آخر الأخبار

حوض مائي هائل تحت صحراء ليبيا.. ثروة استراتيجية مهددة بالاستنزاف - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

خزان مائي عابر للحدود يفرض تعاونًا مغاربيًا عاجلًا

الحوض الصحراوي الشمالي.. ثروة مائية تحت الأرض تواجه اختبار الاستدامة

في عمق الصحراء الكبرى، بعيدًا عن الأنهار والبحيرات ومصادر المياه السطحية المنتظمة، تختزن طبقات الصخور الرسوبية واحدة من أبرز الثروات الطبيعية التي تتقاسمها ليبيا والجزائر وتونس. إنه نظام مائي جوفي واسع الامتداد، تشكل عبر أزمنة جيولوجية طويلة، وأصبح موردًا حيويًا لمجتمعات تعيش في واحدة من أكثر مناطق العالم جفافًا.

وتكمن أهمية هذا الحوض بالنسبة إلى ليبيا بصورة خاصة في ارتباط المياه الجوفية بحياة السكان والزراعة والواحات والأنشطة الاقتصادية في مناطق واسعة من البلاد، حيث تمثل الموارد الجوفية عنصرًا أساسيًا في مواجهة محدودية المياه السطحية وارتفاع الطلب على المياه.

مصدر الصورة وصول المياه إلى خزان السبعة تمهيدًا لتشغيل منظومة الإمداد غرب سرت

مياه تشكلت عبر عصور جيولوجية

يتكون النظام المائي الصحراوي الشمالي من طبقات رسوبية تراكمت خلال فترات جيولوجية متعاقبة، قبل أن تعمل الصخور المسامية، وفي مقدمتها الحجر الرملي، على تخزين كميات كبيرة من المياه داخلها.

وتضم المنظومة طبقتين رئيسيتين معروفتين باسم المتداخل القاري والمركب النهائي، وهما جزء من منظومة جيولوجية ومائية معقدة تمتد عبر الحدود السياسية للدول الثلاث.

وتشير الدراسات إلى أن جزءًا مهمًا من المياه الموجودة في هذه الطبقات يعود إلى فترات مطيرة قديمة خلال العصر الرباعي، عندما كانت الظروف المناخية في شمال أفريقيا أكثر رطوبة مما هي عليه اليوم.

وهذا التاريخ الجيولوجي يمنح المياه قيمة استراتيجية، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن تحدٍ جوهري؛ فجزء كبير منها يعد مياهًا أحفورية بطيئة التجدد، ما يعني أن معدلات تعويضها الطبيعي محدودة للغاية مقارنة بسرعة استخدامها البشري.

ليبيا في قلب منظومة عابرة للحدود

تمتد المنظومة المائية على مساحة تقارب مليون كيلومتر مربع، وفق التقديرات الواردة في المادة، موزعة بين الجزائر وليبيا وتونس، مع وجود النصيب الأكبر داخل الأراضي الجزائرية، ومساحات واسعة داخل ليبيا، إضافة إلى امتداد في تونس.

وبالنسبة إلى ليبيا، لا يمكن النظر إلى هذه المياه باعتبارها موردًا محليًا منفصلًا عن محيطه الجغرافي؛ فطبيعة الحوض الجوفية تجعل حركة المياه وتأثير عمليات الضخ مرتبطة بمنظومة طبيعية تتجاوز الحدود السياسية.

وتستخدم المياه الجوفية في مجالات متعددة، من بينها توفير مياه الشرب، ودعم الزراعة، والحفاظ على الواحات، وتلبية احتياجات الأنشطة الاقتصادية المختلفة. وفي المناطق الصحراوية، لا تقتصر قيمة المياه على كونها موردًا طبيعيًا، بل ترتبط مباشرة باستقرار السكان واستمرار النشاط الزراعي والعمراني.

مصدر الصورة اتفاق ليبيا وتونس والجزائر لإدارة الخزان الجوفي الصحراوي يؤسس لتعاون مائي إقليمي يهدف لضبط استغلال المياه الأحفورية وحماية الأمن الغذائي في شمال أفريقيا.

الثروة المائية والاقتصاد.. معادلة دقيقة

تقدر بعض التقديرات المنشورة مخزونات المنظومة بنحو 60 ألف مليار متر مكعب، وهو رقم يعكس الحجم الاستثنائي لهذا المورد الطبيعي. غير أن ضخامة المخزون لا تعني بالضرورة إمكانية استغلاله بلا حدود.

فالاقتصاد الذي يعتمد على المياه الجوفية يحتاج إلى موازنة دقيقة بين احتياجات السكان والزراعة والتنمية من جهة، والقدرة الطبيعية للخزان على التجدد من جهة أخرى. ومع محدودية التجدد الطبيعي، يمكن أن يؤدي ارتفاع معدلات السحب إلى تراجع مناسيب المياه، وزيادة كلفة استخراجها، وظهور ضغوط بيئية واقتصادية متراكمة.

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع اتساع الطلب على المياه في المناطق الصحراوية، سواء نتيجة النمو السكاني أو التوسع الزراعي أو ارتفاع الاحتياجات المرتبطة بالنشاط الاقتصادي.

خطر لا يظهر سريعًا

تكمن خطورة استنزاف المياه الجوفية في طبيعتها غير المرئية. فالتراجع في الخزان يحدث تحت سطح الأرض، وقد لا يكون واضحًا للسكان بالسرعة نفسها التي تظهر بها آثار نقص المياه السطحية.

ومع استمرار الضخ بمعدلات تتجاوز قدرة التجدد، قد تتراكم الآثار على المدى الطويل، فتزداد أعماق الآبار، وترتفع تكاليف تشغيل منظومات الضخ، وتتراجع قدرة بعض المناطق على الاعتماد على المورد نفسه.

ومن هنا يصبح الحفاظ على الحوض قضية بيئية واقتصادية واجتماعية وأمنية في آن واحد، لأن المياه ترتبط مباشرة بالأمن المائي والغذائي واستقرار المجتمعات الصحراوية واستمرارية النشاط الزراعي.

مصدر الصورة

إدارة مشتركة بدل الاستغلال المنفرد

كون الحوض عابرًا للحدود يجعل إدارة موارده مسؤولية مشتركة بين ليبيا والجزائر وتونس. فالتحدي لا يتعلق فقط بحجم المياه الموجودة، وإنما بكيفية توزيع استخدامها ومراقبة معدلات الضخ وقياس التغيرات في مناسيب المياه وتحسين تبادل البيانات العلمية.

ويبرز التعاون الإقليمي بوصفه ضرورة عملية لضمان استدامة المورد، خصوصًا أن القرارات المتعلقة باستخدام المياه داخل دولة واحدة يمكن أن تكون لها انعكاسات على منظومة مائية تمتد إلى دول أخرى.

ومن منظور ليبي، فإن بناء سياسات أكثر دقة للمياه الجوفية يتطلب الجمع بين البحث العلمي والتخطيط الاقتصادي والرقابة البيئية، مع اعتماد بيانات حديثة تسمح بتحديد معدلات السحب الآمنة ومراقبة حالة الخزان بصورة مستمرة.

ثروة تحتاج إلى حساب المستقبل

الحوض الصحراوي الشمالي يمثل مثالًا واضحًا على أن الثروات الطبيعية لا تقاس بحجمها فقط، بل بقدرة الأجيال على الحفاظ عليها. فالمياه المخزنة منذ عصور جيولوجية قد تكون قادرة على دعم التنمية، لكنها ليست موردًا متجددًا بالسرعة التي تسمح بافتراض أنها غير قابلة للنفاد.

وبين احتياجات التنمية وضرورات حماية البيئة، تقف دول شمال أفريقيا أمام معادلة تتطلب إدارة أكثر تكاملًا للمياه الجوفية. وبالنسبة إلى ليبيا، فإن حماية هذا المورد تعني حماية جزء أساسي من مستقبل مناطقها الصحراوية، وتأمين قاعدة مائية للزراعة والسكان والواحات، مع تجنب تحويل الوفرة الجوفية الظاهرة إلى أزمة مائية مؤجلة.

وفي النهاية، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الخزان في كمية المياه التي تختزنها الصخور فقط، بل في قدرة الدول المعنية على تحويل المعرفة العلمية إلى سياسات رشيدة تمنع الاستنزاف وتحافظ على المورد لأطول فترة ممكنة.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

الأكثر تداولا إيران أمريكا دونالد ترامب

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا