لا شك في أن الهاتف الذكي والحاسوب المحمول أصبحا جزءا من البنية الأساسية للحياة الحديثة، من العمل والتعليم إلى التواصل والترفيه وإدارة الخدمات المالية والصحية، لكن وراء كل جيل جديد من الأجهزة قصة بيئية.
وبينما تتسابق الشركات لتقديم المعالجات الأسرع والكاميرات الأكثر تطورا والميزات الجديدة للذكاء الاصطناعي، تتراكم في الجانب الآخر ملايين الأجهزة التي لا يزال الجزء الأكبر منها يعمل، لكنها أصبحت في نظر السوق غير متوافقة مع أحدث البرمجيات والميزات.
ومع انتقال المزيد من وظائف الذكاء الاصطناعي إلى الأجهزة نفسها، بدأت قدرات المعالجة المحلية تبرز بصفتها مزايا الأجيال الجديدة من الهواتف والحواسيب، مما قد يؤدي إلى تسريع التقادم الوظيفي للأجهزة قبل انتهاء عمرها التقني.
على مدى سنوات، ارتبط قرار استبدال الهاتف أو الحاسوب بمجموعة من العوامل، مثل تراجع أداء البطارية أو تعطل الشاشة أو الرغبة في كاميرا أفضل أو الحاجة إلى أداء أعلى أو انتهاء الدعم البرمجي.
لكن الذكاء الاصطناعي أضاف عاملا جديدا إلى هذه المعادلة، حيث أصبحت الشركات تركز على قدرات المعالجة المحلية مع انتقال بعض وظائف الذكاء الاصطناعي من مراكز البيانات والسحابة إلى الأجهزة نفسها.
ومع تزايد تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي عبر الجهاز، أصبحت وحدات المعالجة العصبية مكونا مهما في بعض الأجيال الحديثة من الهواتف والحواسيب، إلى جانب وحدات المعالجة المركزية والرسومية.
ويعني هذا التغيير أن ملايين الأجهزة التي ما تزال تؤدي وظائفها التقليدية بكفاءة قد تستبعد من الاستفادة من الميزات الجديدة، مثل تلخيص النصوص وتوليد الصور والترجمة الفورية، لأنها لا تمتلك العتاد المطلوب.
وعلى سبيل المثال، حصرت شركة آبل كثيرا من مزايا آبل إنتليجنس على مجموعة محددة من الأجهزة، بينها آيفون 15 برو والأجهزة الأحدث المتوافقة، وأجهزة ماك وآيباد التي تستخدم شرائح آبل سيليكون.
بينما اشترطت مواطنتها مايكروسوفت لأجهزة كوبايلوت بلس بي سي مواصفات عتادية محددة، من بينها وحدة معالجة عصبية قادرة على تنفيذ أكثر من 40 تريليون عملية في الثانية للعديد من وظائف الذكاء الاصطناعي الجديدة.
ويثير هذا التغيير مخاوف من أن يؤدي ربط بعض ميزات الذكاء الاصطناعي بمتطلبات عتادية جديدة إلى تقصير العمر الوظيفي لبعض الأجهزة، حتى وإن كانت لا تزال قادرة على أداء مهامها التقليدية بكفاءة، ما قد يزيد الضغوط على المستهلكين من أجل استبدال الأجهزة بوتيرة أسرع.
يقدم مرصد النفايات الإلكترونية العالمي الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات ومعهد الأمم المتحدة للتدريب والبحث في عام 2024، الصورة الأكثر شمولا لحجم هذه الأزمة، حيث بلغ حجم النفايات الإلكترونية المنتجة عالميا عام 2022 نحو 62 مليون طن متري.
وتكفي هذه الكمية وحدها لملء أكثر من مليون ونصف المليون شاحنة ضخمة يمكن أن تشكل، لو اصطفت، خطا متواصلا يحيط بالكرة الأرضية عند خط الاستواء، كما تعادل في وزنها نحو 107 آلاف طائرة ركاب عملاقة، بحسب التقرير ذاته.
وتشمل هذه النفايات مجموعة واسعة من المنتجات، من الهواتف والحواسيب وأجهزة التلفاز إلى الأجهزة المنزلية والمعدات الكهربائية والإلكترونية المختلفة.
وتوقع التقرير أن يرتفع حجم النفايات الإلكترونية العالمية إلى نحو 82 مليون طن متري سنويا بحلول عام 2030، مدفوعا بالنمو السكاني والاقتصادي، وارتفاع الاستهلاك، وقصر دورات استبدال بعض المنتجات، إلى جانب محدودية عمليات الإصلاح وإعادة الاستخدام وإعادة التدوير.
وتنمو النفايات الإلكترونية عالميا بوتيرة أسرع بنحو خمسة أضعاف من نمو عمليات إعادة تدويرها رسميا، ما يعني أن الفجوة بين ما يستهلك وما يعاد تدويره تتسع عاما بعد عام، حيث ينتج العالم أجهزة إلكترونية أكثر ذكاء، لكنه لا يملك حتى الآن البنية التحتية الكافية للتعامل مع ما تتركه هذه الأجهزة خلفها.
وفي عام 2022، جرى جمع وإعادة تدوير نحو 22.3 في المئة فقط من النفايات الإلكترونية عالميا بطريقة موثقة، بينما انتهى الجزء الأكبر إلى مسارات أخرى، تاركة وراءها ما يقارب 62 مليار دولار من الموارد الطبيعية القابلة للاسترداد غير المستغلة، مثل النحاس والذهب والحديد وغيرها من المعادن.
وفي الوقت نفسه، قد تحتوي بعض المعدات الإلكترونية على مواد خطرة، مثل الرصاص والزئبق والكادميوم، ما يجعل التخلص منها بطريقة غير آمنة مصدرا محتملا للتلوث.
عندما يتخلص المستخدم من هاتفه أو حاسوبه، لا تنتهي حياة الجهاز بالضرورة، حيث قد ينتقل الجهاز أولا إلى سوق الأجهزة المستعملة، ومن ثم إلى الإصلاح أو إعادة التأهيل، وبعد ذلك قد يدخل في دورة جديدة من الاستخدام.
وإذا تعذر إصلاحه أو إعادة استخدامه، فإن من الممكن تفكيكه لاستعادة بعض مكوناته ومواده، لكن جزءا من الأجهزة الإلكترونية يدخل مسارات غير رسمية، وقد تعبر بعض المعدات الحدود الدولية تحت تصنيفات مرتبطة بإعادة الاستخدام أو التبرع أو إعادة التدوير.
وقد شكل التمييز بين الأجهزة المستعملة القابلة لإعادة الاستخدام وبين النفايات الإلكترونية أحد التحديات التي واجهت الجهود الدولية لتنظيم حركة هذه المواد عبر الحدود، حيث تسعى اتفاقية بازل الدولية إلى تنظيم نقل النفايات الخطرة عبر الحدود والتخلص منها.
لكن وجود القوانين لا يعني أن المشكلة انتهت، حيث لا تزال النفايات الإلكترونية تصل إلى شبكات إعادة التدوير غير الرسمية في بعض المناطق بهدف تفكيك الأجهزة يدويا أو حرق بعض مكوناتها لاستخراج المعادن الثمينة.
وقد وثقت شبكة العمل البيئي بيز أكشن نتورك عشرات الحالات لشحنات ضخمة من النفايات الإلكترونية المموهة كتبرعات أو سلع مستعملة، توجهت من موانئ أوروبية نحو غرب أفريقيا وجنوب وجنوب شرق آسيا.
ومن أبرز الحالات الموثقة في هذا السياق، تفكيك السلطات الإسبانية شبكة إجرامية منظمة كانت تهرب ملايين الكيلوغرامات من النفايات الإلكترونية عبر مئات الحاويات من جزر الكناري إلى غانا وموريتانيا ونيجيريا والسنغال، مستغلة وثائق جمركية مزورة لتصنيفها على أنها سلع مستعملة.
وفي أغبوغبلوشي في العاصمة الغانية أكرا، التي اشتهرت لسنوات بأنها واحدة من أبرز بؤر معالجة النفايات الإلكترونية غير الرسمية في العالم، كان يعمل آلاف العمال في ظروف خطيرة لتفكيك الأجهزة يدويا، حيث يحرقون الكابلات والأجزاء البلاستيكية لاستخراج النحاس والمعادن الأخرى.
وكانت هذه الممارسات تؤدي إلى انبعاث دخان أسود كثيف محمل بالمعادن الثقيلة، مثل الرصاص والكادميوم والكروم والزئبق، بالإضافة إلى المركبات الشديدة السمية، الأمر الذي يلوث الهواء والتربة والمياه المحيطة بالموقع.
وتشير دراسات علمية وأبحاث ميدانية إلى أن أنشطة إعادة تدوير النفايات الإلكترونية بطريقة غير رسمية قد تعرض العاملين والسكان القريبين من هذه المواقع لمزيج من الملوثات، بينها المعادن الثقيلة والمركبات السامة الناتجة عن الحرق غير المنضبط.
ولا تقتصر هذه المشاهد على غانا، إذ تنتشر أنشطة معالجة النفايات الإلكترونية غير الرسمية في مناطق أخرى من أفريقيا وآسيا.
آثار النفايات الإلكترونية لا تتوقف عند حدود التلوث البيئي، إنما تطال الأطفال والحوامل، حيث حذرت منظمة الصحة العالمية من تعرض ملايين الأطفال والنساء لمخاطر مرتبطة بالنفايات الإلكترونية، خصوصا في المناطق التي تعتمد على عمليات الجمع والتفكيك وإعادة التدوير غير الرسمية.
وتشير المنظمة إلى أن أكثر من 18 مليون طفل ومراهق يعملون في القطاع الصناعي غير الرسمي الذي تشمل أنشطته معالجة النفايات، بينما تعمل 12.9 مليون امرأة في قطاع النفايات غير الرسمي، ما قد يعرضهن وأطفالهن لمخاطر صحية مرتبطة بالملوثات.
وتزداد حساسية الأطفال لهذه المخاطر بسبب خصائص أجسامهم النامية، إذ يمكن أن يتعرضوا لكمية أكبر نسبيا من بعض الملوثات مقارنة بالبالغين، كما أن أجهزتهم العصبية والمناعية لا تزال في طور النمو.
وتحذر منظمة الصحة العالمية من أن التعرض للمواد السامة الناتجة عن معالجة النفايات الإلكترونية قد يرتبط بمجموعة من التأثيرات الصحية، بينها التأثير في نمو الجهاز العصبي ومشكلات في الجهاز التنفسي وتأثيرات في وظائف الغدة الدرقية، إضافة إلى مخاطر مرتبطة بالحمل ونمو الجنين.
خلال السنوات الأخيرة، حققت مختبرات جامعية وشركات ناشئة تقدما ملحوظا في تطوير ما يعرف باسم الإلكترونيات العابرة أو القابلة للتحلل، وهي أجهزة صممت بحيث تتحلل مكوناتها أو تختفي تدريجيا في ظروف محددة بعد انتهاء عمرها الوظيفي بهدف تقليل أثرها البيئي.
وتعتمد هذه الأبحاث على استخدام مواد، مثل البوليمرات الحيوية المستخلصة من النباتات والسليلوز والورق المعالج والحرير الطبيعي كركيزة للدوائر الإلكترونية والمغنيسيوم والزنك بوصفهما معادن قابلة للتحلل في ظروف معينة وموصلات عضوية أقل تأثيرا في البيئة.
وقد نجح باحثون في تطوير حساسات طبية وإلكترونيات مرنة وأجهزة استشعار بيئية يمكن أن تتحلل بعد أداء وظيفتها، وهو ما يفتح الباب أمام جيل جديد من الإلكترونيات ذات الأثر البيئي المنخفض.
لكن الطريق ما يزال طويلا قبل أن تصل هذه التقنيات إلى الهواتف والحواسيب التجارية، لأن هذه المنتجات تتطلب متانة عالية، وعمرا تشغيليا طويلا، ومقاومة للرطوبة والحرارة والصدمات، وهي خصائص يصعب التوفيق بينها وبين قابلية التحلل.
ولهذا، يرجح الباحثون أن يبدأ انتشار الإلكترونيات العابرة أو القابلة للتحلل في الأجهزة الطبية والمستشعرات البيئية وإنترنت الأشياء قبل الانتقال تدريجيا إلى بعض مكونات الإلكترونيات الاستهلاكية.
وبينما تبشر التقنيات الناشئة بحلول مستقبلية، تكتسب حركة الحق في الإصلاح زخما تشريعيا في الاتحاد الأوروبي وبعض الولايات الأمريكية، مع قوانين وتوجيهات تفرض في حالات محددة التزامات على المصنعين لتوفير قطع غيار أو تسهيل إصلاح المنتجات.
وتقدم شركة فيرفون الهولندية نموذجا عمليا للهاتف الذكي المعياري الذي يركز على سهولة الإصلاح والاستبدال، حيث يمكن للمستخدم العادي الوصول إلى بعض المكونات، مثل البطارية والكاميرا ومنفذ الشحن، واستبدالها باستخدام مفك براغي دون الحاجة لشراء هاتف جديد بالكامل.
ولا تكمن أهمية نموذج فيرفون في حجم الحصة السوقية، إنما في أنه يختبر فرضية مختلفة تشير إلى أن الهاتف قد يكون منتجا طويل العمر وقابلا للصيانة بدلا من أن يكون سلعة مصممة للاستبدال الدوري.
ختاما، لا يوجد في الوقت الحالي أدلة كافية على أن متطلبات الذكاء الاصطناعي وحدها أصبحت محركا رئيسيا لاستبدال الأجهزة على نطاق واسع، لكن اتجاه الصناعة نحو ربط المزيد من الميزات بالعتاد الحديث يفتح الباب أمام نمط جديد من التقادم الوظيفي، مما يزيد تكدس جبال النفايات الإلكترونية.
وتمثل الإلكترونيات العابرة أو القابلة للتحلل وقوانين الحق في الإصلاح بادرة أمل، لكنها تظل خطوة بطيئة في السباق ضد استهلاك وتصنيع يتسارع كل عام بمعدلات تفوق قدرة الكوكب على الاستيعاب والتعافي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة