آخر الأخبار

محللون يكشفون دور تركيا في حماية أمن البحر الأسود

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

أنقرة- في أعقاب اجتماع دولي استضافته باريس الأسبوع الماضي، بدأت تتبلور معالم دور تركي محتمل في ترتيبات ما بعد الحرب الروسية الأوكرانية، ولا سيما في ما يتصل بمراقبة وقف إطلاق النار وضمان أمن الملاحة في البحر الأسود.

الاجتماع، الذي عقد في إطار قمة لقادة "ائتلاف المتطوعين" بمشاركة تركيا، خُصص لبحث الضمانات الأمنية التي يمكن توفيرها لكييف في مرحلة ما بعد الصراع، وسط مؤشرات على توافق أولي بشأن إسناد مهام بحرية لأنقرة.

وفي تصريحات أعقبت القمة، أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن الحفاظ على أمن البحر الأسود يمثل أولوية إستراتيجية لبلاده، معتبرا أن اضطلاع أنقرة بهذه المسؤولية يُعد أمرا طبيعيا كونها الدولة العضوة في حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تمتلك أكبر قوة بحرية في هذا الحوض.

مشاركة مشروطة

وأشار فيدان إلى إحراز تقدم في النقاشات المتعلقة بهذا الدور، واصفا لقاء باريس بأنه محطة مهمة في مسار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، ومضيفا أن فرص التوصل إلى سلام دائم باتت أقرب مقارنة بالسنوات الماضية.

وشدد على أن القوات المسلحة التركية، بتوجيه من الرئيس رجب طيب أردوغان، أبدت منذ بداية الأزمة استعدادها لتحمل مسؤولية "المكون البحري" ضمن ترتيبات أمنية قد تعتمد في البحر الأسود في حال التوصل إلى اتفاق سلام، مؤكدا جاهزية تركيا للاضطلاع بهذا الدور عند تحقيق السلام، بما يضمن أمن الملاحة والاستقرار الإقليمي.

في المقابل، أكدت أنقرة رسميا أنها لا تضع في حساباتها، بالمرحلة الراهنة، نشر قوات برية على الأراضي الأوكرانية.

وجددت وزارة الدفاع التركية نفيها للتقارير التي تحدثت عن احتمال مشاركة قوات تركية في مهام حفظ سلام داخل أوكرانيا، معتبرة أن هذه الطروحات لا تستند إلى معطيات واقعية في الوقت الحالي.

وأوضحت، في بيان، أن أنقرة تدعم جميع المبادرات الرامية إلى إنهاء الحرب، وتبدي استعدادها للإسهام في أي جهد دولي يهدف إلى التوصل لوقف دائم لإطلاق النار، دون أن يعني ذلك الانخراط العسكري المباشر على الأرض.

إعلان

كما شددت على أن أي بحث في إرسال قوات تركية لا يمكن أن يتم إلا بعد تثبيت هدنة فعلية متفق عليها، وفي إطار بعثة حفظ سلام واضحة المعالم، تحدد فيها بدقة مهام كل دولة مشاركة ونطاق عملها.

وأعلنت أن أنقرة تشارك بدور قيادي في أعمال التخطيط العسكري الرامية إلى ضمان الأمن والاستقرار في البحر الأسود، وتأمين سلامة الملاحة البحرية في مرحلة ما بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في أوكرانيا.

مسؤولية إقليمية

وأكدت وزارة الدفاع التركية أن أنقرة تتحرك انطلاقا من مبدأ "المسؤولية الإقليمية" تجاه أمن البحر الأسود، مشددة على التزامها الكامل بتطبيق اتفاقية "مونترو" الخاصة بنظام المضائق بصورة "حريصة ومسؤولة ومحايدة"، ودون أي تساهل، بما يضمن الحفاظ على التوازن القائم في المنطقة.

وأوضحت أن هذه الاتفاقية الموقعة عام 1936 تشكل الإطار القانوني الناظم لعبور السفن الحربية عبر المضائق التركية نحو البحر الأسود، وهو ما يضع على عاتق أنقرة مسؤولية مركزية في ضبط حركة القطع البحرية ومنع أي خطوات قد تؤدي إلى تصعيد عسكري.

يرى الأكاديمي السياسي محمد يوجا أن قدرة تركيا على لعب دور الضامن لأمن البحر الأسود ترتبط أساسا بنهجها القائم على الدبلوماسية التوازنية والمكانة الإستراتيجية الخاصة التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

وأوضح أن أنقرة، عبر تطبيقها الصارم لاتفاقية مونترو، تجنبت تحويل هذا البحر إلى ساحة لاستعراض القوة، ما مكّنها من تفادي مواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، وفي الوقت نفسه من الحفاظ على صورتها داخل الناتو بوصفها فاعلا مستقرا لا عنصر تصعيد.

وأضاف يوجا للجزيرة نت أن المقاربة التركية لأمن البحر الأسود لا تقوم على الردع العسكري التقليدي أو الحشود، بل على القانون الدولي وأمن الملاحة وإدارة الأزمات وقنوات التواصل، وهو ما يجعل دور الضامن عمليا وقابلا للتطبيق، ويحد من احتمال تفسير موسكو على أنه سياسة تطويق أو احتواء.

ووفقا له، فإن طبيعة العلاقات التركية الروسية، القائمة على مزيج من التنافس والتعاون، ولا سيما في ملفات مثل الطاقة والتجارة والدبلوماسية، توفر أرضية إضافية لهذا الدور، إذ تتيح لأنقرة الحفاظ على قدر من التوقع والاستقرار رغم الخلافات.

صيغة محتملة

وأشار الأكاديمي السياسي يوجا إلى أن خبرة تركيا في إدارة أدوار مركبة خارج محيطها المباشر، وخاصة في أفريقيا، أظهرت قدرتها على الجمع بين البعد الأمني والاقتصادي والدبلوماسي دون تحويل التزاماتها إلى أعباء منفردة.

وخلص إلى أن هذه المقاربة متعددة الأبعاد تجعل أنقرة من بين الدول القليلة القادرة على تحمل مسؤولية ضمان أمن البحر الأسود من دون الانزلاق إلى صدام مع روسيا أو تحمّل عبء إضافي داخل الناتو، عبر إستراتيجية مرنة تقوم على التوازن لا الاستقطاب.

من جانبه، يرى المحلل السياسي مراد تورال أن النموذج المطروح لأمن البحر الأسود يبدو أقرب إلى بداية ترتيب إقليمي قابل للبناء، منه إلى صيغة عابرة، لكنه يظل مشروطا بجملة عوامل قد تجعله مؤقتا إذا اختلت.

وأوضح للجزيرة نت أن الطبيعة الجغرافية والمؤسسية لهذا البحر، بوصفه فضاء شبه مغلق تدار توازناته تاريخيا عبر الدول المطلة، إلى جانب الإطار القانوني الذي توفره اتفاقية مونترو، تجعل من الطبيعي أن تقوم أي ترتيبات أمنية على قيادة دولة مطلة، وفي مقدمتها تركيا.

إعلان

وحسب تورال، تمتلك أنقرة أدوات تنفيذية لا تتوافر لغيرها، تشمل ثقلا بحريا، وسيطرة على المضائق، وخبرة في إدارة التوازن بين روسيا والغرب، وهي عناصر تتجاوز ظرف الحرب الراهنة. وحذر من أن هشاشة أي اتفاق سلام قد تحوّل هذا الدور إلى مجرد إدارة أزمة قابلة للانهيار.

وقال إن النموذج يمكن أن يتحول إلى صيغة مستدامة لأمن إقليمي إذا اقتصر الدور التركي على مهام بحرية وإجرائية، أما إذا اكتسب طابعا ردعيا مباشرا أو ارتبط بحضور أطلسي واسع، فسيظل ترتيبا مؤقتا تحكمه تقلبات الحرب.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا