في ظل تحولات متسارعة يشهدها المشهد الرياضي الليبي، تعود كرة القدم النسائية إلى الواجهة من جديد، عبر خطوات مدروسة تسعى إلى إعادة إحياء اللعبة بعد سنوات من الغياب والتراجع. وتبرز في هذا السياق ورش العمل التدريبية التي تُقام بإشراف الاتحاد الليبي لكرة القدم، وبشراكة مع اتحاد شمال أفريقيا لكرة القدم، كإحدى أهم المبادرات الهادفة إلى إعادة بناء هذا القطاع الحيوي.
تتواصل فعاليات ورشة العمل التدريبية في مدينتي طرابلس وبنغازي، مستهدفة تطوير المهارات الفنية والإدارية للمشاركات، في محاولة لخلق كوادر قادرة على قيادة مشروع كرة القدم النسائية في ليبيا.
- للاطلاع على العدد «546» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ولا تقتصر أهداف هذه الورش على التدريب فقط، بل تمتد إلى تبادل الخبرات مع محيط إقليمي أكثر تقدمًا، بما يساهم في نقل التجارب الناجحة، ووضع أسس احترافية تتماشى مع المعايير الدولية. ويؤكد القائمون على هذه المبادرة أن توفير بيئة تدريبية مناسبة يعد خطوة أولى نحو إعادة الثقة في اللعبة، وبناء منظومة متكاملة يمكن أن تدعم المنتخبات الوطنية مستقبلًا.
منتخب السيدات.. من التأسيس إلى التلاشي
تأسس منتخب ليبيا لكرة القدم النسائية العام 1997، وحقق في بداياته حضورًا مقبولًا، قبل أن يتراجع الاهتمام تدريجيًا نتيجة ظروف متعددة، حتى اختفت معظم الأنشطة المرتبطة به.
اليوم، ومع عودة الحراك الرياضي، بدأت محاولات جادة لإحياء المنتخب، عبر التركيز على الفئات السنية وبناء قاعدة جديدة من اللاعبات، يمكن أن تشكل نواة فريق وطني قادر على تمثيل ليبيا في الاستحقاقات الإقليمية والدولية.
تحديات الواقع.. بين الإمكانات والمجتمع
وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية، لا تزال كرة القدم النسائية في ليبيا تواجه عقبات كبيرة، أبرزها: نقص الملاعب المخصصة لتدريب الفتيات. ضعف الدعم المالي والمؤسسي. محدودية التغطية الإعلامية. نظرة مجتمعية متحفظة تجاه اللعبة.
هذه التحديات تفرض إيقاعًا بطيئًا على عملية التطوير، إلا أن القائمين على المشروع يعولون على الشغف الكبير لدى اللاعبات، والتغير التدريجي في نظرة المجتمع.
هنادي السنوسي.. قصة إصرار في وجه التحديات
في قلب هذا الحراك، تبرز شخصية هنادي السنوسي، التي تمثل نموذجًا للإصرار والعمل المتواصل لإعادة كرة القدم النسائية إلى الواجهة.
بدأت السنوسي رحلتها مع اللعبة بدافع الشغف، منذ مشاركتها الأولى العام 2018، قبل أن تتحول إلى أحد أبرز الداعمين لتطويرها، عبر تنظيم دوريات مدرسية في بنغازي، واكتشاف مواهب جديدة.
- للاطلاع على العدد «546» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
وعلى الرغم من الصعوبات التي واجهتها، سواء في توفير أماكن التدريب أو المعدات، وغياب الدعم الكافي، فإنها واصلت العمل على تأسيس فرق شبابية، أسفرت عن تشكيل منتخب بنغازي، الذي يمثل خطوة أولى نحو إعادة تشكيل المنتخب الوطني.
وتؤكد السنوسي أن التغير بدأ يظهر تدريجيًا، مع تزايد إقبال الفتيات، وتنامي اهتمام الأسر بتدريب بناتهن، وهو ما يعكس تحولًا إيجابيًا في الوعي المجتمعي.
الرياضة النسائية.. نماذج نجاح ملهمة
بالتوازي مع محاولات إحياء كرة القدم، شهدت رياضات أخرى حضورًا لافتًا للمرأة الليبية، حيث برزت أسماء مثل رتاج سالم السائح، التي حققت الميدالية الذهبية في البطولة العربية لألعاب القوى في الجزائر، إلى جانب سالمة المعداني، التي تألقت على المستويين العربي والأفريقي.
هذه النماذج تعكس قدرة المرأة الليبية على التميز في المجال الرياضي، وتؤكد أن المشكلة لا تكمن في الإمكانات البشرية، بل في توفير البيئة المناسبة.
بين القبول والرفض.. معركة الوعي المجتمعي
تبقى كرة القدم النسائية الحالة الأكثر تعقيدًا بين الرياضات المختلفة، إذ لا تزال تواجه تحديات تتعلق بالقبول المجتمعي، مقارنة برياضات أخرى كالألعاب القتالية التي حظيت بانتشار أوسع.
وترى السنوسي أن كرة القدم، باعتبارها اللعبة الأكثر شعبية، تضع المرأة في موقع منافسة مباشرة مع الرجل، وهو ما قد يفسر جانبًا من التحفظ المجتمعي تجاهها.
آفاق المستقبل.. مشروع ينتظر الدعم
على الرغم من كل التحديات، تبدو المؤشرات إيجابية نحو إعادة بناء كرة القدم النسائية في ليبيا، خاصة مع وجود دعم مؤسسي متدرج، وشراكات إقليمية، وحماس متزايد من اللاعبات.
غير أن نجاح هذا المشروع يبقى مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها: إدماج كرة القدم النسائية ضمن خطط الأندية. توفير بنية تحتية مناسبة. تعزيز الدعم الإعلامي. استمرار برامج التأهيل والتدريب.
تقف كرة القدم النسائية في ليبيا اليوم عند نقطة انطلاق جديدة، بين ماضٍ شهد التراجع، وحاضر يحاول استعادة التوازن، ومستقبل يحمل الكثير من الطموحات. وعلى الرغم من بطء الخطوات، إلا أن الإصرار الموجود لدى اللاعبات والمدربات، والدعم المتنامي من المؤسسات، قد يكون كفيلًا بإعادة هذه اللعبة إلى مكانها الطبيعي، لتصبح جزءًا فاعلًا من المشهد الرياضي الليبي، وقادرة على تمثيل البلاد في المحافل الدولية بثقة واستحقاق.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة