هذا المقال بقلم سامية عايش، صحفية مستقلة تكتب عن السينما العربية، والآراء الواردة أدناه تعبر عن رأي الكاتبة ولا تعكس بالضرورة وجهة نظر شبكة CNN.
يا لخيبة الأمل.. هذا كل ما فكرت فيه بعد مشاهدتي الحلقة الأخيرة من مسلسل "بنج كلي" ، الذي تناول من خلال قصته حياة مجموعة من الأطباء والممرضين في المستشفى. كان لدي أمل كبير بأن هذا العمل سيسرد جانباً إنسانياً، برأيي الشخصي، فشلت مسلسلات طبية سابقاً في سردها، ولكنه للأسف وبسبب بعض الأخطاء والهفوات، لم يتمكن من القيام بذلك.
لن أتحدث عن هذه الأخطاء، فكثيرون قبلي، ما بين نقاد وأطباء وممرضين، تحدثوا عنها، فقررت الحديث عن الجوانب الإيجابية التي أعتقد أنه لو تم الاستثمار فيها بشكل أفضل، كان يمكن للمسلسل أن يخرج بصورة أحسن بكثير، ويقدم 15 حلقة متميزة يظهر فيها نجوم كانوا هم الإضاءة الأفضل في العمل.
هذه السطور قد تحتوي على تفاصيل تكشف عن النهاية. إن لم تشاهد المسلسل، يمكنك قراءة المقال بعد مشاهدته.
أولاً: بعد دخول دعاء المستشفى، ظهرت مؤشرات أن هذه البيئة ذكورية، وأن الأطباء الرجال هم من يمتلكون السلطة الكاملة لاتخاذ القرارات المناسبة لهم، ويهمشون دور الطبيبات والممرضات فيه. رأينا ذلك من خلال كثرة عدد الأطباء الرجال في المستشفى مقارنة بالسيدات، والرسائل "الذكورية" التي كانوا يتبادلونها بين بعضهم البعض، والخطاب الذي اعتمدوه في بداية المسلسل، الذي بدا من الواضح أنه لا يحبذ وجود النساء. كان من الممكن اللعب على هذه النقطة بشكل يكشف عن مثل هذه السلوكيات الذكورية بصورة أعمق، وكيف يتم التعامل معها داخل المستشفيات، والطريقة التي تتعامل بها النساء معها.
ثانياً: كان يمكن لعلاقات الحب في المسلسل أن تكون واجهة أفضل للقصة بصورة عامة، وكان من الممكن الاكتفاء بقصة واحدة تلمع بين كل القصص. لكن ما تم تقديمه هو عدة قصص، متشابهة في تفاصيلها لتشابه شخوصها، بعضها كان العائق في نجاح قصة الحب هي أسباب غير مفهومة (مثل قصة هيمن وأمنية)، وفي الوقت نفسه، كان يجب انتظار الحلقة الأخيرة حتى نحتفي بنجاح جميع القصص مرة واحدة. برأيي، المشهد الأفضل بين جميع قصص الحب التي رأيناها في المسلسل كانت اعتراف "عزازي" لـ "دعاء" بحبه. والسبب في ذلك ربما يعود للقسوة التي تبناها في تعامله معها، والملامح القاسية أيضا للنجم دياب، الذي أبدع في تقديم هذا الدور. وهو من النجوم الذين حصرهم المخرجون في أدوار محددة، كما ظهر في مسلسلات مثل "قلبي ومفتاحه" و "تحت الوصاية"، لذا كان من الجيد مشاهدته يؤدي دور الطبيب، وهو دور مختلف في شكله عن أدوار كثيرة قدمها سابقاً.
ثالثاً: قصص المرضى في المستشفى كانت ضعيفة. لا أذكر أنني شعرت بالتعاطف مع أي من الحالات التي مرت، حتى "عم لطيف"، الرجل المسن الذي ظهر في أكثر من حلقة، وتوفي نتيجة حادث سيارة في الحلقات الأخيرة، لم أشعر أبدا أن قصته كانت مكتوبة بطريقة تبث المشاعر المختلفة لدى المشاهد. عادة في مثل هذه المسلسلات، القصص الجانبية للمرضى لا يتوقع منها أن تلعب دورا كبيرا في تحفيز مشاعر الناس تجاهها، ولكن لها دور كبير بالتأكيد في تطور الشخصيات الرئيسية في المسلسل، وهذا أمر لم نجده في المسلسل.
رابعاً: في الأفلام والدراما بصورة عامة، هناك ما يعرف بـ "القصة الخلفية" أو Back story، وهي قصة الشخصية خارج إطار المكان الذي نراها فيه باستمرار. في "بنج كلي"، عرفنا القصة الكاملة لحياة دعاء وعزازي، ودخلنا في تفاصيل دقيقة بعضها لم يكن مهماً. لكن ماذا عن الشخصيات الأخرى، مثلاً شخصية الممرضة "ناديا"، التي قدمتها الممثلة السورية ناندا محمد، والتي كانت شخصية غنية لهذا النوع من القصص، لم نر من قصتها إلا ظهور قريبها المفاجئ الذي يطلب منها تزويده بالدواء، إلى جانب الشخصيات الأخرى مثل "هيمن" و"أمنية" و"الدكتور فؤاد" وغيرهم، ممن قدموا شخصيات لو تمت دراستها بشكل جيد كان يمكن أن تكون الحبكة في العمل أكثر وضوحاً.
خامساً وهي الأهم، القصص التي تجري أحداثها في المستشفيات برأيي ليست فقط مصممة لقصص الحب والنزاعات الإدارية، وإنما هي فرصة أيضاً لتسليط الضوء على واقع هذه المستشفيات بصورة عامة: الانتظار الطويل، التعامل غير الإنساني من بعض الأطباء، مهنة الطب التي تحولت إلى تجارة، المستلزمات غير المتوافرة، وغيرها من مشاكل أخرى.
برغم كل ما سبق، أرى أنا ما أنقذ العمل بالفعل هو الأداء التمثيلي الجيد للنجوم فيه. الجميع بلا استثناء قدم أداء جميلا يتناسب مع القصة المكتوبة والإخراج الفني، قد ينقصه التوجيه المهني لمهنتي الطب والتمريض، بحيث لا يقع هؤلاء النجوم في أخطاء انتقدها كثيرون وأظهرتهم بشكل غير مقنع في بعض الأحيان.
المصدر:
سي ان ان