آخر الأخبار

انفجارات الهيليوم بمصر.. كيف تحول غاز خامل إلى قنبلة موقوتة؟

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لم يكن حادث انفجار أسطوانات الهيليوم، الذي وقع في أحد المراكز التجارية بمنطقة التجمع الثالث شرق القاهرة قبل أيام، فريدا من نوعه، إذ كان الثالث خلال فترة قصيرة، مما أثار تساؤلات عن الأسباب التي يمكن أن تتحول معها أسطوانات تحتوي على غاز خامل إلى قنبلة موقوتة.

وبدأت تلك الحوادث يوم 20 مارس/آذار 2026 بمدينة دمياط الجديدة (شمال القاهرة)، التي شهدت حادثا مأساويا أسفر عن مصرع 3 أشخاص وإصابة 32 شخصا آخر، إثر انفجار أسطوانة غاز هيليوم داخل محل تجاري، ويوم 12 أغسطس/آب، انفجرت أسطوانة هيليوم داخل محل ألعاب بمنطقة المطبعة في دار السلام بالقاهرة، وتسببت في حريق أودى بحياة شخصين، وكانت الحادثة الأخيرة في التجمع الثالث هي الأقوى، إذ تسببت في وقوع 3 أشخاص قتلى و17 مصابا.

انفجار فيزيائي وليس كيميائي

وقبل الخوض في أسباب تلك الانفجارات، يجب الانطلاق في البداية من حقيقة علمية، وهي أن الهيليوم غاز خامل وغير قابل للاشتعال، ومن ثم فإن تلك الانفجارات، ليست كيميائية، أي أنها ليست ناتجة عن الغاز نفسه، بل ترتبط بأسباب فيزيائية تتعلق بظروف تعبئة وتخزين الغاز، كما يوضح الدكتور عبد الناصر توفيق، أستاذ الفيزياء النظرية بجامعة الأهرام الكندية في القاهرة والأستاذ الزائر بالجامعة الإسلامية في المدينة المنورة للجزيرة نت.

وتقتضي الظروف المثالية للتعبئة والتخزين أن تتم عملية التعبئة في أسطوانة مخصصة لغاز الهيليوم والضغط المستخدم، عدم تجاوز ضغط التعبئة المسموح به، والتحكم في ارتفاع درجة الحرارة في أثناء التعبئة، إذ إن عملية التعبئة السريعة يمكن أن ترفع درجة حرارة الغاز والأسطوانة، كما يجب الحرص على منع اختلاط الغازات، بحيث تكون منظومة التعبئة مصممة لمنع إدخال غاز آخر إلى أسطوانة الهيليوم، وأن تكون الأسطوانة معروفة المحتوى والمصدر.

وعند تخزين الأسطوانة يجب أن تحفظ في درجة حرارة مستقرة ومعتدلة، مع تجنب ارتفاع الحرارة الشديد، وأن يكون المكان جيد التهوية، وأن تُثبت الأسطوانات لمنع سقوطها أو انقلابها، مع إبعادها عن حركة المركبات والمعدات الثقيلة، لتجنب السقوط أو الاحتكاك الذي قد يؤدي إلى تلف جسم الأسطوانة أو الصمام، وكذلك إبعادها عن مصادر الحرارة.

إعلان

ويقول عبد الناصر: "رغم أن الهيليوم غاز خامل، فإن أي خلل في هذه الشروط للتعبئة والتخزين قد يكون سببا للحوادث الأخيرة في مصر، إذ قد يُستبدل الهيليوم النقي بمخاليط رخيصة أو غازات أخرى ربما تكون قابلة للاشتعال، يضاف إلى ذلك كارثة الشحن الزائد، التي تعني تعبئة الأسطوانة بكمية غاز تزيد على السعة المقررة أو تحت ضغط أعلى من المسموح به في أثناء عملية الملء، مما يهيئ الظروف لانفجارها تحت ظروف تخزين ونقل معينة كالتعرض للحرارة أو الاهتزاز الشديد".

ويضيف أن "العيوب الصناعية تأتي أيضا لتكون سببا محوريا آخر لا يقل خطورة ليزيد الطين بلة، وتتضمن تلك العيوب استخدام مواد رديئة أو غير مطابقة للمواصفات الهندسية في تصنيع الأسطوانات، والتلاعب في اختبارات الضغط الإلزامية وأخطاء في تصنيع الصمامات".

مصدر الصورة الهيليوم يستخدم عادة في محال الألعاب (غيتي)

كل الاحتمالات واردة

ولا يستطيع عبد الناصر الجزم بترجيح سبب محدد للانفجارات التي حدثت مؤخرا، إذ تظل كل الاحتمالات واردة لحين صدور بيان رسمي بنتائج التحقيقات لكشف السبب الحقيقي، لذلك فهو يتعجب من تحليلات استبقت صدور تلك النتائج ورجحت أن الغاز كان مغشوشا بغاز آخر أرخص وقابل للاشتعال وهو الهيدروجين.

واستندت تلك التحليلات إلى أن الحادث الأخير في مول التجمع الثالث بدا أنه قد حدث في مكان قد وفر اشتراطات معقولة في ظروف التخزين، وأهمها وجود الأسطوانات في أماكن ذات حرارة معتدلة بسبب أنه مكان مكيف بطبيعته، لذلك رجحت هذه التحليلات أن الغش التجاري بخلط الهيليوم مع غاز الهيدروجين القابل للاشتعال هو سبب الحادث.

ولا يستبعد عبد الناصر حدوث ذلك، إذ ذكر في تعليقه أن أحد أسباب الاشتعال قد يكون استبدال الهيليوم النقي بمخاليط رخيصة أو غازات أخرى، لكنه عاد وأكد أن الجزم بحدوث ذلك يحتاج إلى فحص معمق يجيب عن أسئلة تتعلق بإذا ما كانت الأسطوانات في الحوادث الثلاثة من المصدر نفسه، وإذا كانت تحمل أرقاما أو علامات تصنيع متطابقة، والسؤال الأهم: ما تركيب الغاز داخل كل أسطوانة؟ وهو سؤال يمكن حسمه مخبريا بتحليل عينة الغاز.

ويوضح عبد الناصر أن الغش التجاري الذي قد يؤدي إلى مثل هذه الحوادث لا يتعلق فقط بجودة الغاز، بل يمكن أن يتعلق أيضا بجودة الأسطوانه، كأن تُستخدم أسطوانة غير مخصصة لهذا الغرض أو يتم استخدام أسطوانه غير مطابقة للمواصفات.

وكانت إدارة السلامة والصحة المهنية الأميركية قد وثقت هذه الحالات من الغش التجاري التي أشار إليها عبد الناصر، إذ انفجرت أسطوانة هيليوم في أثناء تعبئتها في حادث وقع عام 2005، ثم تبين لاحقا أن الأسطوانة كانت مصنوعة من الألومنيوم، كما وثقت الإدارة ذاتها حادثا وقع آخر عام 2003، انفجرت فيه أسطوانة في أثناء تعبئتها بالهيليوم عند ضغط يتراوح بين 1100 و1300 رطل لكل بوصة مربعة (بي إس آي)، واتضح لاحقا أن الأسطوانة لم تكن أصلا مخصصة للهيليوم، بل كانت أسطوانة أسيتيلين منخفضة الضغط.

كيف يتحول الغاز الخامل لطاقة انفجار؟

وأيا كانت الأسباب التي أدت للحوادث، والتي لا يمكن إلى الآن ترجيح أحدها، فإن غاز الهيليوم المضغوط لا يحتاج إلى الاحتراق حتى يتسبب في انفجار خطير، إذ يمكن أن يؤدي تمزق خزان يحتوي عليه إلى إطلاق مفاجئ لكمية كبيرة من الطاقة، تتحول إلى موجة ضغط قوية تنتشر في البيئة المحيطة.

إعلان

وتكشف دراسة نشرتها دورية "فيزيكس بروسيديا" (Physics Procedia) أنه عندما يحدث تمزق مفاجئ في خزان الهيليوم المضغوط، يكون الغاز الموجود داخل الخزان تحت ضغط أعلى بكثير من الضغط الجوي، وبالتالي فإن فشل جدار الخزان يفتح الطريق أمام الغاز للتمدد بسرعة شديدة.

وخلال هذه العملية تتحرر الطاقة المخزنة في الغاز المضغوط خلال فترة زمنية قصيرة، فتتولد موجة ضغط أو موجة صدمية تنتشر بعيدا عن موقع التمزق.

وبالتالي، فإن ما يسمى "انفجار الهيليوم" ليس انفجارا كيميائيا ناتجا عن احتراق الغاز، بل هو انفجار فيزيائي لوعاء ضغط، أي أن مصدر الطاقة هو الغاز المضغوط نفسه وتمدده السريع بعد فشل الخزان.

ولا يتسبب هذا السيناريو في حد ذاته في حرائق، بل إن بعض الحرائق التي تكون مصاحبة لتلك الانفجارات سببها أن موجة الضغط المتولدة عن الانفجار أتلفت معدات أو مواد قابلة للاشتعال، مما أدى إلى نشوب حريق.

وإذا لم تتسبب حوادث انفجارات أسطوانات الهيليوم في حرائق، فإن الموجات المتولدة عنها قد تؤدي إلى إصابات في الأذن والرئتين، أو تقذف الأشخاص وتجعلهم يسقطون، كما يمكن أن تقذف الأشياء والحطام بسرعة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار