تعيش الكرة الليبية واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا وحساسية في السنوات الأخيرة، مع انطلاق منافسات الدور السداسي الحاسم من الدوري الممتاز «دورينا»، في مشهد تتداخل فيه الحسابات الفنية مع التحديات التنظيمية، وتلقي فيه الأزمات القانونية بظلالها على مستقبل المسابقة.
ففي الوقت الذي أعلن فيه الاتحاد الليبي لكرة القدم اعتماد ملاعب مباريات السداسي للمنطقة الغربية، عقب اجتماع ماراثوني مع ممثلي الأندية، تتصاعد في الخلفية أزمة قانونية قد تعصف باستقرار المنظومة الكروية بأكملها.
قرعة الملاعب.. نهاية الجدل وبداية الحسم
جاء اعتماد الملاعب بنظام القرعة ليضع حدًا لحالة من الجدل استمرت لأسابيع بين الأندية، التي تباينت مواقفها بشأن أماكن إقامة المباريات، في ظل مخاوف تتعلق بالحياد الجماهيري والعدالة التنافسية.
القرار عكس محاولة من الاتحاد لفرض مبدأ تكافؤ الفرص، وإبعاد أي شبهة تفضيل، خصوصًا أن مرحلة السداسي تُعد الأكثر حساسية، حيث تُحسم فيها هوية البطل والمتأهلين للمشاركات القارية.
السداسي الغربي.. مواجهات بلا هوامش
انطلقت الجولة الأولى في السادس من مايو الجاري، بمواجهة ديربي مصراتة بين السويحلي والاتحاد المصراتي، وهي مباراة تحمل طابعًا خاصًا نظرًا للتنافس التاريخي بين الفريقين. كما التقى المدينة مع الأولمبي، في حين تتجه الأنظار إلى قمة الأهلي طرابلس والاتحاد، التي تقام في بنغازي، في سابقة تعكس تعقيدات المشهد التنظيمي.
- للاطلاع على العدد «546» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
الجولات التالية لا تقل قوة؛ إذ تتكرر المواجهات المباشرة بين جميع الفرق، ما يجعل كل مباراة بمثابة «نهائي مبكر»، خاصة في ظل نظام النقاط الذي لا يسمح بالتعويض بسهولة.
خريطة جغرافية واسعة.. بين العدالة والتحديات
توزيع المباريات على مدن مصراتة والخمس والجميل وترهونة وطرابلس، يعكس رغبة في إشراك مختلف المناطق في الحدث.
لكن هذا التوزيع يفرض تحديات كبيرة على الأندية، خاصة من حيث: الإرهاق الناتج عن السفر المتكرر. اختلاف جودة الملاعب. تأثير العوامل الجماهيرية. ضيق فترات الاستشفاء بين المباريات، وهي عوامل قد تلعب دورًا حاسمًا في تحديد هوية البطل، بقدر ما تلعبه القدرات الفنية.
ولا يقل الصراع اشتعالًا في المنطقة الشرقية، حيث تبدو المنافسة أكثر توازنًا، مع وجود أندية تاريخية مثل الأهلي بنغازي والنصر والأخضر والهلال. وتتنقل المباريات بين سرت والبيضاء والمرج وأجدابيا وطبرق ودرنة، في جدول يعكس تقارب المستويات وصعوبة التوقع. هذا التوازن قد يجعل الحسم مؤجلًا حتى الجولة الأخيرة، مع احتمالات كبيرة لوجود مفاجآت.
أزمة التحكيم.. غياب «VAR» يثير القلق
قرار إقامة المباريات دون تقنية VAR يُعد من أبرز نقاط الجدل قبل انطلاق السداسي، فضلا عن قرار أخر أكثر أهمية بخوض المنافسات بحكام دوليين محليين. في مرحلة تُحسم فيها الألقاب والتأهلات، تخشى الأندية من تأثير الأخطاء التحكيمية، خاصة في ظل تاريخ من القرارات المثيرة للجدل.
ويرى خبراء أن غياب التقنية يعكس تحديات البنية التحتية، لكنه في الوقت ذاته يضع ضغطًا كبيرًا على الحكام المحليين، الذين سيجدون أنفسهم تحت مجهر النقد في كل قرار.
أزمة قانونية تهدد بتجميد النشاط
الأخطر من كل ما سبق، هو التصعيد بين الاتحاد الليبي لكرة القدم والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد والذي قد تكون له تداعيات دولية.
- للاطلاع على العدد «546» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
الاتحاد، برئاسة عبد المولى المغربي، رفض تدخل الهيئة في عمل لجانه القضائية، معتبرًا ذلك خرقًا للوائح الدولية.
في المقابل، تصر الهيئة على التحقيق في شبهات فساد، مطالبة بتجميد لجان وإيقاف رئيس لجنة أوضاع اللاعبين عمر طوير.
هذا الصدام يضع الكرة الليبية أمام خطر حقيقي، يتمثل في تدخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، الذي يرفض أي تدخل حكومي في شؤون الاتحادات، وقد يفرض عقوبات تصل إلى التجميد.
جذور الأزمة.. مباراة تشعل المشهد
تعود جذور الخلاف إلى مباراة التحدي ووفاق أجدابيا، التي انتهت ببقاء الأول وهبوط الثاني، في قرار أثار جدلًا واسعًا، وفتح الباب أمام اتهامات وشكوك حول نزاهة الإجراءات.
ومنذ ذلك الحين، تصاعدت الأزمة لتتحول من خلاف رياضي إلى ملف قانوني معقد، يتداخل فيه الرياضي بالسياسي.
السيناريوهات المحتملة
في ظل هذا المشهد، يمكن رسم عدة سيناريوهات: استمرار المسابقة بشكل طبيعي مع احتواء الأزمة. تصاعد الخلاف وتأثيره على سير المباريات. تدخل دولي قد يؤدي إلى عقوبات أو تجميد النشاط. حل توافقي يعيد التوازن بين الجهات المعنية.
وعلى الرغم من كل التحديات، يبقى السداسي فرصة ذهبية لإعادة بريق الكرة الليبية، إذا ما جرى استثماره بشكل صحيح. فالمنافسة القوية، والحضور الجماهيري، والتغطية الإعلامية، كلها عوامل يمكن أن تسهم في إعادة الثقة بالمسابقة.
لكن في المقابل، فإن استمرار الأزمات قد يُفقد هذه الفرصة قيمتها، ويعيد الكرة الليبية إلى دائرة الاضطراب. وتقف الكرة الليبية اليوم أمام اختبار حقيقي، لا يتعلق فقط بتحديد بطل الدوري، بل بقدرتها على إدارة منظومتها بكفاءة وشفافية.
فإما أن يكون السداسي بداية لمرحلة جديدة من الاستقرار والتطوير، أو أن يتحول إلى عنوان جديد لأزمة ممتدة. وفي كل الأحوال، تبقى الأنظار موجهة إلى ما سيحدث داخل الملعب وخارجه.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة