في فجر صيني بارد، تهرول فرق الإطلاق في مركز جيوتشيوان لصعود صاروخ "لونغ مارش" محمّل بروّاد الفضاء نحو محطة فضاء في مدارات الأرض. لحظة الإقلاع لا تشبه غيرها؛ فهي ليست مجرد إطلاق صاروخ، بل رمز طموح وطني يحدوه حلم السيادة العلمية وكسر حدود الممكن، منذ أول رحلة مأهولة في نهاية القرن العشرين إلى بناء محطة فضاء خاصة وتطلعات هبوط على القمر بحلول عام 2030.
انطلقت مسيرة برنامج الفضاء المأهول الصيني رسميا في عام 1992، عندما بدأت الصين مشروعها الوطني لإرسال البشر إلى الفضاء ضمن برنامج يعرف بـ"برنامج الفضاء الصيني المأهول" (China Manned Space Program).
كانت أول مركبة مأهولة في البرنامج "شينتشو‑1" (Shenzhou 1) التي تمت بدون طاقم في 1999 لتختبر الأنظمة الأساسية. تلتها سلسلة من الرحلات التجريبية غير المأهولة ثم المأهولة وصولا إلى شينتشو‑12 التي كانت أول مهمة مأهولة تتصل بمحطة فضاء اختبارية في 2021.
كان هدف هذه المرحلة المبكرة بناء خبرة في إدارة رحلات مأهولة، وتقنيات الالتحام والإرساء في المدار، وإجراء أولى الأنشطة خارج المركبة أو ما يعرف بالسير الفضائي، وهي مهام أجريت بنجاح خلال عدة مهمات لاحقة.
لم يكن طريق الصين في الفضاء سهلا؛ فـ"تيانغونغ‑1″ (Tiangong-1)، أول محطة تجريبية أطلقتها الصين في 2011، ولم تبق في الخدمة سوى 7 سنوات فقط كمنصة لاختبار عمليات الالتحام وتجارب في المدار.
تلتها "تيانغونغ‑2" في 2016 كمنصة أكثر تطورا، ثم المشروع الأكبر وهو محطة الفضاء الصينية "تيانغونغ" التي بدأت عملياتها في 2022 كمنشأة مأهولة بشكل دائم.
تتألف محطة الفضاء "تيانغونغ" من عدة وحدات، منها:
يعد برنامج شينتشو ناقل الرواد إلى المحطة، حيث تبقى المهمات عادة حوالي 6 أشهر في كل مرة، لإجراء تجارب علمية متنوعة تشمل البيولوجيا الفلكية، وعلوم المواد، وطب الفضاء، وغيرها.
مهام شينتشو‑20 وشينتشو‑21 تظهر استمرار التدوير المنظم للطاقم والتجارب العلمية، منها إدخال أول ثدييات (فئران) إلى محطة تيانغونغ لإجراء دراسات بيولوجية في الجاذبية الصغرى.
تنَفذ جميع عمليات النقل المأهول عبر صاروخ "لونغ مارش- 2 إف" (Long March‑2F)، وهو العمود الفقري لصواريخ الإطلاق الصينية في هذا المجال. ويستخدم "لونغ مارش" أيضا لإطلاق الأقمار الصناعية، والتجارب غير المأهولة، والمهمات الاستكشافية، مما يعكس قدرة الصين المتزايدة على تطوير حلول إطلاق منفصلة ومستقلة عن تقنيات الدول الأخرى.
بينما يعتمد البرنامج الحالي على صواريخ ‘لونغ مارش- 2 أف و5 إف"، تعكف الصين حاليا على تطوير وحشها الفضائي القادم "لونغ مارش- 9" (Long March 9).
صمم هذا الصاروخ فائق الثقل ليكون المنافس المباشر لصاروخ "ستارشيب" (Starship) من شركة "سبيس إكس"، بقدرة رفع تتجاوز 140 طنا إلى مدار الأرض المنخفض.
ويمثل هذا الصاروخ حجر الزاوية في خطط بكين لبناء قاعدة قمرية دائمة وإرسال أول بعثة مأهولة إلى المريخ، بفضل تقنيات إعادة الاستخدام التي تسعى الصين لدمجها فيه، مما سيخفض تكاليف الوصول إلى أعماق الفضاء بشكل ثوري.
يخضع الرواد الصينيون "تايـكونـوتس" (Taikonauts) لتدريبات مكثفة في مجالات متعددة تشمل فيزياء الفضاء، وطب الفضاء، وإدارة أنظمة المركبة المدارية. ويشهد البرنامج دورا متجددا لأجيال جديدة من الرواد، بينهم "جانغ لو" أصغر رائد فضاء صيني في مهمة "شينتشو‑21″، ما يعكس تفاني الصين في تطوير كوادر فضائية شابة.
واحدة من أكثر الأهداف طموحا هو هبوط رائد فضاء صيني على القمر بحلول عام 2030، تسبق فيه بكين العديد من القوى العالمية.
فقد كانت الصين أطلقت سلسلة من المهمات الآلية إلى القمر تحت اسم "تشانغ آه" (Chang’e)، من بينها "تشانغ آه‑6" التي نجحت في جمع عينات من الجانب البعيد من القمر، وهو أول إنجاز من نوعه في تاريخ استكشاف القمر.
هذه الإنجازات ليست علمية فحسب، بل تمثل خطوة تمهيدية لبناء قاعدة بحث علمي دولية على سطح القمر وربما مستقبلا محطة مأهولة.
تعتمد الاتصالات بين الأرض والرواد على شبكات فضائية وعن بعد مع محطات أرضية متقدمة، تسمح بتبادل البيانات العلمية في الوقت الحقيقي وتجارب التحكم عن بعد في المعدات العلمية.
وعلى الرغم من استبعاد الصين من المشاركة في محطة الفضاء الدولية بسبب حصار سياسي من الولايات المتحدة، إلا أن الصين شرعت في فتح برنامجها الفضائي أمام شركاء دوليين.
وتعد اتفاقيات مثل التدريبات المشتركة مع باكستان لترشيح رواد فضاء أجانب للانضمام إلى طاقم محطة "تيانغونغ" خطوة نوعية في التعاون الدولي المأهول.
تصميم ثلاثي الأبعاد للمركبة المأهولة شينتشو-12 وهي ملتحمة مع وحدة تيانهـي (وكالة الفضاء الصينية)كما أبدت الصين استعدادها للعمل مع روسيا في بناء قاعدة على القمر ضمن مشروع "محطة الأبحاث القمرية الدولية" الذي ترتبط به شراكات علمية وتجارب بحثية مشتركة.
أنشأت الصين نظام "بيدو" (BeiDou) – نظام الملاحة بالأقمار الصناعية الصيني للملاحة كنظام مستقل عن "جي بي إس" الأميركي، مما يمنحها سيادة في الملاحة الفضائية والطائرات بدون طيار والاتصالات الجوية والبحرية.
وبحلول عام 2025، تجاوزت الصين إطلاق أكثر من 300 قمر صناعي في المدار، تشمل تطبيقات الاتصالات، والبث الفضائي، والاستشعار عن بعد، وتحديد المواقع.
نظام الملاحة بالأقمار الصناعية الصيني للملاحة (بيدو) هو نظام مستقل عن "جي بي إس" الأميركي (غيتي)بعيدا عن القمر، أطلقت الصين مهمة "تيانوِن" (Tianwen‑1) (برنامج استكشاف المريخ الصيني) والتي أوصلت مسبارا إلى المريخ بنجاح، وأصبحت عربة المريخ الصينية "جورونغ" (Zhurong) واحدة من أهم المركبات الجوالة في دراسة الكوكب الأحمر.
كما أعلنت الصين نيتها إرسال بعثات جديدة إلى الكويكبات وجلب عينات فضائية من الأجسام الصغيرة في النظام الشمسي، مما يعزز طموحاتها في علوم الكواكب والملاحة بين الكواكب.
إن ما حققته الصين في الفضاء خلال عقود قليلة -من أول رحلة مأهولة، إلى محطة فضاء مستقلة، إلى برنامج استكشاف قمري ومريخي متقدم، ومن نظام ملاحة فضائي مستقل، إلى تعاون دولي- ليس صدفة، بل نتاج تخطيط طويل الأمد واستثمارات ضخمة في التكنولوجيا والبشر.
اليوم، تتنافس الصين مباشرة مع شركات ووكالات فضاء كبرى في العالم، ليس فقط في عدد الإطلاقات أو قدرات الرواد، بل في التأثير الاستراتيجي والعلمي لبرامجها.
من محطة الفضاء "تيانغونغ" في المدار المنخفض، إلى أحلام الهبوط على القمر، والسعي نحو المريخ، تبدو الصين عملاقا منافسا لا يفتأ يبحث عن مجده ومكانته في الفضاء الكوني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة