نابلس- على جدار غرفة صفيّة في مدرسة قرية جالود المختلطة كُتبت عبارة "حافظ على جمال المكان كما تحب أن تراه"، لكنّ المستوطنين المتطرفين الذين تسللوا -ليل الجمعة- أحرقوا المكان وعبثوا بجمال المشهد، بعد قطع سياج المدرسة واقتحامها، في حين تحوّلت الغرفة الصفية إلى مكعب أسود، وتحطمت نوافذها بفعل الحريق.
وتظهر مشاهد نشرت على مواقع التواصل وثّقها أهالي جالود محاولتهم لإخماد الحريق في الغرفة التي كانت مخصصة للأنشطة الرياضية واللعب، قبل تحويلها إلى وحدة للصف الرابع الأساسي بسبب نقص الصفوف في المدرسة.
ويقول عبد الرحمن منصور نائب مدير المدرسة إن حادثة إحراق المدرسة الليلة لم تكن الأولى، فقد أحرق المستوطنون قبل 10 سنوات 5 مركبات للمعلمين في أثناء وجودها في الساحة الداخلية، خلال اليوم الدراسي، كما هاجموا المدرسة وحاولوا اقتحامها قبل عامين، مما تسبب في حالة خوف وهلع لدى التلاميذ.
وأكد منصور -للجزيرة نت- أن إشعال الحريق في وقت متأخر من الليل حال دون وقوع كارثة، مضيفا أن المستوطنين خطوا شعارات عنصرية على جدار المدرسة المقابل للغرفة التي تم حرقها.
وتحدّث الأستاذ في مدرسة جالود، أنس شاهين، عن مخاوف الكادر التعليمي والطلاب المستمرة من هجوم المستوطنين، قائلا "في كثير من الأيام، أضطر لإيقاف مركبتي خارج أسوار المدرسة، وأحيانا في منتصف القرية، خوفا من حرق المستوطنين لها، وحتى الطلاب يفتقدون الأمان داخل أسوار المدرسة، المفترض أنها محمية -عرفا وقانونا- من كافة المؤسسات الدولية".
وأضاف أن إدارة المدرسة قررت إضافة سياج حديدي على السور الخارجي لها، منعا لتسلق المستوطنين ودخولهم إلى ساحتها.
ولا تتوقف الاعتداءات على المدرسة وحدها، بل تشهد قرية جالود (نحو 850 نسمة) استفزازات مستمرة من المستوطنين الجاثمين في قرابة 10 تجمعات استيطانية تحيط بها وبالقرى المجاورة.
وحول هجماتهم المستفزة والمستمرة، يقول رئيس المجلس القروي في جالود، رائد الحج محمد، إنه "قبل 3 أشهر حاول المستوطنون إحراق منزل قريب من المدرسة، وتمكنّوا فعلا من إشعار النار في أطرافه، لكن أصحابه لاحظوا الحريق من بدايته وأخمدوه".
ويضيف أن "الاحتلال اقتطع قرابة 17 ألف دونم من أراضي القرية منذ العام 75 وحتى اليوم، حيث بدأ بإقامة معسكر ل لجيش الإسرائيلي، بينما يحيط بالقرية بشكل أساسي مستوطنات شيلو وشفوت راحيل وعامي حاي وإحيا".
وحسب المسؤول الحج محمد، فإن قطاعات الصناعة وتربية المواشي انتهت في جالود بسبب مصادرة أراضيها، وبناء المستوطنات حولها، في حين هاجر كثير من أبنائها إلى خارج الوطن للبحث عن العمل.
ويؤكد الحج محمد أن أهالي القرية سمعوا مستوطنا يتحدث مع آخرين من مجموعته ويقول إن أراضي القرية واسعة وعدد سكانها قليل، لذا علينا تقاسمها فيما بيننا، مضيفا أن منازل القرية تعرّضت لـ8 محاولات حرق خلال السنتين الماضيتين.
وبالتزامن مع الحدث في جالود، كانت قرية بزاريا شمال غرب نابلس تشهد هجوما للمستوطنين الذين أحرقوا 5 مركبات فيها، وكتبوا شعارات تحريضية وعنصرية على جدران المنازل.
وقال محافظ نابلس غسان دغلس -في تصريح صحفي تناقلته مواقع التواصل- "سنعيد إعمار ما حرقه المستوطنون في مدرسة جالود الثانوية المختلطة لضمان استمرار العملية التعليمية".
في حين أدانت مديرية التربية والتعليم الاعتداء في بيان لها، وقالت عبر مديرها العام بسام الجمل إن هجوم المستوطنين استهداف مباشر للعملية التعليمية وحق الطلبة في التعليم الآمن.
وطالبت المديرية المؤسسات الحقوقية والدولية بالتدخل ووضع حد لاعتداءات المستوطنين المتكررة ضد المدارس.
من جهته، قال المحلل السياسي سليمان بشارات إن تكرار عمليات الحرق التي ينتهجها المستوطنون تندرج تحت العقلية الأيديولوجية اليهودية المتطرفة، التي تعتبر أن الحرق انتصار على الفلسطينيين خاصة مع مشاركة المتدينين والمتطرفين في مثل هذه الاعتداءات، وهو ما يثبت أن هذه السياسة ليست فردية.
وأكد بشارات أن هذه المنهجية ليست جديدة، إذ بدأت مع إحراق المسجد الأقصى عام 1969، تلاها إحراق الطفل محمد أبو خضير في القدس ثم عائلة دوابشة بقرية دوما جنوب نابلس، وإحراق عدد من المساجد في بلدات وقرى الضفة الغربية.
وحسبه، فإن البعد الثاني لسياسة الحرق المتبعة هو محاولة إظهار القوة والهيمنة والسيطرة بهدف إحلال حالة الخوف في نفوس المواطن الفلسطيني. وأوضح أن المستوطن يعمد إلى الحرق لزرع الخوف والدفع نحو التهجير والطرد.
في حين أن البعد الثالث هو محو الهوية الفلسطينية تماما، سواء أكانت تاريخية أم وجودية أم جغرافية، يتابع بشارات.
ووفق تقرير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان (رسمية)، فإن اعتداءات المستوطنين أدت إلى اندلاع ما مجموعه 434 حريقا، منها 307 حرائق في ممتلكات المواطنين و127 في الحقول والأراضي الزراعية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة