تتجدد أزمة المحروقات في ليبيا رغم الإعلان عن توزيع أكثر من 200 مليون لتر من البنزين والديزل خلال أسبوع واحد، في مشهد يعكس اتساع الفجوة بين ما تقوله البيانات الرسمية وما يواجهه المواطن يومياً أمام محطات الوقود.
وتشير البيانات المعلنة عن الفترة الممتدة من 15 إلى 22 أغسطس إلى توزيع 97 مليون لتر من البنزين و107 ملايين لتر من الديزل. وبحساب افتراضي يستند إلى متوسط تعبئة قدره 60 لتراً للسيارة، فإن كمية البنزين المعلنة تكفي لتزويد نحو 1.62 مليون سيارة، مقابل نحو 2.5 مليون سيارة يقدر عددها في ليبيا.
أما الديزل، فوفق افتراض حصول كل سيارة على 400 لتر، فإن الكمية المعلنة تعادل احتياجات نحو 267.5 ألف سيارة. وهذه الحسابات لا تشكل وحدها دليلاً على وجود مخالفات، لكنها تضع سؤالاً مركزياً أمام الجهات المعنية: كيف يمكن تفسير استمرار النقص والطوابير في ظل هذه الكميات المعلنة؟
ويرى المحلل الاقتصادي والإعلامي علي المحمودي أن الأرقام المعلنة لا تعكس بالضرورة ما يصل فعلياً إلى المواطن، مرجحاً تسرب جزء من الإمدادات إلى السوق الموازية وتهريبها، خصوصاً مع استمرار الطوابير وارتفاع أسعار الوقود خارج القنوات الرسمية.
من هنا يعود ملف الدعم إلى واجهة النقاش الاقتصادي. فالمشكلة، وفق الطرح الذي قدمه المحمودي، لن تنتهي بمجرد زيادة الكميات، ما لم تتم إعادة النظر في آلية الدعم نفسها، بحيث ينتقل أثره مباشرة إلى المواطن بدلاً من أن يبقى منفذاً للتسرب والتهريب والاستفادة غير المشروعة.
وتزداد حدة المفارقة مع الحديث عن إنفاق يقارب 50 مليار دينار على المحروقات، في وقت يواجه فيه المواطن نقص البنزين والديزل وانقطاعات الكهرباء، بينما تتعطل منظومة النهر الصناعي في بعض الفترات وتتجاوز ساعات طرح الأحمال 24 ساعة في بعض المناطق، وفق ما أورده المحمودي.
ويشير الطرح إلى أن المؤسسة الوطنية للنفط أنفقت نحو 38 مليار دينار على توريد المحروقات، إضافة إلى أكثر من 10 مليارات دينار على تكريرها محلياً، ما يفرض، بحسب هذا التقييم، تدقيقاً أكثر صرامة في مسار الأموال والكميات، من لحظة التوريد والتكرير حتى وصول الوقود إلى المحطات والمستهلك النهائي.
أزمة المحروقات تكشف فجوة بين أرقام التوريد وواقع السوق الليبية
تكشف أزمة الديزل بصورة خاصة التناقض بين حجم الإمدادات المعلنة وواقع السوق.
فالسعر الرسمي للتر الديزل يبلغ 0.15 دينار، بينما يقول المحمودي إن السعر في السوق الموازية وصل إلى نحو 9 دنانير للتر، مع شبه انعدام للوقود في مناطق مختلفة من ليبيا منذ أشهر.
وتشير تقديراته إلى أن شركة الكهرباء تستهلك قرابة 60 في المئة من كميات الديزل الموزعة، بينما يذهب الباقي إلى النقل والاستخدامات التجارية. غير أن استمرار انقطاع الكهرباء وعدم تشغيل الشبكة بكامل طاقتها يثير تساؤلاً حول العلاقة بين استهلاك الوقود المعلن وحجم الإنتاج الفعلي للطاقة.
وتظهر بيانات الكميات الموزعة محلياً خلال أربعة أشهر ارتفاعاً كبيراً في الإمدادات، إذ بلغت 645 مليون لتر في أبريل، و526.9 مليون لتر في مايو، و880.9 مليون لتر في يونيو، و776.3 مليون لتر في يوليو، بإجمالي 2.829 مليار لتر.
وفي المقابل، تستمر طوابير الشاحنات أمام محطات الوقود، الأمر الذي أدى إلى تعطيل حركة نقل البضائع وإرباك أنشطة تجارية تعتمد على الديزل.
وهنا يبرز السؤال الذي طرحه المحمودي: إذا كانت بيانات المؤسسة الوطنية للنفط تظهر زيادة في توريد وتكرير الديزل، بينما تعاني السوق المحلية نقصاً حاداً، فأين تذهب هذه الكميات؟
الإجابة لا يمكن أن تستند إلى التخمين، بل تحتاج إلى نظام تتبع معلن ومستقل يوضح الكميات المستلمة والمخزنة والموزعة والمستهلكة، مع تحديد نقاط الفقد والتسرب إن وجدت.
وتتصل أزمة المحروقات بجدل أوسع بشأن إدارة الموارد العامة والبيانات الاقتصادية التي تقدم للرأي العام وللمؤسسات الدولية.
وينتقد المحمودي ما وصفه بعدم حداثة ودقة جزء كبير من البيانات التي عرضت خلال جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا، معتبراً أن الاعتماد على بيانات مؤسسات ليبية محل انتقاد يضعف صورة الواقع الاقتصادي أمام المجتمع الدولي.
ومن بين الأرقام التي أثارت النقاش الحديث عن ارتفاع الإيرادات إلى نحو 3.5 مليارات دولار شهرياً مقارنة بنحو 1.34 مليار دولار سابقاً، إلى جانب إجراءات تتعلق ببيع النقد الأجنبي لصغار التجار بسقف يصل إلى 100 ألف دولار، وتعزيز الرقابة على صرف المرتبات.
غير أن المشكلة، وفق المحمودي، تكمن في أن هذه الأرقام والإجراءات لا تنعكس بالقدر نفسه على حياة المواطن، الذي لا يزال يواجه الوقود والكهرباء والسيولة وسعر الصرف باعتبارها أزمات يومية.
كما أثار تضارب التصريحات حول ما وصف بـ«الإنفاق الموازي» تساؤلات بشأن حجم الإنفاق الحكومي الحقيقي في ليبيا، ولماذا يستخدم هذا الوصف في ظل تمويل الإنفاق عبر مصرف ليبيا المركزي الموحد، مطالباً المصرف بإعلان رقم واضح ومحدث لإجمالي الإنفاق الحكومي في مختلف أنحاء البلاد.
وتزداد حساسية الملف مع الأرقام المتعلقة بعائدات النفط والتحويلات المالية بين المؤسسات.
وبحسب تحليلات استند إليها المحمودي إلى بيانات وردت في تقرير ديوان المحاسبة، باعت المؤسسة الوطنية للنفط ما قيمته 18.7 مليار دولار من النفط، وأحالت 15.7 مليار دولار إلى المصرف الخارجي، فيما أحال المصرف الخارجي 11.1 مليار دولار إلى مصرف ليبيا المركزي.
ويشير هذا التسلسل، وفق القراءة المطروحة، إلى فجوة تقارب ملياري دولار تحتاج إلى تفسير مالي واضح ومعلن، خصوصاً أن النفط يمثل المصدر الأساسي للدخل العام في ليبيا.
وفي هذا السياق، يذهب المحمودي إلى أن المسؤول الذي تثبت التحقيقات فساده أو تورطه في الإضرار بالمال العام يجب ألا ينتقل ببساطة من منصب إلى آخر أو يحصل على موقع دبلوماسي، وإنما ينبغي أن يخضع للمحاسبة العلنية وفق القانون.
ويطرح في الوقت ذاته قراءة أكثر تشاؤماً للمشهد، مفادها أن استمرار تدوير الشخصيات داخل المنظومة نفسها قد يجعل الإصلاح محدود الأثر إذا لم تتغير قواعد الإدارة والرقابة والمساءلة.
وفي ملف آخر، انتقد المحمودي طريقة تقديم الحديث عن تحقيق ليبيا فائضاً تجارياً بنحو 6.2 مليار دولار حتى يوليو.
فالفائض التجاري، وفق الأرقام التي استند إليها، يبلغ 6.256 مليار دولار نتيجة صادرات بقيمة 17.8 مليار دولار مقابل واردات بقيمة 11.6 مليار دولار.
لكن الفائض التجاري لا يعني دخول 6 مليارات دولار إضافية إلى خزينة الدولة، ولا يمثل أرباحاً حققتها الحكومة. كما أن الجزء الأكبر من الصادرات الليبية يعتمد على النفط، ما يجعل ارتفاع قيمة الصادرات مرتبطاً بصورة كبيرة بأسعار الخام، وليس بالضرورة بزيادة الإنتاج أو نجاح سياسات تنويع الاقتصاد.
ومن ثم فإن السؤال الاقتصادي الأكثر أهمية، وفق هذا الطرح، هو ما إذا كانت الصادرات غير النفطية قد ارتفعت فعلاً، لأن نجاح الاقتصاد لا يقاس ببريق الأرقام الإجمالية وحدها، وإنما بقدرته على تنويع مصادر الدخل وخلق قطاعات إنتاجية مستقرة.
ويمتد النقد إلى أداء مصرف ليبيا المركزي خلال فترة تولي ناجي عيسى إدارة المصرف، حيث وجه المحمودي انتقادات مباشرة وحادة إلى سياساته، متهماً إياه بالاعتماد على الحملات الإعلامية أكثر من التصريحات النقدية المتزنة، وبالتعامل مع المصرف باعتباره أقرب إلى مؤسسة مصرفية تجارية بدلاً من التركيز على دوره النقدي والرقابي.
كما انتقد ما اعتبره تجاهلاً لآراء خبراء اقتصاديين، والتماهي مع حجم الإنفاق، وعدم التصدي بالقدر الكافي لما وصفه بتغول رجال الأعمال في ملكية المصارف التجارية.
وتتضمن الانتقادات كذلك مسؤولية المحافظ عن إجراءات تتعلق بالرسوم والضرائب على بيع النقد الأجنبي وتغييرات سعر الصرف، يرى المحمودي أنها أضعفت الثقة في الدينار، إضافة إلى انتقادات لآلية تغطية الاعتمادات المستندية وتأثيراتها على خلق النقود.
وهذه الانتقادات، من الناحية المهنية والقانونية، تظل مواقف وتقييمات صادرة عن المحمودي، ولا ينبغي تقديم الاتهامات الواردة فيها باعتبارها حقائق قضائية نهائية ما لم تثبتها جهات التحقيق أو القضاء المختص.
ومن بين الملفات التي يطرحها المحمودي أيضاً تعرض المصرف المركزي لاختراق إلكتروني في بداية يونيو، مع انتقاده لما يعتبره تكتمًا بشأن حجم الاختراق وآثاره.
كما يتحدث عن نقص في الكفاءات داخل المصرف، ووجود إدارات دون مديرين ومديرين دون نواب، إلى جانب ما يصفه بحملة إقصاء للكفاءات.
ويرى أن المحافظ المقبل سيواجه مهمة صعبة تتمثل في إعادة بناء الهيكل الداخلي للمصرف، وإعادة الاعتبار للحوكمة والشفافية ونشر البيانات المصرفية بصورة منتظمة، بما يعيد الثقة في المؤسسة النقدية.
اختراق مصرف ليبيا المركزي يثير تساؤلات أمنية ويضاعف الضغوط على القطاع الماليفي نهاية المطاف، تتقاطع أزمة الوقود مع أزمة الكهرباء والنقل وسعر الصرف والإنفاق العام والقطاع المصرفي، لتضع المواطن الليبي في قلب أزمة متعددة المستويات.
فالمواطن الذي يواجه طوابير الوقود لا يعنيه فقط حجم المحروقات التي تقول المؤسسات إنها وزعتها، بل يريد معرفة سبب عدم وصولها. ومن يواجه انقطاع الكهرباء لا تعنيه قيمة الإنفاق على الوقود بقدر ما يعنيه أن تعمل الشبكة. ومن يشتري الديزل بتسعة دنانير بينما سعره الرسمي 15 قرشاً يحتاج إلى إجابة عن مصير الدعم قبل أي حديث عن نجاح اقتصادي.
أما أمنياً، فإن استمرار الاعتداءات والاضطرابات في مناطق مختلفة، ومنها الزاوية، يعكس الحاجة إلى دولة قادرة على فرض القانون وحماية المنشآت وسلاسل الإمداد ومنع تهريب الموارد، لأن الأزمة الاقتصادية لا يمكن فصلها عن ضعف المؤسسات الأمنية والإدارية.
وبالنسبة لليبيا، فإن المعالجة لا تبدأ بتغيير المصطلحات ولا بتجميل المؤشرات، وإنما بنشر البيانات الكاملة، وتوحيد المؤسسات، وربط الإنفاق بالنتائج، ومراقبة مسارات النفط والوقود، وإعادة بناء القطاع المصرفي، ومحاسبة من تثبت مسؤوليته عن الإضرار بالمال العام.
وفي ظل استمرار الحكومة منتهية الولاية في إدارة ملفات اقتصادية وخدمية حيوية، يبقى المواطن الطرف الأكثر دفعاً لكلفة الاختلال، فيما تصبح الشفافية والمساءلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة شرطاً لا غنى عنه لإنهاء الحلقة التي تجمع بين وفرة الموارد على الورق وشح الخدمات في الواقع.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤