تتفاقم في قطاع غزة أزمة بيئية غير مسبوقة، وصفتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" بأنها "إبادة صامتة"، مع تراكم ملايين الأطنان من النفايات الخطرة ومخلّفات الحرب داخل الأحياء السكنية ومحيط مخيمات النزوح، وسط عجز شبه كامل عن جمعها أو معالجتها، بفعل الحصار، واستمرار القيود الإسرائيلية، وتدمير البنية التحتية، وشح الإمكانات والوقود.
وتشير تقديرات محلية وأممية إلى وجود نحو خمسة ملايين طن من النفايات الخطرة في مختلف مناطق القطاع، تشمل نفايات طبية ومواد كيميائية وبقايا وقود وذخائر غير منفجرة، إلى جانب ما يقارب 70 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المنازل والمنشآت منذ اندلاع الحرب في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.
بحسب خبراء بيئيين واتحاد بلديات قطاع غزة، ينتج القطاع يوميًا أكثر من 1300 طن من النفايات الصلبة منذ بدء الحرب، تُجمّع حاليًا في مواقع عشوائية ومكبّات طارئة أُنشئت داخل المدن وعلى مقربة من تجمّعات النازحين، دون أي عمليات فرز أو معالجة أو دفن صحي.
ويعود ذلك إلى خروج المكبّات الرئيسية عن الخدمة، وعلى رأسها مكبّ جحر الديك شرق مدينة غزة، ومكبّ صوفا شرق بلدة الفخاري جنوب القطاع، بسبب وقوعها في مناطق عسكرية مغلقة، ومنع طواقم البلديات من الوصول إليها، إلى جانب تدمير عدد كبير من آليات الجمع والترحيل، واستمرار النقص الحاد في الوقود .
ووفق اتحاد البلديات، فقد أدى هذا الواقع إلى تراكم مئات آلاف الأطنان من النفايات في الشوارع والأحياء، موزّعة على مكبّات عشوائية تفتقر لأبسط الشروط الصحية والبيئية.
في مدينة غزة، تتخذ الأزمة أبعادًا أكثر حدة. إذ حذّر المتحدث باسم بلدية غزة، حسني مهنا، من " كارثة صحية وبيئية غير مسبوقة" تواجهها المدينة، نتيجة تراكم أكثر من 260 ألف طن من النفايات في الشوارع والمكبات المؤقتة.
وأوضح مهنا أن البلدية تواجه صعوبة بالغة في جمع ونقل النفايات، بسبب منع الجيش الإسرائيلي وصول طواقمها إلى مكبّ جحر الديك شرقي المدينة، هذا إلى جانب عدم توفر الآليات اللازمة، بعد تدمير نحو 85% من مركبات البلدية وآلياتها.
وقال: "بعض الشوارع تحولت إلى مكبات مفتوحة وعشوائية، وتنتشر الروائح الكريهة في الأحياء السكنية، خاصة تلك المكتظة بالنازحين، ما يشكل تهديدًا مباشرًا لحياة المواطنين واحتمالًا حقيقيًا لانتشار الأوبئة والأمراض المعدية".
وأضاف أن تراكم النفايات أدى إلى انتشار واسع للحشرات والقوارض، محذرًا من تحلّلها في فصل الصيف وتسرّب عصارتها السامة إلى باطن الأرض، ما يهدد بتلوث المياه الجوفية، المصدر شبه الوحيد للمياه في المدينة.
ويتابع محمد: "لا نستطيع اللعب خارجًا، والهواء خانق، وأحيانًا نحرق القمامة لأن الرائحة لا تُحتمل".
لا تقتصر الأزمة على النفايات المنزلية، بل تمتد إلى مخلفات حرب شديدة الخطورة، تشمل بقايا ذخائر غير منفجرة، ونفايات طبية، ومواد كيميائية، وبطاريات، وبقايا وقود، تنتشر داخل الأحياء السكنية وعلى مقربة من الخيام.
ويحذر الخبير البيئي سعيد العكلوك من أن هذه المخلفات تمثل أحد أخطر التحديات البيئية في غزة، موضحًا أنها تتطلب آليات خاصة في الجمع والمعالجة، بعكس النفايات العادية. ويبيّن أن تأثيرها ينقسم إلى شقين: كيميائي يؤدي إلى تلوث التربة والمياه بتأثيرات تراكمية، وبيولوجي مرتبط بالنفايات الطبية التي قد تنقل أمراضًا معدية في ظل انهيار المنظومة الصحية.
من جانبه، يؤكد طبيب الصحة العامة محمد مناع أن التعرض المستمر للنفايات والركام والمياه العادمة أسهم في ارتفاع ملحوظ في الأمراض الجلدية والتهابات العيون والإسهالات الحادة وحالات التسمم، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن.
ويحذر من أن الركام والغبار المتطاير يحتويان على معادن ثقيلة وبقايا متفجرات، قد ترفع على المدى البعيد مخاطر السرطان والتشوهات الخَلقية، في وقت يعمل فيه النظام الصحي بإمكانات محدودة تركز على الاستجابة الطارئة.
يؤكد نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة علاء الدين البطة أن البلديات تعمل في ظروف "شبه مستحيلة"، بعد تدمير آلاف الحاويات ومعظم آليات الجمع، ونقص معدات الوقاية للطواقم، واستمرار القيود الأمنية ومنع الوصول إلى المكبات الرئيسية.
ويشير إلى أن تدمير محطة معالجة النفايات الطبية في خان يونس أدى إلى اختلاط هذه النفايات بالنفايات المنزلية، ومعالجتها بطرق بدائية، ما يهدد الطواقم والسكان على حد سواء.
ورغم دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في تشرين الأول/أكتوبر 2025، لا تزال القيود المفروضة تعرقل إدخال المعدات الثقيلة والوقود، وتمنع الوصول الآمن إلى المكبات الرئيسية، ما يبقي الأزمة البيئية والصحية في غزة مفتوحة على سيناريوهات أكثر خطورة.
وبين الركام والنفايات والخيام، تتحول البيئة في قطاع غزة إلى عامل تهديد يومي، لا يطال الحاضر فقط، بل يضع مستقبل الأجيال القادمة أمام اختبار قاسٍ، في واحدة من أعقد الأزمات البيئية التي يشهدها القطاع منذ عقود.
المصدر:
يورو نيوز
مصدر الصورة