في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في خضمِ مشهد بالغ التعقيد تتشابك فيه خيوط الدبلوماسية وأدخنة الحرب، تتجه أنظار العالم نحو إسلام آباد حيث تعقد محادثات تُوصف بأنها مصيرية بين واشنطن وطهران.
غير أن وراء هذا المشهد الظاهر أسئلة عميقة تتصل بطبيعة التسوية المأمولة، وهوية من يتفاوض فعلا داخل القيادة الإيرانية المنقسمة، وحجم ما تنتظره دول المنطقة من ضمانات حقيقية. خبراء ومحللون تحدثوا إلى سكاي نيوز عربية وكشفوا عن قراءات متشعبة لمآلات هذه اللحظة الفارقة.
التهديد العسكري سلاح تفاوضي لا قرار حرب
لا يرى الإعلامي والكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي خلال حديثه لسكاي نيوز عربية، في التصعيد العسكري الأميركي سوى أداة للضغط مدروسة في توقيتها وحدودها.
ويُفرِق المناوي بوضوح بين التهديد والخيار الفعلي، إذ يؤكد أن الرئيس دونالد ترامب "يستخدم التهديد بالإجراء العسكري لدفع المفاوضات مع إيران"، لا لإشعال مواجهة مفتوحة.
ويصف المناوي المشهد الراهن بأنه رقص على حافة الهاوية؛ كلا الطرفين يدفع بحده الأقصى: ترامب بالتلويح بالتدمير الكامل، وإيران بالتهديد بإيقاف إيقاع الحياة في المنطقة المحيطة بها، في "حالة انتحارية على الطرف الإيراني وحالة تهديد صارمة على الطرف الأميركي".
غير أنه يبقي على قناعته بأن "هناك اتفاقاً ما، هناك ملامح لاتفاق"، مستندا إلى مؤشرات دبلوماسية لافتة، أبرزها وجود وفود متنقلة بين العواصم ومكوث وزير الدفاع الباكستاني في طهران لثلاثة أيام متواصلة، واصفا كل ذلك بأنه "أمور تمهيدية".
بيد أن المناوي يضيف تحفظا جوهريا، إذ يرى أن ما يلوح في الأفق "ليس اتفاقا حقيقيا كاملا، بل اتفاق ما للتوقف عن الحرب وإيقافها"، مشيرا إلى أن التقديرات المنطقية "ليست صامدة أمام الواقع اللامنطقي الذي نعيشه".
انقسام إيراني يعقِد مسار التسوية
من زاوية مغايرة، يضع الباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع، جون هاريسون، إصبعه على الجرح الأعمق في هذا الملف: الانقسام الداخلي في القيادة الإيرانية.
ويرى هاريسون أن ما جرى من تقدم نحو الاتفاق ثم تراجع سريع يعكس خللا بنيويا في صنع القرار الإيراني، إذ "يبدو أن الحرس الثوري وافق في البداية ثم رجع ورفض"، في حين لم تتمكن الإدارة السياسية الإيرانية من إقناعه "بأن هذا أفضل ما يمكن التوصل إليه".
ويوضح هاريسون حجم هذا الإشكال بقوله إن "هناك انقساما واضحا داخل القيادة الإيرانية بات يظهر في العلن"، الأمر الذي يجعل من الصعب تكهُن من سيكون الشريك الفعلي في مفاوضات إسلام آباد، في ظل أكثر من 5 عقود من تراكم انعدام الثقة بين الطرفين.
وعلى صعيد المسار الأميركي، يرى هاريسون أن واشنطن تسعى عبر مسارين متوازيين: مواصلة الضغط العسكري عبر الضربات الجوية من جهة، والبحث عن تسوية تفاوضية من جهة أخرى، مع تشديده على أن تحييد القدرات الصاروخية الإيرانية وملف الوكلاء كانا "واضحَين منذ البداية" باعتبارهما شرطَين أميركيين.
ويفرِق بين خيارَين: وقف إطلاق نار مجدد، وسلام دائم، معتبرا أن الأول هو "أهم نقطة حاليا" وأن الثاني لا يزال "أمرا غير واضح حتى الآن".
وينبه هاريسون إلى ما يراه الخطأ الأفدح في إدارة هذه الأزمة، وهو أن الإدارة الأميركية "لم تستشر حلفاءها وشركاءها بشكل حقيقي" قبل اتخاذ قرار الحرب، إذ "افترضت أن كل ما عليها هو أن تخطرهم"، وهو ما وصفه بأنه "الخطأ الرئيسي الذي ارتكبته الإدارة الأميركية".
هرمز.. ورقة بيد طهران وسيف على رقبتها
فيما يتعلق ب مضيق هرمز، أوضح الإعلامي والكاتب الصحفي عبد اللطيف المناوي أن إيران اكتشفت أن هذا المضيق "أصبح أهم سلاح في المعركة على الإطلاق"، مشيرا إلى أنه يمثل أداة ضغط "ليس فقط على إيران ولا على أميركا ولكن على العالم كله وعلى النظام العالمي كله".
وأضاف أن طهران تستخدم هذه الورقة "ليس لإشعال الحرب ولكن للوصول إلى أفضل تسوية ممكنة من خلال التفاوض"، محذرا في الوقت نفسه من أن هذه اللعبة "يمكن أن تصل إلى مرحلة إطلاق الحرب مرة أخرى" إذا تم استخدامها بشكل خاطئ.
وفي السياق ذاته، أكد المناوي أن "الحصار هو الضغط الحقيقي على إيران"، موضحا أنه "دفعها بالفعل إلى الليونة النسبية ومحاولة إيجاد وسيلة لإيقاف الحرب"، معتبرا أن هذه المعادلة تقوم على من يستطيع الصمود أكثر في استخدام أدوات الضغط.
من جانبه، أشار الكاتب الصحفي محمد الحمادي إلى أن "600 مليون برميل نفط عالقة في مضيق هرمز"، لافتا إلى أن استمرار الإغلاق "خلال 50 يوم" جعل "العالم كله اليوم متضرر"، مضيفا أن "الدول الأوروبية دخلت على خط الضغط لأن أوروبا أصبحت تعاني".
كما شدد على أن هذا الممر "ممر مائي دولي مفتوح لا يحق لأحد إغلاقه"، متسائلا عن قدرة إيران على الاستمرار في السيطرة عليه.
وفي ما يتعلق بأدوات الضغط، أوضح الحمادي أن "الحصار البحري المفروض اليوم أكثر فائدة وأقل كلفة في مقابل الضربات العسكرية"، مشيراً إلى أن الضربات قد تكون "مكلفة أكثر وخطيرة أكثر" على الجميع.
بدوره، أشار الباحث في مركز ربدان للأمن والدفاع جون هاريسون إلى أن دول الخليج "قامت بإيجاد موانئ بديلة أو طرق بديلة أو توسيع خطوط أنابيب بديلة"، وهو ما "قلل من أهمية هذه الورقة"، لافتا إلى أن إيران "لم تكن لتحسب هذا الأمر".
قاليباف وخطاب "الانتصار بالبقاء".. تهيئة للتوقيع لا ادعاء بالغلبة
في قراءته لتصريحات رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، أشار الخبير في الشؤون الإيرانية نبيل الحيدري إلى أن ما طرح يحمل دلالات مزدوجة، لافتا إلى أن هذه هي "المرة الأولى" التي يتم فيها الإقرار بشكل واضح بقوة الطرف المقابل، في إشارة إلى الولايات المتحدة و إسرائيل.
وأوضح الحيدري أن هذا الطرح لا يتناقض مع السردية الإيرانية التقليدية، بل يأتي في إطار إعادة تقديمها، حيث يتم التأكيد على أن "مجرد بقاء النظام مع هذه القوة الجبارة دليل على الانتصار"، مضيفا أن الخطاب يهدف إلى القول: "نحن انتصرنا، لأن النظام لم يسقط رغم هذه القوة".
كما لفت إلى أن قاليباف يسعى، من خلال هذا الطرح، إلى إيجاد مخرج تفاوضي، مشيرا إلى أنه يريد أن يوقع اتفاقا حتى لا تخسروا وتكون الخسائر كبيرة، في ظل إدراك لحجم القوة المقابلة.
وفي سياق متصل، أشار الحيدري إلى أن ما يجري قد يعكس لعبة إيرانية تقوم على تبادل أدوار داخل منظومة القرار، موضحا أن الخطاب قد يستخدم للإيحاء بمحاولة فتح مضيق هرمز مقابل إظهار أن "الحرس الثوري لا يسمح بذلك"، بما يندرج ضمن أساليب الضغط في إدارة التفاوض.
وعلى صعيد الداخل الإيراني، أكد الحيدري أن الحصار كان له تأثير كبير جداً على الحكومة وعلى الناس وعلى الغلاء وعلى حياتهم، مشيرا إلى أن الأوضاع الاقتصادية شهدت تراجعا حادا مع انهيار العملة وتردي الوضع الاقتصادي.
كما أشار إلى أن الاحتجاجات قمعت بعنف لم يسبق في تاريخ إيران، لافتا إلى أن التحولات الداخلية شملت شرائح تقليدية كانت داعمة للنظام، حيث البازار نفسه الذي كان يسند النظام يقوم ضده، إضافة إلى مشاركة الشباب والحوزات الدينية في قم في موجة الرفض، معتبرا أن الأعمدة التي كان يعتمد عليها النظام أصبحت مهددة.
المصدر:
سكاي نيوز