في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
تقدّم الصين قدراتها النووية والصاروخية باعتبارها أداة لتحقيق التوازن والاستقرار الإقليمي والعالمي، مؤكدة التزامها بسياسة دفاعية وعدم البدء باستخدام الأسلحة النووية.
في المقابل، يتناول الخطاب الغربي هذه القدرات بوصفها تهديدا متصاعدا، وبين هاتين الروايتين تسعى بكين إلى تأطير تطورها الصاروخي ضمن مفهوم "الردع الدفاعي" الذي يهدف إلى "منع الحروب من خلال القوة" كما يتضح في تغطيات وسائل الإعلام الصينية.
وتبرز صحيفة غلوبال تايمز الاختبار الأخير لإطلاق الصاروخ الباليستي من الغواصة النووية بوصفه محطة جديدة في مسار طويل من بناء الردع النووي، ويوضح الخبير العسكري جانغ جونشه في تصريحه للصحيفة أنه من المرجح أن يكون الصاروخ المستخدم من طراز (جو لانغ-3)، وهو جيل جديد من الصواريخ الباليستية البحرية يتجاوز مداه 8 آلاف كيلومتر، مما يضعه ضمن فئة الصواريخ العابرة للقارات.
وتربط الصحيفة هذا التطور بسردية تاريخية تبدأ من ستينيات القرن الماضي، حين طورت الصين أولى قدراتها النووية، وصولا إلى امتلاك "ثالوث نووي" متكامل -بري وبحري وجوي- عرض لأول مرة في 2025 خلال العرض العسكري بمناسبة "يوم النصر" (الذكرى الـ80 للانتصار على اليابان وانتهاء الحرب العالمية الثانية).
ووفقا للخبير جانغ فإن "الاختبار أتاح التحقق من سلسلة العمليات الكاملة، من المناورة تحت الماء إلى الإطلاق والتوجيه بعيد المدى، بما يثبت قدرة الصين على الرد النووي حتى وإن تعرضت لهجوم مفاجئ".
في هذا السياق، شدد المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية تشن شي على أن "بكين تحافظ على قدراتها النووية عند الحد الأدنى اللازم للأمن القومي" وتلتزم بعدم الدخول في سباق تسلح، مشيرا إلى أن الإخطار المسبق بإجراء الاختبار يعكس "الشفافية والانفتاح".
وترى غلوبال تايمز أن إطلاق الصواريخ من الغواصات يمثل "ردعا دفاعيا من الأعماق"، حيث يعزز القدرة على حماية السيادة دون السعي إلى التصعيد، ويبعث برسالة مفادها أن الهدف هو "منع الحروب من خلال القوة" والحفاظ على الاستقرار الإستراتيجي.
السفينة المستخدمة في عملية استعادة الصواريخ قد تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، لكنها ستكون أقل تكلفة على المدى الطويل بالاستفادة من نقاط القوة التي تتمتع بها الصين في مجال بناء السفن
بواسطة جوناثان ماكدويل
في موازاة الردع العسكري، تسلط وكالة الأنباء الصينية "شينخوا" الضوء على اختراق تقني في مجال الفضاء، تمثل في نجاح الصين في استعادة المرحلة الأولى من صاروخ (لونغ مارش- بي 10) خلال رحلته الأولى.
وأكدت الوكالة أن هذه هي أول عملية استعادة موجهة ناجحة لصاروخ حامل في الصين، مما يمثل تقدما مهما في تكنولوجيا الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام.
ووفقا للتقرير، جرى التقاط الصاروخ عبر منصة بحرية باستخدام نظام شبكي، بعد أن أوصل حمولته إلى المدار المحدد. ويتمتع الصاروخ بقدرة على إرسال حمولة تبلغ 16 طنا إلى المدار الأرضي المنخفض، مما يجعله مناسبا لمهام إطلاق الأقمار الصناعية.
وتتناول صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست هذا الابتكار بوصفه خطوة تضع الصين إلى جانب الولايات المتحدة في مجال الصواريخ المدارية القابلة لإعادة الاستخدام، مشيرة إلى أن هذه التقنية قد تسهم في خفض تكاليف الإطلاق وزيادة وتيرته، وهو عامل حاسم في سباق نشر الأقمار الصناعية.
كما نقلت الصحيفة عن خبراء أن النهج الصيني القائم على استخدام شبكة بحرية بدلا من أرجل هبوط تقليدية، يخفف وزن الصاروخ ويزيد من قدرته في الحمولة، غير أن بعض المختصين أبدوا تحفظات بشأن التكلفة التقديرية العالية للسفن المتطورة المستخدمة في عملية الاستعادة.
ويعتقد جوناثان ماكدويل، وهو مؤرخ متخصص في شؤون الفضاء، أن السفينة قد تتطلب استثمارات رأسمالية ضخمة، لكنها ستكون على الأرجح أقل تكلفة على المدى الطويل، مشيرا إلى أن هذا النهج يستفيد من نقاط القوة التي تتمتع بها الصين في مجال بناء السفن، بحسب ما أوردته الصحيفة.
تربط التقارير الصحفية بين هذه التطورات التقنية والمنافسة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة، خاصة في مجال الأقمار الصناعية، وتوضح ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن الصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام تمكن من إطلاق أعداد كبيرة من الأقمار ضمن شبكات الاتصالات منخفضة المدار، التي أصبحت جزءا من البنية التحتية للأمن القومي في النزاعات الحديثة.
وتشير الصحيفة إلى أن الصين تسعى لتطوير شبكات أقمار صناعية منافسة لمنظومة "ستارلينك"، في إطار رؤية أوسع تجعل الفضاء مجالا مركزيا في التنافس الدولي إلى جانب الذكاء الاصطناعي والطاقة النووية.
ورغم اعتراف التقارير بأن الولايات المتحدة لا تزال متقدمة بفارق كبير بفضل شركة " سبيس إكس"، فإن الإنجاز الصيني الأخير يُنظر إليه كخطوة لتقليص هذه الفجوة وفتح المجال أمام منافسة تجارية وتقنية أوسع.
تعكس القراءات الإعلامية الصينية تصورا متكاملا يجمع بين "ردع من الأعماق" و"إدارة الوصول إلى المدار"، حيث تقدم الاختبارات الصاروخية البحرية كأدوات دفاعية لضمان الاستقرار، بينما تعرض التقنيات الفضائية كرافعة للتقدم الاقتصادي والتنافس العالمي.
بهذا المعنى، فإن إعادة رسم قواعد اللعبة لا تأتي في صورة تهديد مباشر، بل عبر بناء قدرة صاروخية وفضائية تمنح الصين هامشا أوسع للمناورة وفرض شروطها في النظام الدولي، مع الحرص على تأطير هذه القدرات في خطاب "ردع دفاعي" و"ابتكار من أجل الاستقرار"، مقابل سردية غربية ترى في هذا الصعود مؤشرا على تهديد متنامٍ.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة