في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تشير المرافعات أمام المحكمة العليا الأمريكية إلى أن محاولة الرئيس دونالد ترمب تقييد حق المواطنة بالولادة تمضي، على الأرجح، نحو خسارة قانونية. لكنّ ما توحي به قراءة مشتركة لتقارير من صحيفتي نيويورك تايمز وواشنطن بوست هو أن هذه الخسارة المحتملة قد لا تكون خاتمة المعركة، بل بداية طور آخر منها، قد يخرج منه ترمب وقد كسب سياسيا ما عجز عن انتزاعه قضائيا.
فبحسب ما أوردته نيويورك تايمز، لم تَبدُ دفوع إدارة ترمب مقنعة لكثير من القضاة، بمن فيهم بعض المحافظين، في ما يتعلق بمحاولة استبعاد أبناء المهاجرين غير النظاميين أو حاملي الإقامات المؤقتة من حق المواطنة.
وتقول الصحيفة إن جانبا كبيرا من النقاش دار حول ما إذا كانت الإشارة إلى "الموطن" أو "الإقامة الدائمة" في سابقة عام 1898 تؤسس فعلا لهذا التمييز، أم أنها لم تكن سوى جزء من عرض الوقائع في تلك القضية، لا قاعدة قانونية تصلح لإعادة تأويل التعديل الرابع عشر في الدستور الأمريكي.
وتضيف نيويورك تايمز أن الشكوك لم تتوقف عند حدود السجال التاريخي، بل امتدت إلى ما قد يترتب على منطق الإدارة من نتائج عملية وقانونية مربكة.
وتلفت الصحيفة إلى أن القاضية إيمي كوني باريت أثارت مسألة الأطفال مجهولي النسب، في إشارة إلى ما قد يفضي إليه تفسير الإدارة من أوضاع قانونية ملتبسة، أو حتى من خطر انعدام الجنسية في بعض الحالات.
وفي المقابل، تقول الصحيفة إن بعض القضاة البارزين بدَوْا أقل اكتراثا بالحجج السياسية التي دفعت بها الإدارة، من قبيل "سياحة الولادة" أو المقارنة بتجارب دول أخرى، وأكثر ميلا إلى رد القضية إلى نصوص الدستور والقانون الأمريكيين وحدهما.
من جهتها، ترى واشنطن بوست أن المحكمة قد لا تحتاج إلى خوض مواجهة دستورية واسعة كي ترد أمر ترمب التنفيذي.
ففي افتتاحيتها، ترجح الصحيفة أن يجد بعض القضاة، ولا سيما نيل غورسيتش وبريت كافانو، مخرجا أضيق يقوم على إسقاط القرار استنادا إلى قانون الجنسية والهجرة، بصيغته التي أقرها الكونغرس وحدثها لاحقا، من دون الاضطرار إلى حسم نهائي لمجال التعديل الرابع عشر نفسه.
وفي تقدير واشنطن بوست، تكمن أهمية هذا المسار في أنه يوقف محاولة الرئيس إعادة رسم قواعد الجنسية بقرار تنفيذي منفرد، لكنه لا يطوي الملف دستوريا إلى الأبد. أي أن المحكمة قد تمنع ترمب من فرض هذا التغيير الآن، من غير أن تسد الباب تماما أمام عودة القضية لاحقا عبر الكونغرس إذا أراد الخوض فيها تشريعيا.
وهنا تحديدا يلوح أول مكاسبه المحتملة: أن يخسر هذه الجولة، لكنه ينجح في إبقاء الملف مفتوحا داخل ساحة الاشتباك السياسي والتشريعي، لا أن يُدفن بحكم دستوري قاطع.
وفي السياق ذاته، يرى أستاذ القانون ستيفن فلاديك في مقال بنيويورك تايمز أن ما كسبه ترمب يتجاوز قضية المواطنة بالولادة نفسها، ليمس البيئة القضائية التي باتت تتحرك فيها معارك إدارته.
فبحسب فلاديك، جاءت هذه القضية بعد أن قلصت المحكمة العليا من قدرة المحاكم الفدرالية الدنيا على إصدار أوامر قضائية نافذة على مستوى البلاد كلها.
وهذا تحول لا يغير، كما يرجح الكاتب، مصير هذه القضية بعينها، لأن المحكمة العليا ستصدر فيها حكما ذا أثر وطني، لكنه يضعف قدرة القضاء الأدنى على وقف سياسات تنفيذية أخرى بسرعة وبأثر عام.
ويحذر فلاديك من أن الخطر لا يكمن في هذه الدعوى وحدها، بل في ما قد يليها: أن تخسر الإدارة أمام محاكم دُنيا في قضايا فردية، ثم تمتنع ببساطة عن استئناف تلك الخسائر، فتظل السياسات المطعون فيها سارية بحق آخرين لم يطرقوا أبواب القضاء.
وبحسب مقاله، فإن قضية حق المواطنة بالولادة عادت إلى المحكمة العليا لأن ممثل الإدارة التزم، تحت ضغط القضاة، بإعادة الملف إليها إذا خسرت الحكومة مجددا. لكنّ هذا الالتزام -في نظره- يظل استثناء، لا قاعدة عامة يمكن الركون إليها في القضايا الأخرى.
من هنا، تبدو المفارقة أوضح: قد يخسر ترمب أمره التنفيذي، وقد تفشل محاولته انتزاع سابقة تعيد تعريف المواطنة الأمريكية بقرار رئاسي.
مع ذلك، توحي القراءات الثلاث بأن الرئيس قد يحقق مكسبين لا يستهان بهما: أولا، إبقاء القضية حية في قلب الاستقطاب السياسي حول الهجرة والهوية الأمريكية؛ وثانيا، الاستفادة من مشهد قضائي باتت فيه قدرة المحاكم الدنيا على كبح السلطة التنفيذية أضعف مما كانت عليه.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة