في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في عمق الليل المظلم، وبينما كانت إحدى المنصات العسكرية الأمريكية الطائرة تمشط السماء عبر مستشعراتها الحرارية في ليلة من ليالي صيف عام 2013 الحار، في منطقة ما بالشرق الأوسط، ظهر على الشاشة شيء لا يشبه ما اعتاد الجنود الجالسون أمام الشاشات رؤيته؛ شكل يشبه نجمة ذات ثمانية زوايا، لامعة جدا، معلقة في الظلام وكأنها خرجت من الفراغ، تتحرك بشكل عجيب بين جانبي الشاشة، ولا يبدو أنها تتبع قوانين الفيزياء التي نعرفها.
في تلك اللحظة، لم يكن في غرفة الرصد متسع للفهم، بدأت الهواتف ترن، وتدافعت الأسئلة إلى الأذهان عن طبيعة هذا الجسم ولماذا بدا بهذه الهيئة الغريبة؛ فربما هو طائرة صينية أو روسية متقدمة لم يفهم الجنود طبيعتها بعد، وربما هو جسم قادم من الفضاء السحيق ليزور الأرض.
ذلك المشهد، الذي حدث فعلا وأعلن عنه مؤخرا، يلخص جوهر الجدل الذي يحيط بملفات "الظواهر غير المعرفة" التي أعاد البنتاغون فتحها في 8 مايو/أيار الحالي (2026)، حينما أعلن عبر موقع حكومي مخصص لهذا الغرض، الإفراج الأولي عن ملفات جديدة تتعلق بهذه الظواهر، مع إعلان بأن هذه ليست نهاية العملية، بل بداية نشر تدريجي لدفعات أخرى من هذه الملفات.
"تضمنت الملفات صورا من رحلة أبولو 17 تظهر ثلاث نقاط في تنظيم مثلثي يشبه تشكيلا عسكريا، ومقاطع لأجسام رصدت فوق مناطق في الشرق الأوسط وشرق آسيا وأوروبا"
تتضمن الدفعة الأولى نحو 160 ملفا، تنوعت ما بين صور ومقاطع فيديو ووثائق تاريخية وشهادات وتقارير عسكرية ودبلوماسية تمتد من الأربعينيات وصولا إلى العقد الحالي، ومن بين الأمثلة التي جذبت الانتباه، صور من بعثات أبولو للقمر، ووصف رائد الفضاء الأمريكي باز ألديرين في مقابلة بعد رحلة "أبولو 11" لشيء ما يشبه "مصدرا ضوئيا" أو "جسما غريبا" قرب القمر.
تضمنت الملفات أيضا صورا من رحلة "أبولو 17" تظهر ثلاث نقاط في تنظيم مثلثي يشبه تشكيلا عسكريا، ومقاطع لأجسام رصدت فوق مناطق في الشرق الأوسط وشرق آسيا وأوروبا. لكن اللافت أن بعض هذه المواد لم تكن جديدة تماما، فوكالتا أسوشيتد برس ورويترز أشارتا إلى أن بعض الملفات كانت متاحة سابقا، وما تفعله الدفعة الجديدة أنها تجمعها في موقع واحد وتقدم نسخا أقل حجبا في بعض الحالات.
لفهم الأمر بشكل أفضل، دعنا نبدأ بتعريف الاصطلاح نفسه. تُعرف الظواهر غير المحددة أو غير المعرفة بأنها مشاهدات أو حالات رصد لأجسام أو أضواء أو حركات غير مألوفة في السماء أو الفضاء أو أحيانا فوق سطح البحر، لا يستطيع المراقبون أو أجهزة الرصد تفسيرها فورا بالمعرفة المتاحة.
ومن ثم فإن هذا الاصطلاح لا يعني أنها بالضرورة كائنات فضائية أو مركبات من خارج الأرض، بل يعني فقط أن البيانات المتوفرة عنها ناقصة أو غير حاسمة، فقد تكون طائرات، أو أقمارا صناعية، أو بالونات، أو ظواهر جوية، أو انعكاسات ضوئية، أو أخطاء في الكاميرات والرادارات، أو أي شيء يحتاج إلى تحليل إضافي.
"خلال العقد الأخير تضاعفت مشاهدات الظواهر غير المحددة على نحو لافت، حتى بلغت نحو سبعة أضعاف ما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي"
خلال العقد الحالي، تضاعفت مشاهدات هذه الظواهر على نحو لافت، حتى بلغت نحو سبعة أضعاف ما كانت عليه في تسعينيات القرن الماضي، وقد أقر البنتاغون أكثر من مرة بصحة عدد من المقاطع، مع ملاحظة أن الإقرار هنا كان بصحة المقاطع فقط، لا بأنها تأكيد على وجود كائنات فضائية قادمة من خارج الأرض.
ومع ذلك، كان لهذه المقاطع أثر واسع في مخيلة الناس خاصة على الإنترنت، فكل فيديو ضبابي أو جسم سريع أو نقطة ضوء تتحول في نظر الكثيرين إلى دليل على زوار من الفضاء، ومن هنا تتدفق التحليلات الشعبية التي تجزم بوجود كائنات فضائية، وتشتعل معها نظريات المؤامرة التي تفترض أن هناك جهة ما تخفي الحقيقة عن العالم.
تظهر هذه المشكلة بوضوح في المقطع سالف الذكر، حيث يظهر فيه جسم بثمانية بروزات يشبه نجما، يتحرك داخل إطار المقطع من اليمين إلى اليسار بطريقة تبدو للوهلة الأولى غريبة، ومن ثم فقد علق البعض على المقطع قائلين: "لا بد أنها مركبة ليست من هذا الكوكب"، لكن قبل القفز إلى هذا الاستنتاج الكبير، ينبغي التوقف عند عدة نقاط أساسية.
أولا، هذه ليست صورة ضوئية عادية كما تراها العين البشرية، بل صورة حرارية ملتقطة في نطاق الأشعة تحت الحمراء، أي إن ما يظهر أمامنا ليس شكل الجسم بالضرورة، بل نمط الطاقة الصادرة عنه، يقودنا ذلك إلى النقطة الثانية، ففي مثل هذه الصور تكون الإضاءة معكوسة، فالمنطقة السوداء قد تمثل في الأصل الجزء الأكثر لمعانا أو حرارة. بمعنى آخر، فالجسم الظاهر هنا قد يكون مصدرا شديد السطوع الحراري، لا كتلة مظلمة كما يبدو للعين.
"ما نراه قد لا يكون جسما فضائيا يناقض قوانين الفيزياء بقدر ما هو شكل البصمة الحرارية المنبعثة من جسم يتحرك بسرعة إلى الأمام، بينما تصوره الكاميرا من الخلف"
أضف لذلك نقطة ثالثة، وهي أننا لا ننظر إلى الجسم من مسافة قريبة، بل من الخلف وعلى مسافة قد تبلغ عشرات الكيلومترات، وهذا وحده كاف لجعل التفاصيل مشوشة، وتحديد الهوية أمرا صعبا لأنه مع المسافة تنشأ تفاصيل وظلال غير موجودة في الجسم الأصلي. وأخيرا علينا أن ننتبه أن الحركة التي نراها في الفيديو لا تعبر عن حركة الجسم وحده، بل تتداخل معها حركة الطائرة التي تحمل الكاميرا، وكذلك دوران محور التصوير وتغير زاوية الرصد، وهذا شائع في الصور من هذا النوع.
عند جمع هذه المعطيات، يصبح المشهد أقل غرابة مما بدا في البداية، فما نراه قد لا يكون شكل جسم فضائي يناقض قوانين الفيزياء بقدر ما هو شكل البصمة الحرارية المنبعثة من جسم يتحرك بسرعة إلى الأمام، بينما تصوره الكاميرا من الخلف في بيئة متحركة بالكامل، وفي هذا السياق، يصبح من المعقول أن يكون المشهد ناتجا عن محرك نفاث لطائرة أو مسيرة تابعة لدولة ما، أو تقنية عسكرية جديدة مثلا.
مرة أخرى، نؤكد أن وصف هذه الحالات بأنها "ظواهر غير معرفة" لا يعني أنها "غير قابلة للتفسير"، ولا يعني أنها دليل على أصل فضائي. خذ مثلا الصور الأرشيفية لسطح القمر كما ظهر خلال مهمتي أبولو 12 وأبولو 17 والتي أبرزت مناطق لاحظ رواد الفضاء فيها ظواهر غير مفهومة عبارة عن ومضات غريبة، وكما يحدث عادة مع هذا النوع من الإعلانات، فقد اشتعل الجدل سريعا.
لكن في الغالب، يمكن أن تُعزى مثل هذه الظواهر إلى تفسيرات أبسط بكثير، فقد تكون قطعا صغيرة انفصلت من المركبة، كبقايا طلاء أو غبار أو شظايا دقيقة خرجت أثناء مراحل الهبوط أو الحركة، فتبدو في الصور كنقاط لامعة لأنها قريبة من الكاميرا وتعكس ضوء الشمس، وقد يكون الأمر أحيانا خدوشا أو حبيبات على فيلم التصوير نفسه (وكانت هذه الأفلام في الماضي محدودة الجودة)، أو انعكاسات داخل العدسة، أو آثارا ناتجة عن معالجة رقمية لاحقة لصور قديمة التُقطت بتقنيات مختلفة عن تقنيات اليوم.
"في الغالب يمكن أن تُعزى مثل هذه الظواهر إلى تفسيرات أبسط بكثير مما يذهب إليه الناس"
وهناك أيضا احتمالات فيزيائية معروفة، مثل تفاعل الأشعة الكونية مع العين أو مع الأجهزة البصرية، وهو أمر تحدث عنه رواد فضاء سابقون عند رؤيتهم ومضات ضوئية غريبة أثناء الرحلات كما أشار إليه بعض رواد فضاء مهمة أرتميس في رحلتهم الأخيرة. يمكن أن تكون بعض الومضات ناتجة عن اصطدامات نيزكية دقيقة بسطح القمر، فالقمر لا يمتلك تقريبا غلافا جويا، ولذلك تصل الحبيبات النيزكية الصغيرة إلى سطحه مباشرة، وقد تتسبب في حدوث ومضات قصيرة أو آثار موضعية تبدو غريبة في الصور.
لذلك، فالمسألة لا تحتاج إلى القفز مباشرة نحو التفسير الفضائي، لاحظ أننا هنا لا نؤكد يقينا أن هذه كانت طائرة على مسافة عشرات الكيلومترات، أو أن هذه النبضات الضوئية كانت من الأشعة الكونية، لكن الفكرة أنه يمكن دائمًا أن تجد عددا من التفسيرات المقبولة لهذا النوع من المشاهدات التي تقع جميعها داخل نطاق عالمنا العادي.
وبالمناسبة فإن هذا الرأي هو ما يشير إليه أيضا تقرير صدر في سبتمبر/أيلول 2023 عن فريق خاص تابع لوكالة الفضاء والطيران الأمريكية "ناسا" (NASA) مكون من مجموعة من العلماء المستقلين متعددي التخصصات. كان هدف التقرير تحليل مجموعة من الظواهر التي أعلن عنها البنتاغون في موجة سابقة، ويقول التقرير إن الغالبية العظمى من الظواهر الغريبة وغير المعرفة المرصودة من قبل طيارين متخصصين أو من عامة الناس، ليست مرتبطة بأصول فضائية.
وحتى النسبة الصغيرة من تلك الظواهر التي بقيت غير مفسرة، فلا يعني غموضها أنها خارقة للطبيعة أو قادمة من حضارة فضائية، بل يعني أن البيانات ناقصة، تتمثل في صور غير واضحة، وزوايا تصوير مربكة، ومسافة بعيدة، أو معلومات سياقية غير كافية. هذا النمط نفسه ظهر في تقرير أصدره البنتاغون عام 2021 بعد دراسة 144 حادثة جوية من هذا النوع بين عامي 2004 و2021.
والواقع أن آراء الخبراء اتفقت مع هذه النظرة، مثلا كان الفيزيائي الفلكي الأمريكي آدم فرانك، من أبرز الأصوات المتشككة في أهمية هذا النوع من المواد التي أتاحتها وزارة الحرب، حيث لا فائدة لها بحسب تعليقه سوى إثارة انتباه الجمهور. ويشير فرانك إلى أن تأكيد وجود شيء "فضائي" حقا يتطلب أن تكون هناك بيانات خام وسياق رصد كامل وتحليل منهجي لما جرى، فكلما كانت الادعاءات استثنائية تطلبت أدلة استثنائية مثلها.
أما شون كيركباتريك، المدير السابق لمكتب حل الظواهر في جميع المجالات (AARO) التابع للبنتاغون، فكان أكثر حدة في تحذيره، حيث علق قائلا إن تلك المقاطع مفسرة تماما في سياق الظواهر الطبيعية، خاصة أن بعضها ملتقط في نطاقات من الطيف الكهرومغناطيسي تختلف عن الضوء المرئي، ومن ثم فجزء من غرابة الصور مرتبط أصلا بطبيعة التقاط الصورة لا الجسم نفسه.
"جزء من غرابة الصور مرتبط أصلا بطبيعة التقاط الصورة لا الجسم نفسه"
على الجانب الآخر، ذهب الباحث المستقل ميك ويست، المعروف بدوره في تحليل مقاطع الظواهر غير المعرفة من زاوية بصرية وهندسية، إلى أن كثيرا من هذه اللقطات لا يثبت أكثر من عجزنا، فالصور محدودة الجودة، والبيانات قليلة جدا، ومن ثم فإن الغموض هنا ليس خاصية خارقة للجسم، بل نتيجة طبيعية للمسافة ورداءة الدقة وغياب معلومات كافية عن الكاميرا والزاوية والسرعة والارتفاع.
أما بيل دايموند، رئيس معهد البحث عن ذكاء خارج الأرض، فلا ينكر احتمال وجود حياة خارج الأرض، بل يميز بين سؤالين مختلفين تماما، الأول عن وجود الحياة في الكون والثاني عن زيارتها لنا؛ الأول ممكن ومحتمل من وجهة نظره، والثاني لا يوجد دليل عليه بعد، ووجود الحياة في الكون لا يعني بالضرورة أنها ستقوم بزيارتنا، فربما لم ترد تحمل تكلفة الرحلة (الطويلة جدا جدا بالمناسبة). ويوضح دايموند أن المشاهدات الأخيرة غالبا لا تعدو كونها رصدا عرضيا لا يجري بأجهزة مصممة أصلا للتحقيق العلمي، ولا بمنهجية تسمح بالحسم.
ويقترب موقف الفيزيائي الفلكي الشهير نيل ديغراس تايسون من هذه النزعة المتشككة، فقد أشار إلى أن عصر الإنترنت والهواتف الذكية يجعل فكرة إخفاء زيارة فضائية كبرى أمرا أصعب بكثير مما كان في الماضي، فالعالم ينتج يوميا كميات هائلة من الصور والفيديوهات، ومع ذلك لا تظهر فيها أدلة واضحة على وجود كائنات فضائية بالمعنى الشعبي.
"يرى الفيزيائي نيل ديغراس تايسون أن عصر الإنترنت والهواتف الذكية يجعل فكرة إخفاء زيارة فضائية كبرى أمرا أصعب بكثير مما كان في الماضي"
وترى العالمة شيلي رايت، أستاذة الفيزياء الفلكية الرصدية والتجريبية في جامعة كاليفورنيا سان دييغو وعضو فريق ناسا المستقل لدراسة الظواهر غير المعرفة، أن فضول الجمهور مشروع، لكنها لا تتوقع أن تحمل الوثائق المنشورة مفاجأة كبرى، خاصة أن كثيرا من البيانات العسكرية سيظل محجوبا أو منقوصا لأسباب تتعلق بحساسية أدوات الرصد والمراقبة.
هذا ليس جديدا بالمناسبة، دعنا مثلا نعود بالزمن إلى واحدة من أشهر الحوادث في الذاكرة الأمريكية، وهي حادثة روزويل، ففي يوليو/تموز 1947، سقط جسم غريب في مزرعة بولاية نيومكسيكو، المواطن العادي في تلك الفترة لم يمتلك معرفة مسبقة بشكل بالونات المراقبة أو الأجهزة العسكرية أو مواد الرصد الجوي، ولذلك فقد بدا الحطام غريبا بما يكفي للظن بأننا أمام شيء فضائي المنشأ، بينما ظهر لاحقا أن الأمر لم يكن مركبة فضائية، بل بقايا بالون مراقبة عسكري ضمن مشروع أمريكي سري، لكن غموض الحادثة، وتضارب التصريحات الأولى، والطبيعة غير المألوفة للحطام، فتحت الباب أمام واحدة من أطول الأساطير عمرا في تاريخ الظواهر غير المعرفة.
لا تقتصر المسألة على روزويل، فهناك ظواهر جوية وفلكية كثيرة يخطئ الناس في تفسيرها، خذ مثلا مشروع الكتاب الأزرق، وهو واحد من أشهر البرامج الأمريكية لدراسة مشاهدات الأطباق الطائرة، حلل هذا المشروع آلاف البلاغات في الولايات المتحدة خلال خمسينيات القرن العشرين، وخلص إلى أن معظم المشاهدات يمكن تفسيرها بظواهر عادية، بينما بقيت نسبة منها غير مفسرة في ذلك الوقت.
"فتحت حادثة روزويل الباب أمام واحدة من أطول الأساطير عمرا في تاريخ الظواهر غير المعرفة"
في السماء نفسها أمثلة كثيرة على هذا الالتباس، فقد يرى شخص كوكب الزهرة، وهو جرم شديد اللمعان لا يظهر دائما بالطريقة نفسها في السماء، فيظنه مركبة غريبة، وقد تمر المحطة الفضائية الدولية فوق منطقة ما فتبدو كنجم شديد السطوع يتحرك بسرعة ثابتة ويقطع السماء خلال دقائق قليلة، ومن لا يعرف طبيعتها قد يصف ما رآه بأنه "جسم مضيء قطع السماء كلها في ثلاث دقائق"، لتتحول العبارة لاحقا إلى عنوان مثير في صحيفة أو منشور واسع الانتشار على وسائل التواصل.
وتدخل في هذه القائمة ظواهر مألوفة أخرى، مثل عادم الطائرات، أو احتراق الشهب، أو السحب العدسية التي تتشكل غالبا قرب الجبال في هيئة بيضاوية أو دائرية تشبه أحيانا قرصا طائرا، وقد أثارت إحدى هذه السحب فوق مدينة تركية قبل أعوام حالة واسعة من الذعر والتكهنات، فاعتبرها بعضهم طبقا طائرا، ورآها آخرون علامة غامضة أو تقنية سرية، بينما كان تفسيرها العلمي أبسط بكثير، وهو أنها سحابة عدسية تكونت بفعل حركة الهواء فوق التضاريس الجبلية.
لذلك ليس غريبا أن تأتي نسبة معتبرة من بلاغات الأجسام الغامضة من مناطق جبلية أو أماكن تساعد ظروفها الجوية على إنتاج خدع بصرية بهذا الشكل، ويضاف إلى ذلك السراب قرب الأفق، والشفق القطبي، والانعكاسات الضوئية، وغيرها من الظواهر التي قد تبدو استثنائية وغريبة لمن يراها للمرة الأولى.
ولا يقف الأمر عند مشروع الكتاب الأزرق. فقد درس عالم الفلك الأمريكي آلان هندري أكثر من 1300 حالة من مشاهدات الأجسام المجهولة، في كتابه "دليل اليوفو"، ووجد أن غالبيتها لها تفسيرات عادية واضحة. ووفقا لتحليله، فإن 88.6% من الحالات أمكن تفسيرها، و8.6% فقط بقيت مجهولة مبدئيا.
وحتى داخل هذه النسبة الأخيرة، كانت هناك حالات كثيرة لها تفسير محتمل لكنه غير مؤكد، بحيث لم يتبق في النهاية إلا نحو 1.5% فقط من الحالات بلا تفسير معقول واضح. وفي دراسة هندري، ارتبطت قرابة نصف الحالات بظواهر فلكية، بينما تعلق نحو الثلث ببالونات الطقس أو المراقبة، أما الباقي فتراوح بين طائرات إعلانية، أو سحب أو طيور أو أجسام مألوفة أخرى.
هنا يأتي سؤال مهم: لماذا ينجذب الناس إلى التفسيرات "الغرائبية" البعيدة أكثر من التفسيرات العلمية القريبة؟ والجواب ربما لأن الكائنات الفضائية أكثر إثارة من بالون طقس، ولأن الخيال يكره الفراغ، ولأنه في حالات التوتر الاقتصادي والسياسي المحلي أو العالمي يميل الناس قليلا ناحية التفكير "السحري" مقارنة بالتفكير العقلاني القائم على الدليل.
المشكلة الأكبر أن جهات نافذة بعينها قد تجد أن من مصلحتها رواج مثل هذا النوع من التفسيرات. ففي تسعينيات القرن الماضي، صدرت دراسة عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تؤكد أن الجيش الأمريكي تعمد تضليل الرأي العام بشأن الطبيعة الحقيقية للعديد من الأجسام الطائرة المجهولة الهوية، في محاولة منه لإخفاء المعلومات المتناثرة حول طائرات وبالونات التجسس التي استخدمها.
توضح الدراسة أن الجيش الأمريكي كان على علم بأن معظم بلاغات المواطنين عن أشياء يرونها لكنهم لا يفهمون طبيعتها؛ كانت مرتبطة بالفعل بطائرات بعينها تقوم بمهام سرية محددة على ارتفاعات أعلى من الطيران التجاري، وكان لذلك دور في تصاعد موجة الإبلاغ عن رؤية الأطباق الطائرة في الولايات المتحدة، ومن ثم في العالم كله.
"الجيش الأمريكي تعمد تضليل الرأي العام بشأن طبيعة العديد من الأجسام الطائرة المجهولة الهوية، من أجل إخفاء المعلومات الحقيقية حول طائرات وبالونات التجسس التي يستخدمها"
وفي مارس/آذار 2024 خلص تقرير للبنتاغون إلى أن الارتفاع الكبير في مشاهدات الأجسام الطائرة المجهولة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي كان سببه اختبارات طائرات التجسس الأمريكية المتقدمة وتكنولوجيا الفضاء. وأوضح التقرير أنه لا يوجد دليل على أن الحكومة الأمريكية واجهت كائنات فضائية في أي لحظة منذ نشأتها وحتى الآن، مضيفا أن البرامج التلفزيونية والكتب والأفلام والكم الهائل من محتوى الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي التي تركز على الموضوعات المتعلقة بالكائنات الفضائية؛ أثرت على الأرجح على حديث الناس الدارج حول هذا الموضوع.
ووفقا لهذا التقرير تم توصيف أكثر من نصف تقارير الأجسام الطائرة المجهولة التي تم التحقيق فيها آنذاك على أنها رحلات استطلاع أمريكية، وفقا لتقييم أجرته وكالة المخابرات المركزية. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك البالونات التي تم إطلاقها على ارتفاعات عالية وطائرات التجسس مثل "يو-2″، بالإضافة إلى عدد من المشاريع البحثية السرية التي تضمنت تطوير طائرات تبدو دائرية أو على شكل صحن، مثل القاذفة المقاتلة الكندية "في زد-9 أي في أفروكار" التي تم تصميمها للإقلاع والهبوط عموديا.
ما سبق يفتح الباب لتساؤل مهم حول سر الإفراج عن هذه الملفات في الوقت الراهن بالذات. تقدم الإدارة الأمريكية الأمر كشكل من أشكال الالتزام بالشفافية ومشاركة المعلومات، لكن الصحافة الأمريكية تشكك في هذا التفسير، مرجحة أن الإدارة ترغب في صرف أنظار الجمهور عن ملفات حرجة جدا، على رأسها ملفات إبستين والحملة العسكرية ضد إيران من خلال تحويل دفة الجدل والنقاش إلى مساحات أخرى. الأمر بسيط وممكن، فالإعلان عن الظواهر غير المعرفة عادة لا يتضمن أي تفسير، ومن ثم يترك للجمهور مهمة التفسير بما تنطوي عليه من جدل وسجال.
بحسب رويترز، فإن بعض المعارضين لترمب (وحتى مؤيديه السابقين) اعتبروا نشر ملفات الظواهر غير المعرفة محاولة لصرف الانتباه عن مشكلات سياسية تواجه الرئيس مثل ملفات إبستين وحرب إيران. ونقلت الوكالة عن مارجوري تايلور غرين، النائبة الجمهورية المستقيلة من الكونغرس نهاية العام الماضي، والتي تعد من الوجوه الجمهورية التي كانت قريبة من قاعدة ترمب سابقا، قولها إنها لا تهتم بملفات الأجسام الطائرة، وإنها سئمت مما وصفته بدعاية "انظروا إلى الشيء الساطع هناك"، حيث أوضحت أن اهتمامها ليس بملفات الأجسام غير المعرفة، بل بقضايا أكثر إلحاحا مثل ارتفاع الأسعار، والحروب الخارجية، وعدم اكتمال الكشف عن ملفات إبستين.
يعني هذا أن الاتهام لم يأت من المعسكر الديمقراطي وحده، بل من داخل البيئة السياسية التي طالما استفاد ترمب من حماسها لفكرة كشف الأسرار، والتي يأتي من داخلها عادة الحديث عن ارتباط الظواهر غير المعرفة بـ"شيء فضائي". وتكررت الفكرة نفسها في مواقف أخرى، فمثلا وصف النائب الجمهوري توماس ماسي في فبراير/شباط الماضي هذا المشروع بأنه "السلاح النهائي للتشتيت الجماعي"، ومن ثم رجح أن توقيت النشر يخدم وظيفة سياسية تتجاوز الشفافية.
"وصف النائب الجمهوري توماس ماسي في فبراير/شباط الماضي هذا المشروع بأنه السلاح النهائي للتشتيت الجماعي"
ثم جاء تعليق جو روغان، مقدم البودكاست والكوميدي الشهير، ليزيد من حضور الفكرة داخل الإعلام الشعبوي الأمريكي، فرغم أنه أيد ترمب في انتخابات 2024، ورغم أنه من أكبر المهتمين بإظهار ملفات المؤامرة وخرافات الحضارة المفقودة وبقية العلوم الزائفة، ومن ثم كان نشر هذه الملفات ليصبح مادة خصبة لحلقاته، إلا أن الرجل قال إن توقيت نشر الملفات يبدو مريبا، وربطه بما وصفه بـ"إخفاقات ترمب" في ملف إيران وبأزمات داخلية أخرى.
تزداد حساسية اتهام "التشتيت" بسبب ملف إبستين تحديدا، والتي أبقت اسم ترمب نفسه وعدد من دائرته المقربة ودائرة أوسع من النخب الأمريكية داخل دائرة ضغط سياسي وإعلامي مستمر. ورغم أن الرئيس الأمريكي وقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 قانونا يلزم وزارة العدل بنشر ملفات إبستين، ثم أعلنت الوزارة في يناير/كانون الثاني التالي نشر أكثر من 3 ملايين صفحة إضافية، لكن النشر لم يتسبب في إنهاء الجدل، إذ أعلن المفتش العام في وزارة العدل في أبريل/نيسان الماضي مراجعة طريقة امتثال الوزارة للقانون.
وتنبع علاقة ترمب بالملف من مستويين مختلفين، الأول يتعلق بإدارته والمسؤولية عن طريقة النشر والحجب، والثاني مستوى شخصي واجتماعي أقدم يتعلق بمعرفته السابقة بإبستين، فبحسب رويترز، كان ترامب على علاقة اجتماعية بإبستين في التسعينيات وبدايات الألفية، وظهر اسمه في سجلات رحلات قديمة لطائرة إبستين وفي دفتر اتصالاته، لكن سلطات إنفاذ القانون لم تتهم ترمب بارتكاب مخالفة جنائية مرتبطة بإبستين.
على الجانب الآخر تواجه الإدارة الأمريكية ضغوطا متزايدة بسبب الحرب على إيران، لأنها لم يعد ينظر لها كعملية عسكرية محدودة، بل كنزيف سياسي واقتصادي مفتوح، ليس فقط بسبب العبء الذي تتحمله الموازنة الأمريكية، ولكن أيضا بسبب إغلاق مضيق هرمز وارتفاع أسعار النفط، وتشكل رأي شعبي مضاد للحرب، مع اتهامات بأن إسرائيل جرت ترمب لمعركة لا تخدم مصالح الأمريكيين.
أشارت رويترز في هذا السياق إلى أن ارتفاع تكاليف الطاقة ومخاطر الركود العالمي جعلا الاقتصاد "نقطة الضغط" الأبرز على ترمب، خصوصا أن أي اضطراب في إمدادات النفط ينعكس مباشرة على المستهلك الأمريكي، لذلك يرى منتقدون أن البيت الأبيض كان بحاجة إلى خبر ضخم قادر على إعادة توجيه الانتباه العام، من هنا يصبح اتهام "التغطية" مفهوما سياسيا، حتى لو لم يكن مثبتا كحقيقة، حيث يمكن أن تستفيد إدارة ترمب من خبر يجمع بين الغموض والفضاء والسرية والخيال الشعبي.
لهذا تحديدا يسميها خصوم ترامب "الشيء اللامع" الذي يصرف النظر عن قضايا أكثر أهمية. مع ذلك، يجب أن نحذر من تحويل الاتهام السياسي نفسه إلى "نظرية مؤامرة" مضادة، فهناك أسباب حقيقية تدفع لنشر هذه الملفات منها ضغوط الكونغرس، والاهتمام الشعبي المتراكم، ومطالب قديمة بالشفافية، ومن ثم فالفكرة ليست في نشر الملفات ولكن في تضخيم أهميتها، وإعطائها ما لا تتحمله من تفسيرات، في سياق معركة سياسية أمريكية، قد يتسرب صداها بدون قصد إلى الوعي العربي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة