تشهد مناطق من شمال غرب ليبيا حالة من الترقب الجوي مع توقعات بتقلبات قد تترافق مع أمطار رعدية متوسطة إلى غزيرة ونشاط في الرياح، وسط تحذيرات من مخاطر جريان الأودية وتجمع المياه في المناطق المنخفضة، فيما تتابع الجهات المختصة تطورات الحالة ومسار منخفض جوي مرشح للتأثير في ليبيا وتونس خلال الفترة المقبلة.
وتتركز المخاوف بصورة خاصة على مناطق الساحل الغربي وسهل الجفارة والجبل الغربي، وبينها زوارة والجميل ورقدالين وزلطن والمناطق المحيطة بها، مع التأكيد على أن نطاق التأثير وشدته وتوقيته تظل مرتبطة بتطور الحالة الجوية والتحديثات المتلاحقة لنماذج التنبؤ.
وبحسب المعطيات التي أوردتها وزارة البيئة بالحكومة الليبية، فإن منخفضًا جويًا أطلسيًا يتقدم من جهة الصحراء الكبرى باتجاه البحر المتوسط، مع احتمال بدء تأثيراته على أجزاء من الساحل الغربي والجبل الغربي وشرق تونس، مصحوبة بفرص لأمطار غزيرة أحيانًا وخلايا رعدية ونشاط ملحوظ في الرياح.
ومع وصول المنخفض إلى البحر المتوسط، قد تؤدي حرارة مياه البحر وارتفاع معدلات التبخر وتوفر الرطوبة إلى إمداده بطاقة إضافية تساعد على تعمقه وتطور بنيته، مع احتمال اكتسابه بعض الخصائص شبه الاستوائية، وفق السيناريو المطروح في التقرير.
لكن مساره النهائي لا يزال غير محسوم. وتشير الاحتمالات إلى إمكانية تحركه نحو وسط وشمال المتوسط، أو انحرافه باتجاه إيطاليا وصقلية، مع بقاء احتمال تقدمه شرقًا نحو اليونان وتركيا، في حين يبقى سيناريو ضعفه وتلاشيه فوق البحر المتوسط قائمًا إذا واجه ظروفًا جوية غير مواتية.
وبالنسبة إلى الساحل الشرقي الليبي، قد تكون فرص الأمطار المباشرة أقل إذا اتجه مركز المنخفض إلى شمال وشرق المتوسط، إلا أن ذلك لا يعني انتفاء التأثيرات، إذ يمكن أن تتأثر المنطقة برياح قوية واضطراب في حالة البحر، تبعًا للمسار الذي سيتخذه المنخفض خلال الأيام المقبلة.
وفي المقابل، أشار خبير الأرصاد الجوية علي بوخريص إلى أن درجات الحرارة مرشحة للانخفاض خلال الأيام المقبلة، على أن يكون التراجع واضحًا في مناطق غرب ليبيا شمالًا وجنوبًا، بينما تبقى فرص الأمطار الحالية متفرقة وعادية، مع إمكانية امتدادها خلال اليومين التاليين إلى سهل بنغازي ومناطق الجبل الأخضر.
بوخريص قلل من المخاوف المتداولة بشأن احتمال تعرض البلاد لظروف جوية شديدة، مؤكدًا عدم وجود مؤشرات لديه على رياح قوية أو أوضاع جوية مخيفة في الوقت الراهن، ومحذرًا من المبالغة التي تتضمنها بعض المنشورات المتداولة عبر منصات التواصل الاجتماعي.
كما أوضح أن ارتفاع حرارة مياه البحر خلال العام الجاري أدى إلى زيادة الرطوبة، لكنه عامل معروف لا يعني بمفرده نشوء ظواهر جوية خطيرة، مشيرًا إلى أن فرص الأمطار الأفضل قد تظهر بعد نحو ثمانية إلى عشرة أيام، مع استمرار الحاجة إلى متابعة التفاصيل قبل تثبيت السيناريوهات.
وفي المقابل، تتضمن بعض مخرجات النماذج العددية تقديرات أكثر ارتفاعًا لكميات الهطول في غرب سهل الجفارة خلال الأربع والعشرين ساعة المقبلة، مع تداول توقعات تصل إلى نحو 200 مليمتر في مناطق زوارة ومحيطها والجميل ورقدالين وزلطن.
وتبرز هنا أهمية التعامل مع الأرقام المتداولة باعتبارها تقديرات نموذجية قابلة للتغير، لا قياسات مؤكدة للهطول الفعلي، خصوصًا في الحالات التي تتسم بخلايا رعدية وتفاوت مكاني وزمني كبير في كميات الأمطار.
وقال بيان وزارة البيئة بالحكومة الليبية إن خريف العام الحالي قد يختلف عن المواسم السابقة، في ضوء الارتفاع الملحوظ في درجات حرارة سطح البحر عن معدلاتها الطبيعية، بالتزامن مع ارتفاع مستويات الرطوبة في الغلاف الجوي.
وأوضح البيان أن حرارة البحر المرتفعة والرطوبة يمكن أن توفر قدرًا أكبر من الطاقة وبخار الماء اللازمين لتشكل السحب والعواصف والأمطار الغزيرة عندما تتوافر بقية الظروف الجوية الملائمة، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن هذه المؤشرات لا تعني بالضرورة أن الخريف سيكون أكثر تطرفًا في جميع المناطق.
ويؤكد هذا الطرح أن مراقبة عناصر المناخ والطقس لا تستهدف إثارة المخاوف، وإنما تحسين القدرة على الاستعداد المبكر أمام حالات قد تتغير شدتها ومساراتها بسرعة.
وتتجاوز مخاطر الأمطار الغزيرة حدود الظاهرة الجوية نفسها؛ فكمية الهطول وحدها لا تحدد حجم الضرر، إذ تتداخل معها طبيعة التضاريس، وقدرة شبكات التصريف، ونظافة المصارف، وامتلاء الأودية، وكفاءة الطرق والمنشآت، ومدى استعداد فرق الطوارئ.
ومن هنا دعت وزارة البيئة إلى رفع مستوى الجاهزية، خصوصًا عبر مراقبة السدود ومنشآت تخزين وتصريف مياه الأمطار والتأكد من سلامتها، وتنظيف مجاري الأودية ومصارف المياه وإزالة العوائق التي يمكن أن تعرقل حركة السيول.
كما شددت على أهمية بقاء فرق الطوارئ والجهات المختصة في حالة استعداد دائم، وتعزيز التنسيق وسرعة الاستجابة عند صدور التحذيرات، بما يقلل احتمالات الخسائر البشرية والمادية.
وزارة البيئة دعت الجهات المعنية إلى تطوير التحذيرات من مجرد عرض عام للتوقعات إلى معلومات إنذار مبكر قابلة للاستخدام في اتخاذ القرار.
وتشمل هذه المعلومات تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، وفترات بداية التأثير ونهايته، وساعات الذروة، وكميات الأمطار ومدد الهطول وتوزيعها المكاني، إضافة إلى تحديد الأحواض ومجاري الأودية والمناطق المنخفضة المعرضة للجريان أو تجمع المياه.
كما شددت الوزارة على ضرورة توضيح التأثيرات المحتملة على الطرق والمساكن والمنشآت والخدمات الأساسية، وتصنيف مستوى الخطر ودرجة الثقة في التوقعات، مع توضيح ما يمكن أن يتغير عند صدور تحديثات جديدة، وتحديد الإجراءات المطلوبة من المواطنين والبلديات والجهات الخدمية وتوقيت تنفيذها.
وترى الوزارة أن التنبؤ بالظاهرة الجوية ليس نهاية سلسلة الإنذار، بل بدايتها؛ إذ تصبح المعلومة الجوية ذات قيمة عملية عندما تتحول إلى تقدير للمخاطر والتأثيرات، ثم إلى قرار وإجراء في المكان والوقت المناسبين.
وفي ظل هذه المعطيات، تتقاطع مسؤولية المؤسسات مع سلوك المواطنين. فقد دعت الجهات المختصة إلى عدم عبور الأودية ومجاري السيول، والابتعاد عن المناطق المنخفضة وأماكن تجمع المياه، وعدم إيقاف المركبات أو التجمع في النقاط المعرضة للخطر.
كما تشمل الاستعدادات تنظيف قنوات تصريف مياه الأمطار حول المنازل والمرافق، وتجهيز المركبات ومعدات الطوارئ وحقيبة الإسعافات الأولية، وشحن الهواتف وتوفير مصادر للإضاءة، وحفظ أرقام الطوارئ والجهات المختصة.
وتشمل الإجراءات الوقائية أيضًا نقل الحيوانات والمواشي مبكرًا من المناطق المحتمل تعرضها للسيول إلى أماكن آمنة ومرتفعة.
وفي السياق ذاته، دعت وزارة البيئة البلديات والجهات المحلية والخدمية إلى مراجعة جاهزية شبكات تصريف مياه الأمطار، ومراقبة الأودية والنقاط الحرجة، وتجهيز فرق الطوارئ والمعدات، والاستعداد لاتخاذ إجراءات مثل تقييد الحركة أو إغلاق الطرق في المواقع التي قد تصبح خطرة.
وبين تقديرات تشير إلى أمطار غزيرة محتملة وتقديرات أخرى تقلل من احتمالات الظروف الاستثنائية، تبدو الرسالة الأهم بالنسبة إلى المدن الليبية هي ضرورة الفصل بين التحذير العلمي والتهويل عبر منصات التواصل الاجتماعي.
فالخطر لا يُقاس فقط بأعلى رقم تتداوله النماذج، وإنما بمدى ثباته عبر التحديثات، ومكان سقوط المطر، ومدة الهطول، وقدرة الأرض وشبكات التصريف على استيعابه.
وفي بلد شهد خلال السنوات الأخيرة آثارًا قاسية لسيول وفيضانات، تصبح الجاهزية المبكرة إجراءً وقائيًا لا مبالغة فيه، بينما يظل الاعتماد على النشرات الرسمية والتحديثات المتخصصة هو المسار الأكثر أمانًا لاتخاذ القرار.
وتبقى غرفة العمليات المركزية بالهلال الأحمر الليبي، إلى جانب البلديات والأجهزة الخدمية وفرق الطوارئ، جزءًا أساسيًا من منظومة الاستجابة، مع أهمية استمرار التنسيق بينها وبين الجهات المعنية بالأرصاد والبيئة.
وفي النهاية، فإن اختبار الحالة الجوية المقبلة لا يتعلق فقط بما إذا كانت الأمطار ستصل إلى مستويات قياسية، بل بقدرة المدن الليبية على تحويل التحذير إلى استعداد، والاستعداد إلى إجراء، والإجراء إلى حماية للأرواح والممتلكات.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤