لم تعد الأسواق الشعبية في بنغازي مجرد وجهة لتوفير السلع بأسعار أقل، بل أصبحت مرآة مباشرة للضغوط الاقتصادية التي يعيشها المواطن الليبي، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية وتحول السعر إلى العامل الأكثر تأثيرًا في قرارات الأسر.
المشهد داخل الأسواق قد يوحي باستمرار الحركة، لكن خلف هذا الازدحام اقتصاد مختلف؛ مواطنون يقارنون الأسعار قبل الشراء، يتفاوضون على كل سلعة، يقلصون الكميات، ويتخلون عن بعض الاحتياجات غير الأساسية، بينما يحاول التجار الحفاظ على نشاطهم في سوق تتراجع فيه قدرة المستهلك على الإنفاق.
وبينما تبدو الأسواق الشعبية أكثر قدرة على الصمود من بعض الأنشطة التجارية الأخرى، فإن استمرار الحركة فيها لا يمكن قراءته باعتباره دليلًا على انتعاش اقتصادي. فالمواطن موجود، لكنه ينفق بحذر، ويشتري وفق ما تسمح به قدرته المالية لا وفق احتياجاته الكاملة.
ويكشف واقع التسوق في بنغازي عن تحول واضح في سلوك المستهلك الليبي. فالمعيار الذي كان يجمع بين الجودة والسعر والتنوع أصبح أكثر ارتباطًا بالسعر والقدرة على الدفع.
ويجد المواطن في الأسواق الشعبية مساحة أفضل للتفاوض والحصول على بدائل أقل تكلفة، وهو ما يفسر استمرار الإقبال عليها، لكنه في الوقت نفسه يكشف حجم الضغط الواقع على ميزانيات الأسر.
ويقول متسوقون إن ارتفاع أسعار السلع أدى إلى انخفاض حجم المشتريات، فيما باتت بعض المحال التجارية خارج الأسواق الشعبية تعاني ضعف الإقبال، نتيجة توجه المستهلك نحو الأماكن التي تمنحه خيارات أوسع وأسعارًا أكثر مرونة.
المعادلة باتت واضحة: المواطن لم يتوقف عن الشراء، لكنه خفض ما يشتريه.
ويبرز سوق «المصرية» باعتباره أحد النماذج المعروفة للأسواق الشعبية في بنغازي، حيث ارتبطت تسميته تاريخيًا بوجود أعداد كبيرة من العمالة المصرية التي كانت تعمل فيه.
ويستقطب السوق سكانًا من أحياء مختلفة داخل بنغازي، إلى جانب متسوقين من مناطق ومدن مجاورة، بفضل تنوع الأنشطة والسلع المعروضة، التي تشمل المواد الغذائية والمنظفات والمستلزمات المنزلية والملابس والأقمشة وغيرها.
ويشير عاملون في السوق إلى أن التفاوض على الأسعار يمثل أحد أسباب استمرار الإقبال، إلى جانب العلاقات التجارية التي تراكمت بين التجار والزبائن على مدى سنوات.
لكن السوق لا يعمل بكامل طاقته طوال الوقت. فالركود الجزئي حاضر، بينما ترتفع حركة البيع في الأعياد والمواسم والمناسبات، عندما تتوسع قائمة احتياجات الأسر ويزداد الطلب على السلع.
فالسوق المكتظة لا تعني بالضرورة أن الاقتصاد يتحسن، وقد يكون الازدحام في بعض الحالات نتيجة مباشرة للأزمة نفسها؛ إذ يتجه المواطن إلى الأسواق الشعبية لأنه يبحث عن السعر الأقل والبديل الأرخص.
ولهذا، فإن قياس النشاط التجاري يحتاج إلى النظر إلى ثلاثة مؤشرات في وقت واحد: عدد المتسوقين، ومتوسط قيمة مشتريات الفرد، وحجم السلع التي يشتريها.
وعندما يزداد عدد المتسوقين بينما تتراجع قيمة مشترياتهم، فإن صورة الازدحام تصبح مضللة إذا جرى استخدامها وحدها للحكم على مستوى القوة الشرائية.
وهنا تظهر المشكلة الأساسية: السوق تعمل، لكن جيب المواطن يعمل بقدرة أقل.
منذ عام 2015، مر الاقتصاد الليبي بسلسلة من التحولات التي انعكست بصورة مباشرة على سلوك الأسر، بدءًا من تقلبات سعر الصرف ونقص السيولة، مرورًا بارتفاع تكاليف الاستيراد، وصولًا إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
هذه المتغيرات لم تبقَ في مستوى المؤشرات الاقتصادية العامة، بل انتقلت إلى تفاصيل الحياة اليومية.
المستهلك أصبح أكثر اهتمامًا بمقارنة الأسعار، وأكثر استخدامًا للمساومة، وأقل استعدادًا لشراء كميات كبيرة، بينما اتجه بعض المواطنين إلى السلع المحلية أو البدائل الأرخص، وتخلت أسر أخرى عن بعض المنتجات غير الضرورية.
وبذلك لم يعد السؤال الأساسي لدى كثير من الأسر: ماذا أريد أن أشتري؟ بل أصبح: ماذا أستطيع أن أشتري؟
وتشير القراءة الاقتصادية للمشهد إلى أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط بعامل واحد، بل ينتج عن سلسلة متشابكة تبدأ من سعر الصرف وتكاليف الاستيراد، وتمتد إلى النقل والتخزين وهوامش الوسطاء، فضلًا عن حركة العرض والطلب.
وهذا يعني أن التاجر في السوق النهائية ليس بالضرورة الحلقة الوحيدة المسؤولة عن السعر الذي يدفعه المستهلك.
لكن المواطن لا يرى هذه السلسلة عندما يقف أمام السلعة؛ ما يراه هو السعر النهائي، وما يشعر به هو أثره على دخله وميزانية أسرته.
ومع تكرار الزيادات، يصبح المستهلك أكثر حساسية لأي تغير سعري، حتى في السلع التي كان يعتبرها اعتيادية أو منخفضة التكلفة.
الاقتصاد الشعبي في بنغازي يعكس أزمة مزدوجة.
المواطن يريد أسعارًا أقل لأنه يواجه قدرة شرائية محدودة، والتاجر يريد هامشًا يسمح له بالاستمرار لأنه يواجه بدوره تكاليف شراء ونقل وتخزين متزايدة.
وبين الطرفين تتحرك السوق وفق معادلة صعبة؛ كلما ارتفعت التكلفة، ارتفع السعر، وكلما ارتفع السعر، تراجعت قدرة المواطن على الشراء، وكلما تراجعت المبيعات، زادت صعوبة الحفاظ على النشاط التجاري.
وهذه الدائرة تفسر جانبًا من الركود النسبي الذي تشهده بعض الأنشطة، رغم بقاء الأسواق الشعبية أكثر قدرة على جذب المتسوقين.
أهمية الأسواق الشعبية لا تنبع فقط من كونها توفر سلعًا بأسعار متفاوتة، وإنما من كونها تمثل إحدى المساحات التي يستطيع المواطن من خلالها التعامل مع ضغوط الأسعار بمرونة أكبر.
لكن استمرارها في العمل لا يجب أن يحجب السؤال الأوسع حول القوة الشرائية للمواطن الليبي.
فالأسواق قد تبقى مزدحمة، والتجار قد يواصلون البيع، لكن ذلك لا يعني أن الأسر تعيش وضعًا اقتصاديًا أفضل.
المؤشر الأهم هو ما يستطيع المواطن شراءه فعليًا بدخله.
وفي بنغازي، كما في مدن ليبية أخرى، تبدو هذه الحقيقة واضحة في تفاصيل صغيرة تتكرر يوميًا: مفاوضة أطول على السعر، كميات أقل في سلة المشتريات، البحث عن بديل أرخص، وتأجيل سلع يمكن الاستغناء عنها.
هذه ليست مجرد تغيرات في عادات التسوق، بل إشارات إلى تحول أعمق في الاقتصاد الأسري.
وبالنسبة إلى «ليبيا 24»، فإن قراءة المشهد من زاوية المواطن تكشف أن استمرار الأسواق الشعبية يمثل جانبًا من قدرة المجتمع على التكيف، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لتجاهل الضغوط المعيشية المتزايدة.
فالأسواق الشعبية تؤدي وظيفة اقتصادية واجتماعية مهمة، والتجار جزء من الدورة الاقتصادية المحلية، لكن حماية المستهلك وتحسين قدرته الشرائية تظل القضية الأهم.
والمواطن الذي يبحث عن الأرخص ليس بالضرورة مستهلكًا أكثر وعيًا اقتصاديًا فحسب؛ قد يكون ببساطة مواطنًا اضطر إلى تغيير عاداته لأن دخله لم يعد يواكب تكاليف الحياة.
وبينما تستمر الحركة التجارية في أسواق بنغازي، يبقى السؤال الحقيقي خارج أبواب السوق: هل تتحسن قدرة المواطن على الشراء، أم أن الأسواق أصبحت مزدحمة لأن الليبيين يبحثون عن طرق جديدة للتعايش مع الغلاء؟
الإجابة لا تحددها أعداد المتسوقين وحدها، وإنما يحددها حجم ما يستطيع المواطن شراءه، وقيمة دخله الحقيقية، واستقرار الأسعار، وقدرة الاقتصاد المحلي على توفير بيئة تسمح للتاجر بالاستمرار وللمواطن بالحصول على احتياجاته دون أن تتحول كل عملية شراء إلى معركة تفاوض مع الأسعار.
وهنا تصبح الأسواق الشعبية أكثر من مجرد أماكن للبيع والشراء؛ إنها مؤشر يومي على واقع المواطن، وعلى حجم الفجوة بين ما يحتاجه وما يستطيع دفع ثمنه.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤