دمشق- شكّل بسط سيطرة الجيش السوري على مدينة الطبقة في ريف الرقة، بما فيها سد الفرات، وعلى سد تشرين شمال شرقي حلب، تحولا ميدانيا واقتصاديا مهما نظرا للدور الإستراتيجي الذي تمثله هذه المنشآت في قطاعات الطاقة والمياه والزراعة، وانعكاسها المباشر على اقتصاد البلاد.
وجاء هذا التطور بعد انسحاب قوات سوريا الديمقراطية (قسد) من مساحات واسعة غربي نهر الفرات، بالتوازي مع تصريحات رسمية عن بدء تأمين المنشآت الحيوية والشروع في إعادة تشغيلها تدريجيا. وأظهرت التقييمات الأولية للحالة الفنية أن الأضرار في السدود محدودة نسبيا، مع وجود خطط حكومية لرفع الجاهزية التشغيلية.
وتُعد السدود من أهم الموارد السيادية في سوريا، وعلى رأسها الفرات أكبر سد في البلاد، الذي يضم محطة كهرومائية رئيسية، إلى جانب بحيرة الأسد، أكبر خزان مائي صناعي، وتلعب دورا محوريا في ري مساحات زراعية واسعة وتأمين جزء من احتياجات الكهرباء.
وأعلنت وزارة الطاقة أن فرقها الفنية أجرت تقييما أوليا للحالة التشغيلية، وتبيّن أن سدي الفرات والمنصورة بحالة فنية جيدة نسبيا، مع تسجيل أضرار ناتجة عن سنوات الحرب والزلزال الذي ضرب البلاد عام 2023، في حين يعاني سد تشرين أضرارا محدودة نتيجة الإهمال وتراجع الصيانة الدورية.
في هذا السياق، أوضح محمد همام، مسؤول حكومي في سد الفرات، للجزيرة نت أن الوزارة وضعت خطة شاملة لإعادة تأهيل السدود الثلاثة، تُنفّذ على 3 مراحل متتالية، تبدأ بالسلامة الإنشائية، ثم الصيانة المتوسطة، وصولا إلى برامج الصيانة بعيدة المدى.
وأضاف أن الخطة تهدف إلى رفع الجاهزية التشغيلية من 40% و50% حاليا إلى أكثر من 90%، بالاعتماد على كوادر وطنية وخبرات محلية، مع تخصيص موازنات من صندوق إعادة الإعمار تُقدّر بمئات ملايين الدولارات، ودراسة إشراك شركات أجنبية في أعمال الصيانة المتقدمة.
وأشار همام إلى أن سد تشرين يعد منشأة محورية في منظومة توليد الكهرباء وتنظيم منسوب مياه نهر الفرات شمال البلاد، وقد أعيد ربطه مؤخرا بالشبكة الكهربائية الوطنية بعد توقف دام قرابة عام، ما يتيح إنتاج الكهرباء وفق برامج فنية معتمدة، مع توقعات بارتفاع القدرة الإنتاجية إلى نحو 250 ميغاواط بعد استكمال إزالة الألغام وأعمال التأهيل الأولي.
وأوضح أن القدرة التصميمية للمحطة كانت تصل إلى نحو 1065 ميغاواط، لكن الواقع الحالي يقتصر على تشغيل وحدتين فقط بقدرة تقارب 400 ميغاواط، في حين تنتظر الوحدات المتبقية أعمال صيانة متوقفة منذ أكثر من عامين، متوقعا أن تسهم إعادة التأهيل في رفع الإنتاج وتقليل الاعتماد على الوقود.
من الناحية الفنية، بين المهندس محمد الحمودي، العامل في قطاع الطاقة، أن سد الفرات صُمم بمحطة كهرومائية تبلغ قدرتها القصوى النظرية نحو 880 ميغاواط، موزعة على 8 توربينات، بيد أن القدرة الفعلية للإنتاج تبقى أقل بسبب عوامل تتعلق بالصيانة وتوفر المياه، مشيرا إلى أن وزارة الطاقة تعتمد حاليا على دعم فني مرحلي بانتظار استكمال التمويل اللازم.
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي أسامة العبد الله أن السدود الواقعة شرق سوريا يمكن أن تنتج ما بين 800 و1200 ميغاواط في حال إعادة تأهيلها وتشغيلها بكفاءة متوسطة، معتبرا أن الاعتماد على الطاقة الكهرومائية قد يوفر على الحكومة ما بين 300 و500 مليون دولار سنويا من كلفة الوقود الأحفوري، إضافة إلى تخفيف الضغط على الشبكة الكهربائية.
وأشار العبد الله إلى أن التحدي الأكبر يتمثل في عدم انتظام التدفقات المائية نتيجة التغيرات المناخية وتراجع الواردات العابرة للحدود، مما يجعل التشغيل موسميا ومتقطعا ما لم تدر الموارد المائية بشكل متكامل.
من جانبه، أكد الباحث في الاقتصاد السياسي يحيى السيد عمر أن سدود الفرات وتشرين والمنصورة تعد من أبرز المنشآت الوطنية لإنتاج الطاقة وإدارة الموارد المائية، موضحا أن قدرتها التصميمية الإجمالية تبلغ نحو 1620 ميغاواط، في حين لا يتجاوز الإنتاج الفعلي الحالي 80 إلى 150 ميغاواط بسبب محدودية المياه والتحديات التشغيلية.
وأضاف أن السدود، رغم انخفاض إنتاجها، تبقى أقل كلفة من المحطات الحرارية، وتسهم في تلبية جزء من الطلب المحلي على الكهرباء، وتخفيف العبء المالي عن الدولة، فضلا عن دورها الحيوي في تخزين المياه وضمان الري ومياه الشرب.
ويتطلب تحسين أداء السدود -وفق الباحث عمر- صيانة التوربينات، ورفع كفاءة التشغيل، وتعزيز التنسيق بين قطاعي الطاقة والمياه، معتبرا أن الاستخدام الأمثل لهذه المنشآت يشكّل ركيزة أساسية لدعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي في شرق سوريا.
يشار إلى أن وزارة الطاقة أعلنت عن إصابة أحد عمال وحدة العمليات التشغيلية في سد تشرين، جراء انفجار لغم من مخلفات "قسد" في محيطه، حيث وقع الحادث في أثناء تنفيذ المصاب رفقة فريق العمل مهامهم في إصلاح الأعطال الكهربائية القائمة في الموقع.
وفككت كتائب الهندسة عددا كبيرا من الألغام الفردية والثقيلة التي زرعتها هذه القوات على أطراف جسر "قرة قوزاق" في ريف حلب الشرقي. وأعلنت مديرية إعلام حلب يوم 27 يناير/كانون الثاني الماضي عن مقتل 5 مدنيين على الأقل جراء انفجار ألغام زرعتها "قسد" في محيط سد تشرين والجسر.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة