تشهد الساحة الرياضية في السنوات الأخيرة تحولات مؤسفة داخل عديد الأندية، حيث بات بعض رؤساء الأندية يتصرفون وكأنهم مديرو شركات خاصة، يديرون شؤون الأندية بعقلية الفرد الواحد، متجاوزين بذلك القوانين واللوائح التي تنظم العمل الإداري داخل المؤسسات الرياضية.
وفي ظل هذا الواقع، أصبح الرئيس هو صاحب القرار الأول والأخير في التعاقد مع المدربين واللاعبين، من دون الرجوع إلى مجلس الإدارة أو الالتزام بالإجراءات القانونية، بل إن معارضة هذه القرارات قد تقابل أحيانا بالتهديد بالاستقالة، وترك النادي يواجه أزماته المالية، في مشهد يعكس خللا واضحا في مفهوم العمل الجماعي.
الحقيقة التي يجب أن يدركها الجميع أن رئيس النادي هو عضو ضمن مجلس الإدارة، لا يختلف عن غيره إلا في بعض الصلاحيات التنظيمية كترجيح كفة التصويت في حال تساوي الأصوات خلال الاجتماعات الرسمية مكتملة النصاب.
ومن هنا، فإن احترام الشرعية الانتخابية يفرض على جميع الأعضاء، بمن فيهم الرئيس، الالتزام بروح العمل المؤسسي، لا الانفراد بالقرار. وفي المقابل، تتحمل مجالس إدارات الأندية مسؤولية كبيرة في هذا التدهور، إذ إن بعض الأعضاء يكتفون بدور المتفرج، أو يوافقون على قرارات تتخذ خارج الإطار الرسمي، ما يفرغ وجودهم من مضمونه الحقيقي، فالعضو الذي يحترم ناديه وتاريخه لا يمكن أن يقبل أن يكون مجرد تابع، بل عليه أن يمارس دوره الرقابي والإداري بكل مسؤولية.
- للاطلاع على العدد «541» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ومن القضايا المثيرة للقلق أيضا لجوء بعض رؤساء الأندية إلى اتخاذ قرارات مالية كبيرة كإبرام عقود أو صرف مبالغ ضخمة، من دون الرجوع إلى مجلس الإدارة. وقد روى أحد اللاعبين الدوليين السابقين، الذي جرى انتخابه عضوا في مجلس إدارة أحد الأندية، أن رئيس النادي تعاقد مع شركة أجنبية لوضع شعارها على قمصان الفريق من دون عرض العقد على المجلس، بل ولم يستفد النادي من أي عائد مادي. وعند مناقشته بهذا الموضوع، أصر رئيس النادي علي موقفه، الأمر الذي دفع العضو إلى تقديم استقالته.
وفي سياق متصل، يمول بعض الرؤساء الأندية من أموالهم الخاصة، سواء في التعاقدات أو تجهيز الفرق، لكنهم لاحقا يستردون هذه الأموال من ميزانيات الأندية من دون وجود موافقات مسبقة أو توثيق قانوني، على الرغم أن هذه المصروفات قد تصل إلى ملايين الدنانير، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى مالية خطيرة.
هذا الوضع يستدعي تدخلا عاجلا من الجهات الرقابية، وعلى رأسها وزارة الرياضة، التي يبدو أنها على دراية بما يحدث، لكنها لم تتخذ خطوات حاسمة حتى الآن، لأن استمرار هذا الصمت قد يؤدي إلى تعميق الأزمات، وزيادة الديون التي تثقل كاهل الأندية، وتعيق أي محاولات للإصلاح.
ولعل التجارب الإقليمية تقدم نماذج جديرة بالاهتمام، حيث تفرض بعض الدول على رؤساء الأندية تعهدات قانونية بتحمل الديون القائمة تحت طائلة المساءلة، وهو ما يعزز من مبدأ المسؤولية، ويحد من التجاوزات.
- للاطلاع على العدد «541» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
إن الاحتراف، الذي كان من المفترض أن يطور المؤسسات الرياضية، تحول في بعض الحالات إلى وسيلة لتحقيق مصالح شخصية، بل وفتح المجال أمام ممارسات غير قانونية. لذلك، قد يكون من الضروري إعادة النظر في هذا النظام مؤقتا إلى حين إعادة ترتيب البيت الرياضي وفق أسس مالية وإدارية واضحة.
إن الأندية الرياضية لم تكن يوما مجرد كيانات تنافسية، بل كانت منارات رياضية وثقافية واجتماعية تسهم في بناء الإنسان وخدمة المجتمع. وبين واقع اليوم وذاكرة الأمس، تبقى الحاجة ملحة لإعادة إحياء روح العمل المؤسسي، وترسيخ مبادئ الشفافية والديمقراطية، حتى تستعيد الأندية دورها الحقيقي، وتعود كما كانت فضاءات تصنع الأمل وتخدم الوطن.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة