الخرطوم- حاصرت قوات الدعم السريع -فجر الاثنين- بادية مستريحة في شمال دارفور معقل رئيس مجلس الصحوة الثوري وزعيم قبيلة المحاميد موسى هلال، ثم انقضت عليها وتوغلت داخل معقل الزعيم العشائري التاريخيّ، وهاجمت منزله وقتلت عددا من جنوده.
يقول أحمد أبكر المتحدث باسم مجلس الصحوة الثوري -وهو جسم عسكري يقوده هلال ويوالي الجيش في الحرب الدائرة بالسودان- للجزيرة نت إن قواتهم تمكنت فجر الاثنين من صد 4 هجمات عنيفة نفذتها قوات الدعم السريع على بلدة مستريحة، واستخدمت فيها نيرانا كثيفة، وإن المعارك ظلت تدور على بُعد أمتار من داخل منزل موسى هلال، بيد أن أبكر لم يفصح عن مصير هلال بعد هذه المعارك، وسط تقارير معلوماتية تشير إلى أن هلال مع اشتداد الهجوم عليه غادر باديته تحت غطاء نيراني نفذته قواته التي قوامها أبناء عشيرته من قبيلة المحاميد العربية بإقليم دارفور.
فما قصة الصراع بين موسى هلال وقائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" رغم أنهما ينتميان إلى نفس قبيلة الرزيقات، وكيف تحول التنافس الحاد بينهما من خلافات شخصية حول النفوذ إلى صراع عسكري مباشر للسيطرة على المشهد العسكري والسياسي في دارفور؟
شكّل العام 2003 علامة فارقة في تاريخ موسى هلال بإقليم دارفور، حينما استعانت به الحكومة السودانية لقتال التمرد الذي اندلع في الإقليم الواقع غربي السودان الذي قادته حركات مسلحة احتجاجية قوامها مجموعات إثنية أفريقية ترفع شعارات ترفض التهميش، اتخذت من سفوح ووديان وصحاري دارفور قواعد لمهاجمة الحكومة وسلطاتها الولائية في الإقليم حتى تمكنت نيران تلك الحركات من اجتياح مطار الفاشر (كبرى مدن دارفور)، كان ذلك في العام 2003.
لم تجد الحكومة -التي كان يقودها الرئيس المعزول عمر البشير– مخرجا لمجاراة الحركات المسلحة الدارفورية التي تتخذ أسلوبا هجوميا يقوم على السرعة والمناورة والمباغتة غير اتباع ذلك الأسلوب، ولكن ليس عن طريق قوات الجيش التي لديها تقاليد صارمة تقيد حركاتها وتعتمد على تكتيكات عسكرية قديمة، لذا شرعت وزارة الدفاع السودانية في تكوين مليشيات مساندة لقتال التمرد في دارفور الذي كان يتمدد يوما بعد يوم.
هنا برز اسم موسى هلال عبدالله المولود في العام 1961م في أحد مقرات البادية بشمال دارفور، يتكئ على رصيد اجتماعي وافر ورأسمال بشري ضخم يطاوعه في حركته وسكونه، فهو وريث والده في العمودية والحكم الأهلي.
أسس هلال بإشراف السلطة المركزية في الخرطوم مليشيات حرس الحدود التي كان قوامها شباب القبائل العربية في إقليم دارفور، سلحتها الحكومة المركزية بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وساندتها استخباراتيا في قتالها ضد الحركات المتمردة الدارفورية، وكانت قوات حرس الحدود تتخذ من الدواب -خاصة الإبل والجياد- وسيلة للتحرك وتوجيه ضربات خاطفة لمواقع التمرد، ولعبت قوات حرس الحدود -التي كان يتزعمها موسى هلال- دورا بارزا في ضرب التمرد وإزالة خطره من مدن دارفور الكبرى وملاحقته في صحاري دارفور.
مشاركته الواسعة في قمع الحركات الدارفورية المتمردة على السلطات المركزية السودانية وضعت هلال تحت طائلة العقوبات الدولية لجهة تزعمه مليشيا قوات الحدود -المعروفة اصطلاحا في الأوساط السودانية بالجنجويد- حيث اتهمته منظمات حقوقية دولية في العام 2004 بارتكاب جرائم حرب برفقة عدد من قادة الجيش السوداني في ذلك الوقت.
كما أصدر مجلس الأمن الدولي عقوبات بحقه شملت فرض قيود على السفر وتجميد حساباته البنكية، بيد أن هلال لم يأبه لتلك العقوبات وظل مساندا للحكومة المركزية حتى العام 2015 وهو العام الذي شهد خلافات بين هلال وسلطات المركز في الخرطوم دفعته لمغادرة العاصمة التي كان يعمل بها مستشارا بديوان الحكم الاتحادي بعد سنوات من القتال في دارفور.
ساءت علاقة هلال مع المركز في الخرطوم التى غادرها لواذا إلى بلدة مستريحة في أقاصي شمال دارفور، بعدها ارتدى هلال بزته العسكرية مرسلا انتقادات واسعة من مقر إقامته طالت ساعتها حسبو محمد عبد الرحمن نائب البشير، ظل هلال في بلدة مستريحة مغاضبا رغم رجاءات المركز ووساطته التي قادها مساعد البشير دكتور إبراهيم غندور، بيد أنها لم تحرك ساكنا في علاقة هلال والمركز حتى انتهى به الأمر مخفورا بواسطة قوات الدعم السريع وإيداعه المعتقل عام 2017.
في ذلك العام كانت الخلافات بين موسى هلال والحكومة المركزية في الخرطوم بلغت ذروتها، أطلق هلال تصريحات نارية طالت عددا من قادة حزب المؤتمر الوطني الحاكم في الخرطوم، وطالت قوات الدعم السريع وقائدها محمد حمدان حميدتي.
ورفض هلال الانصياع لقرارات الحكومة المركزية التي نصت على جمع السلاح من كل الفصائل المسلحة في إقليم دارفور، كما رفض قرار دمج قوات حرس الحدود في صفوف الدعم السريع. ولقد بلغت المعارك الكلامية بين هلال والمركز -لا سيما الدعم السريع- أوجها في أعقاب مقتل العقيد بقوات الدعم السريع عبد الرحيم جمعة في بلدة غراء الزوايا بشمال دارفور.
بعدها أطلق الدعم السريع عملية عسكرية توغلت قواته والاستخبارات العسكرية بالجيش داخل معقل هلال في مستريحة اعتقل هلال وأرسل على متن طائرة حربية نقلته من الفاشر إلى مطار الخرطوم ثم الى سجن كوبر المركزي ،بقى هلال بالسجن منذ 2017 وحتى العام 2021م حيث خرج عبر عفو من رئيس مجلس السيادة الحالي عبدالفتاح البرهان
خرج هلال قبل عامين من اندلاع الحرب في الخرطوم إلى مستريحة مستعصما بها، لم يتوانَ هلال في إعلان تأييده للجيش السوداني باعتباره حليفا سابقا، كما أن ثاراته مع حميدتي جعلته يقف مساندا للجيش من عمق دارفور رافعا سلاحا وصوته في وجه الدعم السريع وظل طوال ثلاثة أعوام يجاهر بمعارضته لقوات الدعم السريع التي تسيطر على إقليم دارفور بشكل شبه كامل ويعلن على الملأ أنه مع شرعية مؤسسات الدولة السودانية ضمنها الجيش.
ضاق صدر الدعم السريع بوجود رجل لديه رصيد اجتماعي وافر في دارفور وسلاح وعشيرة ويوالي الجيش، ويوم الاثنين أمطر الدعم السريع بادية مستريحة -حسب مصادر تحدثت للجزيرة نت- بوابل من المسيرات الانقضاضية التي هاجمت مقر إقامة موسى هلال في خطوة جادة للتخلص منه وطي صفحته أبديا، بيد أن إجراءات تأمينية دقيقة أنقذته من ضربات مسيرات الدعم السريع بحسب مصدر مقرب من هلال.
امتدادات إقليمية
لموسى هلال امتدادات إقليمية لا يمكن إغفالها، فهو صهر الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي اتنو الذي تزوج إحدى كريمات موسى هلال في وقت مضى.
لقبيلة المحاميد العربية في دارفور امتداد واسعة في المحيط الإقليمي سيما في تشاد والنيجر وليبيا وهي نفس القبيلة التي ينحدر منها الرئيس النيجري المعزول محمد بازوم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة