لاحقا)، ورئيس الجمهورية مسعود بيزشكيان، بحجة أن البلاد تحتاج قائدا "معتدلا" واقترحوا اسمي فقيهين إصلاحيين، وهما الرئيس السابق حسن روحاني، وحسن الخميني حفيد قائد الثورة روح الله الخميني، وفق ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز".

"أراد علي لاريجاني ومسعود بيزشكيان اختيار فقيه إصلاحي لمنصب المرشد، مثل الرئيس السابق حسن روحاني، أو حسن الخميني، حفيد آية الله الخميني"

بعد 5 أيام، لجأ مجلس الخبراء إلى التصويت إلكترونيا لاختيار الولي الفقيه، وحصل مجتبى خامنئي على أغلبية الثلثين المطلوبة، وأبلغ مجلس الخبراء المسؤولين لإعلان الخبر في فجر 4 مارس/آذار. لكن لاريجاني أجل إعلان الخبر بحجة خوفه على مجتبى من الاغتيال وفقا للتهديدات الأمريكية والإسرائيلية.

مصدر الصورة علي لاريجاني (الأوروبية)

طالب لاريجاني أيضا بإعادة التصويت مرة أخرى بسبب عدم دستورية التصويت الإلكتروني في نظره بسبب اشتراط الدستور تصويت أعضاء مجلس الخبراء شخصيا، كما أبلغ أن مجتبى قد اعتذر عن تولي المنصب، رغم أن الاعتذار يعد إجراء شكليا مهذبا لا يعتد به عادة، وقد سبق أن اعتذر خامنئي الأب كذلك عن المنصب حين وقع الاختيار عليه بوصف هذا الاعتذار المبدئي ضرورة شكلية قبل الاستجابة لقرار مجلس الخبراء.

قدم الإصلاحيون حججا تؤكد أن المرشد السابق كان يرفض أن يخلفه أي فرد من عائلته في حين تمسك الحرس بتأييد مجتبى. وفي ضوء هذا التباين الصامت، تم طرح اسم علي رضا أعرافي، عضو مجلس القيادة الثلاثي المؤقت (الذي يضم بجانبه الرئيس بزشكيان ورئيس السلطة القضائية غلام محسني) ومدير الحوزات العلمية في إيران، حلا وسطا وخيارا توافقيا، فهو فقيه محافظ يحمل مرتبة آية الله التي تعد المرتبة العليا في مراتب الفقهاء الشيعة، لكنه في الوقت نفسه لن يثير التحفظ السياسي الذي يثيره اسم مجتبى، فضلا عن أن اسمه لم يكن متداولا على نطاق واسع خارج الدوائر الحوزوية والسياسية الضيقة قبل مشاركته في مجلس القيادة المؤقت.

"قدم الإصلاحيون حججا تؤكد أن المرشد السابق كان يرفض أن يخلفه أي فرد من عائلته في حين تمسك الحرس بتأييد مجتبى"

جاء التطور اللافت في 7 مارس/آذار، حين أعلن الرئيس مسعود بيزشكيان أن المجلس الثلاثي قرر منع الهجمات الإيرانية على الدول العربية، وقدّم اعتذارا لها، مما أثار ثائرة الحرس الثوري ودفعه إلى تصعيد هجماته ضد هذه الدول، وطلب قائد الحرس من مجلس الخبراء الانعقاد فورا، وحثّ كل الأعضاء على التصويت لنجل المرشد الراحل باعتباره واجبا أخلاقيا ودينيا، وفق الرواية التي أوردتها "نيويورك تايمز".

اجتمع المجلس في 8 مارس/آذار عبر الإنترنت، واتفقوا على الاعتداد بالتصويت بتلك الطريقة بسبب ظروف الحرب، وناقش المجلس القضايا التي أثارها الإصلاحيون، لكن النقاش الطويل انتهى إلى اقتراع سري وضع فيه كل فقيه اختياره في ظرف مغلق، وأرسله إلى لجنة فرز الأصوات، فحصل مجتبى على أغلبية الثلثين، وتم إعلان النتيجة.

إعلان

الحوزة العلمية

تتكون الحوزة العلمية لدى الشيعة الاثني عشرية من عدة مدارس دينية وتعد مقر فقهاء المذهب ومراجع التقليد الكبار، وقد تطورت الحوزات شيئا فشيئا بداية من عدة حلقات للدروس حتى أصبحت مراكز تعليمية كبيرة تلعب اليوم دورا محوريا في الحفاظ على التراث العقائدي والفقهي للمذهب وتطويره، وهي أقرب لكونها شبكة علمية وليست مؤسسة موحدة، وقد تبلورت الحوزات العلمية تدريجيا بعد الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة التي بدأت بوفاة آخر سفرائه عام 941، حين أصبح الفقهاء هم المرجع الديني الأساسي للجماعة الشيعية.

" تبلورت الحوزات العلمية تدريجيا بعد الغيبة الكبرى للإمام الثاني عشر عند الشيعة التي بدأت بوفاة آخر سفرائه عام 329 هـ – 941 م"

وتعد حوزة النجف في جنوب العراق أقدم الحوزات الشيعية، وقد ارتبطت بوجود مرقد الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، مما جعلها مركزا لعلماء المذهب تاريخيا، وتكرّس دورها في العصور الحديثة كمرجعية كبرى للشيعة في العالم، بينما تُعد حوزة قم، جنوب العاصمة الإيرانية طهران، حديثة نسبيا.

فرغم كونها معقلا للتشيع منذ قرون طويلة إلا أن حوزتها لم تتأسس بشكلها الحالي إلا عام 1923 على يد الشيخ عبد الكريم الحائري، أول مجتهد يحمل لقب آية الله، ثم تضخم دورها بعد الثورة الإيرانية عام 1979 عندما أطاح الفقهاء بالنظام الملكي، وتولى روح الله الخميني منصب المرشد الأعلى وفق نظرية ولاية الفقيه التي تعتبر المرشد في إيران نائبا عن الإمام الغائب وبالتالي يجمع السلطتين الروحية والزمنية معا.

مصدر الصورة روح الله الخميني تولى منصب المرشد الأعلى وفق نظرية ولاية الفقيه التي تعتبر المرشد في إيران نائبا عن الإمام الغائب وبالتالي يجمع السلطتين الروحية والزمنية معا (شترستوك)

منذ ذلك الحين، أصبحت حوزة قم في قلب معادلة السلطة في إيران على عكس حوزة النجف التي ظلت بعيدة عن السلطة وشهدت علاقتها بالنظام العراقي البعثي توترات عديدة، وحتى في عهد ما بعد البعث حينما تمكنت القوى الشيعية من الوصول إلى الحكم لم تُطوَّر صيغة لإشراك المرجعية الدينية في النجف في السلطة بشكل مباشر وإن اكتسبت نفوذا هائلا.

هذا التباين في الرؤى السياسية بين الحوزتين (لم تتبن حوزة النجف ولاية الفقيه) تسبب في ظهور حالة من التنافس على القيادة الروحية بين حوزة قم المرتبطة بالنظام السياسي في إيران ونظيرتها العراقية؛ فقبل تأسيس حوزة قم كانت أنظار الشيعة حول العالم تتجه نحو النجف وكانت فتوى من سطر واحد كفيلة بقلب الأمور في إيران رأسا على عقب، لكن الآن تتزعم إيران العالم الشيعي، مما منح حوزة قم أهمية وتأثيرا متعاظمين.

مصدر الصورة شيعة عراقيون يحملون صور المرجع الديني الأعلى علي السيستاني (غيتي)

ويمثل منصب المرجع الأعلى في النجف، الذي يشغله السيد علي السيستاني منذ عام 1992، أعلى درجة علمية دينية بين فقهاء الحوزة، وهو منصب خاص بحوزة النجف، ولا يُختار بطريقة معينة بل يفرض حضوره بشكل تلقائي من خلال الجدارة العلمية والأخلاقية، وتجتمع كلمة الفقهاء في النجف على الإذعان لرئاسته ومرجعيته، وتقتصر سلطته على الجانب الروحي، وقد يوجد العديد من المراجع في الوقت نفسه يختار المقلدون من بينهم بحرية.

أما الولي الفقيه في إيران فهو منصب سياسي-ديني قد يشغله (نظريا) فقيه معين في ظل وجود علماء يحظون بمكانة علمية أكبر منه، وقد وقعت خلافات كبيرة بين الولي الفقيه والعلماء الآخرين في إيران وتم عزل وإقصاء بعضهم، إذ إن نظرية ولاية الفقيه فكرة مستحدثة في المذهب لا تحظى بإجماع الفقهاء الاثني عشرية التقليديين.

منبع الشرعية ومصنع القادة

لم يشغل مجتبى أي منصب رسمي من قبل، ولم يعتد الظهور في المجال العام أو مخاطبة الجماهير، وقد تخرج من حوزة قم وحصل على مرتبة "حجة الإسلام" التي يحصل عليها الفقهاء الشيعة الذين لم يبلغوا بعد مرتبة الاجتهاد. كان مجتبى يُدرّس في قم في مرحلة البحث الخارج، وهي أعلى مرحلة في الدراسات الحوزوية الشيعية، وتُسمى بذلك لأن الطلّاب عندها يدرسون ما يشبه الفقه المقارن في المدارس الدينية السنية، أي لا يدرسون كتبا أو متونا بعينها، وإنما دراسة حرة تقارن بين المذاهب والحجج. لكن خامنئي الابن أوقف دروسه فجأة بعد جائحة فيروس كورونا المستجد، رافضا الإفصاح عن السبب.

"لاقى مشروع مزعوم لتجهيز مجتبى كمرشد أعلى انتقادات سابقة من القادة الإصلاحيين كمهدي كروبي ومير حسين موسوي"

لاقى مشروع "مزعوم" لتجهيز مجتبى كمرشد أعلى انتقادات سابقة من القادة الإصلاحيين كمهدي كروبي ومير حسين موسوي، وهاجمه المعارضون في الخارج صراحة، وتناقل الفقهاء داخل الحوزة انتقادات غير علنية له نظرا لعدم بلوغه رتبة "آية الله"، وهي درجة علمية تتيح لحاملها أن يصبح مرجعا للتقليد الفقهي من قبل الشيعة، في ظل وجود العديد من الفقهاء المجتهدين الكبار في الحوزة ممن يمتلكون مكانة علمية وروحية كبيرة. رغم ذلك، كانت وكالة أنباء الحوزة (رسا) في أغسطس/آب 2022 أطلقت عليه لقب "آية الله" للمرة الأولى بالتزامن مع مرض والده، لكن ذلك عزز آنذاك الأحاديث عن مشروع لتوريث الحكم لا سيما وقد جاء ذلك بعد أقل من شهر من نشر مقال للزعيم الإصلاحي، مير حسين موسوي، حذر فيه من مخطط التوريث باعتباره غير شرعي.

وبمجرد انتخاب مجتبى مرشدا أعلى تم توجيه رسائل التأييد والمباركة مخاطِبة إياه بلقب "آية الله"، وقد مر والده بتجربة شبيهة عام 1989، إذ تم اختياره للمنصب أيضا برغم عدم حيازته لهذه الرتبة العلمية المشترطة لتولي المنصب، واستطاع رئيس البرلمان حينذاك، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، معالجة الموقف قانونيا وتمرير ترشيح خامنئي الأب على حساب فقهاء الحوزة الحائزين على المؤهلات العلمية المطلوبة لخلافة القائد المؤسس، ثم صار يُطلق على علي خامنئي آية الله بعد توليه المنصب، ثم ارتبط به لقب "آية الله العظمى" لاحقا، وبمساعدة الحرس الثوري رسخ قاعدة سلطته ليصبح من أطول الزعماء مكوثا في السلطة.

"مع تقدم عمر خامنئي، ظهر مجتبى من خلف الستار كحاجب لوالده، وهمزة الوصل بينه وبين قادة الدولة"

ومع تقدم عمره، بات نجله مجتبى يظهر من خلف الستار كحاجب لوالده، وهمزة الوصل بينه وبين قادة الدولة، ثم تطور دوره وكوّن شبكته الشخصية من النافذين في الدولة وخاصة من الحرس الثوري. وفي عام 2009، هتف المتظاهرون في الشوارع ضده بالاسم خلال الاحتجاجات الشعبية على تزوير الانتخابات الرئاسية، والتي عُرفت باسم "الحركة الخضراء"، واتهمه قادة الحركة آنذاك بالتحكم في "الدولة العميقة" في إيران والسعي لوراثة منصب والده.

"يتعارض اختيار مجتبى من وجهة نظر البعض مع تراث حوزوي راسخ اعتبر توريث السلطة ممارسة أضرت بالإسلام والمسلمين"

رغم اعتماد مجتبى بشكل أساسي على ولاء قادة المؤسسة العسكرية له، إلا أنه لم ينس أهمية وتأثير الحوزة العلمية، ودورها المحوري في إسباغ الشرعية على نفوذه، فحافظ على علاقة قوية مع فريق من رجال الدين المحافظين الذين ظلوا سندا له وللنظام في مواجهة المعارضين من الفقهاء والسياسيين. وبعد توليه الحكم، يرجح أن مجتبى يحتاج دعما خاصا من الحوزة للرد على الاتهامات بتحول الجمهورية على يديه إلى ملكية وراثية تناقض تماما نظرية ولاية الفقيه وشعارات الثورة الإسلامية ضد الملكية الإيرانية، وتعارض تراثا حوزويا راسخا اعتبر توريث السلطة ممارسة أضرت بالإسلام والمسلمين.

إعلان

فحتى في ظل تهميش كبار المراجع في ظل حكم خامنئي الأب، تظل الحوزة منبع شرعية النظام، فهي التي تمنح القائد المؤهلات العلمية لشغل منصبه، وتمنح النظام هويته ومبرر وجوده واستمراره، وتضمن له وجود كتلة صلبة من الداعمين المخلصين في جميع الظروف والأوقات. ووفقًا للرواية الرسمية للدولة، فإن "الثورة الإسلامية" انطلقت من الحوزة، حيث أطلق الخميني أنشطته الثورية ضد الشاه من المدرسة الفيضية في قم، وأصبح لهذه المدرسة مكانة أيقونية نتيجة ارتباطها بالنضال الديني ضد حكم الشاه وقمع جهازه الأمني المعروف بالسافاك.

مصدر الصورة طلاب بالمدرسة الفيضية في مدينة قم الإيرانية (غيتي)

لكن أهمية الحوزة تتجاوز مجرد صورتها الرمزية، فقد اضطلعت بدور مركزي في توضيح وإعادة إنتاج الفكر الأيديولوجي والفقهي، كما لعبت دورا محوريا في تشكيل النخبة الإيرانية الحاكمة، فكبار المسؤولين كثيرا ما تجمعهم روابط الزمالة القديمة في الحوزة. بالإضافة إلى كونهم أحيانا من رفقاء السلاح السابقين في التشكيلات العسكرية في الحرس الثوري، وما زالت تلك المؤسسة تمارس دورها في تجنيد كوادر مستقبلية من موظفي الدولة. وقد تتلمذ مجتبى خامنئي على يد أحد أكثر الفقهاء "تشددا" في حوزة قم وهو مصباح يزدي الذي توفي عام 2021، وشملت شبكة نفوذه داخل الحرس الثوري زملاءه السابقين ممن درسوا على يد يزدي وغيره من رجال الدين في قم.

الأهم من ذلك أن المرشد الإيراني ليس قائدا سياسيا للبلاد فقط، بل زعيم روحي أيضا، ولا يكتسب مكانته الروحية تلك من خلال الحصول على درجة علمية معينة فقط، بل باعتراف الفقهاء الآخرين له بهذه المكانة، وقد يتخذ قرارات كبرى بالاستناد إلى صفته الروحية لا السياسية، مثل فتوى تحريم استخدام السلاح النووي التي أصدرها خامنئي الأب عام 2003 في خضم الاتهامات الغربية بعسكرة البرنامج النووي الإيراني، إذ اكتسبت الفتوى وزنها بوصفها رأيا فقهيا صادرا عن مرجع يتولى القيادة، رغم أنها لا تحمل صفة قانونية ملزمة. وبوفاة المفتي لا يتم توريث فتاواه إلى من يخلفه، حتى لو كان ابنه، لأن كل فقيه مسؤول عن اجتهاده المستقل، فهي فتوى مرجع واحد لم تتحول إلى إجماع حوزوي راسخ.

بوفاة المفتي لا يتم توريث فتاواه إلى من يخلفه، حتى لو كان ابنه، لأن كل فقيه مسؤول عن اجتهاده المستقل (الفرنسية)

التضامن المتبادل بين الحوزة والنظام

يسود الاعتقاد بين الفقهاء المحافظين بأن الولي الفقيه لا يُنتخب من قبل مجلس الخبراء بل يُكتشف اكتشافا، أي أنه ليس إنسانا عاديا يكتسب صلاحياته بموجب اختيار البشر، وإنما هو نائب الإمام الغائب، وبالتالي فإن من شهد له الفقهاء بأنه "المرشد الأعلى لا يجوز معارضته ولا التشكيك في شرعيته".

ولا يؤمن العديد من الفقهاء الشيعة بنظرية ولاية الفقيه، فهناك جناح من حوزة قم يوصفون بـ"الأصولية الانتظارية"، أي التي تفضل انتظار ظهور المهدي، الإمام الغائب، بدلا من السعي لإقامة دولة دينية، وتنقسم إلى فريقين؛ أحدهما الأصولية التقليدية الانتظارية التي لا تؤمن بالعمل السياسي مطلقا، وهناك الأصولية الانتظارية الإيجابية التي تؤيد قيام دولة مدنية تحفظ حقوق الجميع حتى ظهور المهدي، ولا تتبنى فكرة ولاية الفقيه.

وهناك فقهاء يتبنون بعض جوانب نظرية ولاية الفقيه ولكنهم يرون ضرورة تطويرها، فيطالبون بتقليص الصلاحيات المطلقة للمرشد، ويرون أن ولايته ليست "تعيينية إلهية" بل انتخابية، وتستمد شرعيتها من اختيار المواطنين. ويحظى الفقهاء المحافظون بدعم المرشد والحرس الثوري، وهم التيار الأقوى في الحوزة العلمية وغالبا ما يتحدثون باسم الحوزة، بينما يتعرض الفقهاء الإصلاحيون للهجوم من قبل التيار المحافظ بشكل مستمر.

"ظل تعامل السلطة مع الحوزة إجمالا يقوم على الاحتواء وليس المواجهة، إدراكا لعِظم وخطورة دورها"

ورغم ذلك فإن معظم المتاعب التي تصدرها الحوزة للنظام جاءت من التيار الأكثر تشددا وليس من الإصلاحيين، وقد فضلت السلطة التعامل مع الحوزة إجمالا من خلال نهج قائم على الاحتواء وليس المواجهة، إدراكا لعِظم وخطورة دورها. على سبيل المثال، عقب مقتل الشابة مهسا أميني على يد الشرطة في سبتمبر/أيلول 2022، لجأت السلطات إلى إنكار الواقعة ومعاقبة المتعاطفين معها مما أدى إلى اشتعال احتجاجات ضد النظام وفقهاء الحوزة.

رغم ذلك، تتحرك استخبارات الحرس الثوري بحزم ضد الفقهاء الذين ينتقدون النظام ويشككون في شرعية مسلكه، كما حدث حين اعتقلت الأستاذ في حوزة قم، محمد تقي أكبر نجاد، في عام 2024 بسبب انتقاده سياسات المرشد الأعلى في سلسلة فيديوهات سلط الضوء فيها على أوضاع الفقراء وانتقد غياب الدور الرقابي لمجلس خبراء القيادة تجاه المرشد، وعقب إطلاق سراحه بكفالة أعلن إجباره على إعلان ندمه والاعتراف بتهم "ملفقة" أمام الكاميرات ليُفرج عنه دون محاكمة.

إعلان

كما حُكم من قبل على رجل الدين الشهير، شهاب الدين حائري شيرازي، بالسجن من جانب المحكمة الدينية في شيراز، بسبب نشاطه الإعلامي المعارض، وهو نجل محيي الدين حائري شيرازي، عضو مجلس الخبراء وخطيب صلاة الجمعة سابقا في شيراز، الذي توفي عام 2017. وقد طرح شيرازي آراء مثيرة للجدل على مواقع التواصل الاجتماعي حول السياسة الخارجية والحجاب ونفوذ الحرس الثوري، ضمن سلسلة من آراء المنتقدة بشكل صريح للنظام.

"هناك نوع من الرقابة المنهجية على آراء رجال الدين في الشأن العام عبر جمعية مدرسي حوزة قم"

هذه الوقائع تشير ربما أن هناك نوعا من الرقابة المنهجية على آراء رجال الدين في الشأن العام. وبشكل واضح، تمارس جمعية مدرسي حوزة قم وصاية على مراجع الحوزة، وهي هيئة تعبر عن التيار المحافظ. على سبيل المثال، تعرض المرجع محمود أمجد، وهو من كبار مدرسي الحوزة ويحمل لقب آية الله، إلى هجوم شديد من الجمعية عندما انتقد المرشد عقب إعدام الصحفي روح الله زم في نهاية عام 2020، وكذلك تنشر الجمعية بيانات تطالب بعزل وطرد الفقهاء الذين يخرجون عن الخط العام خاصة إذا كانوا من ذوي التأثير.

روح الله زم معارض وصفه الحرس الثوري الإيراني بأنه "معادٍ للثورة" واتهمه بالعمل لصالح جهاز المخابرات الفرنسي (رويترز)

الوحدة القسرية في زمن الحرب

ولكن رغم التباينات الكبيرة بين الفقهاء، يبدو أن الحرب وحدت الحوزة العلمية مع النظام، فساندته بمنتهى القوة قولا وفعلا، حيث أصدر المرجع الديني ناصر مكارم شيرازي فتوى بإعلان الجهاد ضدّ أمريكا وإسرائيل، وشاركت الحوزة في السجالات الإعلامية والدبلوماسية خلال الحرب. وعندما انتقد بابا الفاتيكان الحرب على إيران، أصدر علي رضا أعرافي، مدير الحوزات العلمية في إيران، بيانا حيّا فيه البابا ووصفه بأنه من "الأوفياء للرسالة الحقيقية للمسيحية". في المقابل، حينما أصدر الأزهر بيانا يدين الهجمات الإيرانية على الدول العربية، أصدر أعرافي بيانا طالب فيه الأزهر بمراجعة موقفه لأن "إيران تدافع عن نفسها" حسب نصه، فردّ عليه المشرف العام على الأروقة الأزهرية في مصر بمقال يجدد فيه اتهام إيران باستهداف المدنيين وليس القواعد الأمريكية فقط.

ورغم مطالبات الفقهاء بالثأر لدماء المرشد الأعلى ودعواتهم للصمود و"عدم التنازل أمام الأعداء"، فإن الحوزة خلال مساعي وقف إطلاق النار لم تشكل ضغطا على النظام في اتجاه معين، فهي لم تدفعه بوقة لوقف الحرب باعتبارها "تهلكة" وفي المقابل فإنها لم ترفض المفاوضات وتعتبرها "خيانة". هذا الموقف المرن يشير إلى رغبة رجال الدين في المساحة اللازمة للقادة السياسين لاتخاذ القرار المناسب وتعبئة الرأي العام خلفه لاحقا.

"في ظل الحرب، ترى الحوزة أن دورها الأساسي هو تقديم الدعم للنظام وإضفاء الشرعية على خياراته وقراراته"

الأهم ربما أن التيار الديني قدم دعما معنويا كبيرا للعسكريين والمدنيين خلال فترة الحرب. مثلا أفتى المرجعان ناصر مكارم شيرازي وجوادي الآملي بجواز استخدام أموال سهم الإمام (تبرعات تُدفع لمراجع الشيعة في عصر غيبة الإمام الثاني عشر) لإعادة إعمار المنازل والمؤسسات التي دُمرت خلال الحرب.

يكاد يقتصر دور الحوزة إذن على منح الدعم للنظام دون أن يكون لها نفوذ فعلي عليه، فهي تُستدعى حين الحاجة وتمثل درعا واقيا ضد هجمات المعارضين. فالقرار لا يُصنع في قم، لكن حوزتها تتكفل بإضفاء الشرعية عليه، بينما يمثل الحرس الثوري فعليا الدولة العميقة في إيران ومركز الثقل الأساسي الذي يعتمد عليه النظام. وهكذا تعيد الحرب التأكيد على حقيقة أن الحوزة العلمية -رغم ما يعتريها من تباينات وصراعات- تميل عند اللحظات المصيرية إلى الاصطفاف إلى جانب الدولة، في مواجهة "تحدي البقاء" الذي يطال الجميع.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا