آخر الأخبار

الكهرباء والدينار والوقود والبيانات.. اقتصاد ليبيا يدفع ثمن الانقسام - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

من الكهرباء والدينار إلى البيانات.. اقتصاد ليبيا يدفع ثمن الانقسام وغياب الإصلاح

نقاش اقتصادي يتجاوز الكهرباء إلى جذور الأزمة الليبية

طرحت مجموعة من الاقتصاديين ورجال الأعمال والخبراء الليبيين نقاشاً واسعاً حول أزمات الكهرباء والسياسة النقدية وسعر الصرف والإنفاق العام وتدفقات العملة الأجنبية، قبل أن يمتد النقاش إلى قضايا الشفافية الإدارية وحق المواطن في المعرفة ومشكلات الوثائق الرسمية.

ويكشف هذا النقاش، في مجموعه، أن أزمة الاقتصاد الليبي لا يمكن اختزالها في نقص التمويل أو ضعف الإنتاج أو ارتفاع الطلب، وإنما تتصل بشبكة أكثر تعقيداً تجمع بين الانقسام المؤسسي، وتشوهات الأسعار والدعم، وضعف الجباية، وغياب المنافسة، وتداخل المصالح الاقتصادية مع النفوذ السياسي، فضلاً عن استمرار غياب رؤية موحدة لإدارة المال العام.

وفي قلب هذا الجدل، طرح أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي وعضو لجنة السياسة النقدية بمصرف ليبيا المركزي، الدكتور أيوب الفارسي، تصوراً لإصلاح قطاع الكهرباء، بالتزامن مع طرح آخر بشأن أداء السياسة النقدية في بيئة وصفها بالاستثنائية والمأزومة.

وقد أثارت الطروحات ردوداً من رجل الأعمال حسني بي، والخبير الاقتصادي عبداللطيف طلوبة، والخبير الاقتصادي الدكتور عطية الفيتوري، والخبير الاقتصادي إدريس الشريف، وعضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً امراجع غيث، والخبير الاقتصادي ميلاد الحويو، في نقاش عكس حجم الخلاف حول الأدوات، مع اتفاق واسع على أن استمرار الوضع القائم لم يعد قابلاً للتبرير أمام المواطن الذي يدفع كلفة الاختلالات من دخله وخدماته وقوته الشرائية.

مصدر الصورة بلاك أوت
بلاك أوت

الكهرباء بين الدعم والجباية وشبكات المصالح

الفارسي يرى أن إصلاح قطاع الكهرباء ينبغي أن يبدأ من أربعة محاور مترابطة، أولها إصلاح نظام التسعير والدعم، من خلال اعتماد شرائح استهلاك تصاعدية تفرض على النشاط التجاري والصناعي سعراً يعكس التكلفة الحقيقية، مع الإبقاء على شريحة منزلية أساسية تحصل على دعم جزئي.

وبحسب هذا التصور، فإن الغاية ليست زيادة الأعباء على الأسر، وإنما تقليص الهدر وإيجاد حافز اقتصادي يدفع المستهلك إلى ترشيد استخدام الكهرباء، خصوصاً في القطاعات التي تستطيع تحمل التكلفة الاقتصادية.

المحور الثاني يتعلق بإعادة هيكلة الشركة العامة للكهرباء عبر الفصل بين التوليد والنقل والتوزيع. ويقترح الفارسي إبقاء شبكة النقل ملكاً حصرياً للدولة باعتبارها شبكة وطنية سيادية، مقابل فتح التوليد والتوزيع للمنافسة والاستثمار الخاص المنظم، إلى جانب إنشاء جهاز تنظيمي مستقل يتولى تحديد التعريفات ومراقبة جودة الخدمة ومنع الاحتكار وتضارب المصالح.

أما المحور الثالث فيتعلق بتغيير طبيعة دور القطاع الخاص، بحيث ينتقل من مجرد مورد للمعدات والعقود إلى مستثمر ومنتج للطاقة. ويطرح الفارسي السماح للشركات الوطنية والدولية بإنشاء محطات توليد، وخصوصاً محطات الطاقة الشمسية، وبيع الكهرباء للدولة أو للمستهلكين الكبار وفق عقود وأسعار محددة، بما ينقل جانباً من مخاطر التشغيل والصيانة والاستثمار من الخزانة العامة إلى المستثمر.

كما يدعو إلى تشجيع المجمعات السكنية والمصانع على إنتاج الطاقة الشمسية وضخ فائض الإنتاج إلى الشبكة العامة مقابل خصم من قيمة الاستهلاك، ضمن منظومة للعدادات الذكية ثنائية الاتجاه.

أما المحور الرابع فيركز على الحوكمة والشفافية في المشتريات والعقود، عبر رقمنة عمليات الشراء والاعتمادات وربط عقود الصيانة وقطع الغيار بمنظومة إلكترونية موحدة وعلنية، لمنع تكرار شراء قطع الغيار أو افتعال الأعطال بهدف فتح اعتمادات جديدة.

ويذهب الفارسي أبعد من ذلك بالدعوة إلى ربط مستحقات عقود الصيانة بالأداء الفعلي للمحطات، بحيث لا تحصل الشركات على أموالها لمجرد احتساب ساعات العمل أو عدد القطع الموردة، وإنما بناءً على استمرار المحطة في العمل بكفاءة خلال مدد زمنية محددة.

والهدف، وفق هذا التصور، هو نقل الكهرباء من كونها سوقاً مربحة للتوريد خلال الأزمات إلى قطاع إنتاجي مستدام يستطيع العمل بكفاءة خلال فترات الاستقرار.

حسني بي: القانون موجود والمشكلة في طريقة التطبيق

رجل الأعمال حسني بي اتفق مع جوهر الطرح المتعلق بإعادة هيكلة القطاع والفصل بين أنشطته وفتح الباب أمام الاستثمار والمنافسة وربط عقود التشغيل والصيانة بالأداء، لكنه رأى أن الإصلاح لا يحتاج بالضرورة إلى تشريع جديد بقدر ما يحتاج إلى تنفيذ القواعد القائمة.

وأشار إلى القانون رقم 17 لسنة 1984 بشأن إنشاء الشركة العامة للكهرباء، معتبراً أن جوهر المشكلة يتمثل في عدم تحول الشركة عملياً إلى كيان مستقل مالياً وإدارياً كما يفترض القانون، إذ بقيت الدولة تمول النشاط، وتقدم الوقود المدعوم، وتتحمل الاستثمارات والصيانة، بينما لا ترتبط الإيرادات والجباية بصورة فعلية بالتكلفة والأداء.

ومن وجهة نظره، فإن البداية الحقيقية تتمثل في معرفة تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع كل وحدة كهرباء، وتحديد الإيرادات والأصول والالتزامات، وإرساء الحوكمة والمساءلة والقوائم المالية المدققة.

ويرى بي أن إصلاح الكهرباء لا ينفصل عن إصلاح اقتصاديات الطاقة. فحين يكون الوقود المستخدم في التوليد مدعوماً بصورة كبيرة، وتباع الكهرباء بأقل بكثير من تكلفتها، وتبقى الجباية محدودة، تختفي الإشارات السعرية التي تدفع إلى الترشيد والكفاءة والاستثمار.

ومن هنا يطرح الانتقال من دعم السلعة إلى دعم المواطن، بحيث تعكس أسعار الطاقة تكلفتها الاقتصادية، مقابل تعويض نقدي مباشر للفئات المحتاجة، بدلاً من دعم مفتوح يستفيد منه المستهلك الغني والفقير والمرشد والمفرط في الاستهلاك على حد سواء.

كما يركز بي على أولوية الغاز والكفاءة بدلاً من التركيز على زيادة القدرة الاسمية فقط، مشيراً إلى أن تكلفة الاستثمار الرأسمالي في القدرة لا تمثل، وفق تقديره، سوى نحو عشرة في المئة من التكلفة السنوية الإجمالية، بينما تمثل تكاليف التشغيل نحو تسعين في المئة.

وبالتالي، يرى أن تعظيم استخدام الغاز والتوسع في محطات الدورة المركبة وتقليل الاعتماد على الديزل والوقود السائل مرتفع التكلفة ينبغي أن تكون في مقدمة الأولويات، على أن يكون معيار النجاح هو تكلفة الكهرباء المتاحة فعلياً للمستهلك، لا عدد المحطات أو حجم الأموال التي أنفقت عليها.

وفي الوقت نفسه، تحفظ بي على وصف بعض القطاع الخاص بأنه مستثمر وبعضه بأنه طفيلي، معتبراً أن رأس المال لا يكتسب سلوكه من جنسيته، وإنما من القواعد والحوافز التي يعمل داخلها. وقال إن المستثمر الليبي والأجنبي ينبغي أن يخضعا للقواعد نفسها من حيث المنافسة والشفافية والإفصاح وتحمل المخاطر ومنع تضارب المصالح والمحاسبة على النتائج.

مصدر الصورة

طلوبة: المواطن الليبي لا يقبل رفع الأسعار

أما الخبير الاقتصادي عبداللطيف طلوبة، فقد وضع مسألة التسعير في مواجهة مباشرة مع الواقع الاجتماعي، قائلاً إن أي محاولة لإعادة النظر في السعر تعني عملياً رفعه، وإن الليبيين يرفضون ذلك مهما كانت المبررات.

كما رأى أن الحوكمة لا يمكن أن تنجح في قطاع الكهرباء وحده إذا لم تصبح جزءاً من إصلاح شامل لجميع القطاعات، متسائلاً في الوقت نفسه عن حجم الاستهلاك غير المنزلي مقارنة بالاستهلاك المنزلي، وما إذا كانت هناك بيانات تفصيلية تسمح ببناء سياسة تسعير دقيقة.

ورد الفارسي بأن الهدف ليس رفع التكلفة على المواطن، وإنما دفعه إلى استخدام الكهرباء بصورة أكثر رشداً. وضرب مثالاً بمستهلك قد يدفع قيمة شهرية متقاربة رغم ترك السخانات والإضاءة وأجهزة التكييف تعمل بلا حاجة، حتى أثناء سفر أفراد الأسرة.

وبحسب الفارسي، فإن المواطن نفسه عندما يسافر إلى دولة أخرى يطفئ الأجهزة خوفاً من ارتفاع الفاتورة، ما يعني أن المشكلة، في جانب منها، تتعلق بالحافز السعري والسلوك الاستهلاكي.

وأكد أن المقصود هو تحقيق الوفر من خلال تغيير السلوك، لا المساس بمعيشة المواطن.

السياسة النقدية: إدارة الأزمة أم تأجيل كلفتها؟

في ملف منفصل لكنه متصل بجوهر الأزمة الاقتصادية، قدم الفارسي قراءة لتجربة السياسة النقدية الليبية، معتبراً أن تقييم أداء مصرف ليبيا المركزي يجب أن يأخذ في الاعتبار بيئة استثنائية تتسم بالانقسام المؤسسي والاعتماد شبه الكامل على النفط وضعف أدوات السياسة النقدية التقليدية.

وأشار إلى أن القيود التشريعية، ومن بينها قانون منع المعاملات الربوية، إلى جانب غياب سوق مالية عميقة وسوق نشطة لأدوات الدين العام، حدت من قدرة المصرف المركزي على استخدام بعض الأدوات التقليدية.

كما أشار إلى عدم تفعيل أدوات التمويل الإسلامي بكفاءة، وإلى اعتماد الاقتصاد الليبي بنسبة تتجاوز تسعين في المئة على صادرات النفط، التي تتعرض بدورها لخطر الإغلاقات المتكررة.

ويرى الفارسي أن المصرف المركزي اضطر، في هذه البيئة، إلى استخدام أدوات استثنائية لإدارة السيولة وتنظيم عرض النقد الأجنبي، وأن هذه الإجراءات ساعدت، من وجهة نظره، في تفادي سيناريوهات تضخمية أكثر خطورة.

كما تناول ملف الدين العام المصرفي، محذراً من مخاطر تحويل الالتزامات المتراكمة إلى سيولة ضخمة دفعة واحدة، وما يمكن أن ينتج عن ذلك من ضغط على سعر الصرف.

وتطرق أيضاً إلى الطلب الكبير على النقد الأجنبي، معتبراً أن طبيعة الاقتصاد الليبي تجعل الإنفاق الحكومي يتحول سريعاً إلى طلب على العملات الأجنبية بسبب ضعف الإنتاج المحلي واعتماد البلاد على الاستيراد.

ويرى أن إدارة طلبات الاستيراد وتنظيم مبيعات النقد الأجنبي ساعدا في حماية جزء من الأصول الخارجية، والحفاظ على قدرة الدولة على تمويل واردات الغذاء والدواء.

كما اعتبر أن الضخ المنظم للنقد الأجنبي ساهم في الحد من حالة الهلع التي قد تدفع المواطنين والشركات إلى التخلي الجماعي عن الدينار، وما يمكن أن يترتب على ذلك من أزمة مصرفية ومزيد من الضغط على سعر الصرف.

وتناول الفارسي كذلك قضية الكتل النقدية غير المرخصة، مشيراً إلى أن سحب بعض الفئات النقدية، ومن بينها فئة الخمسين ديناراً، كان في تقديره جزءاً من إجراءات حماية النظام النقدي من أموال مجهولة المصدر أو مطبوعة خارج المنظومة الرسمية.

وأشار إلى اجتماعات عقدت مع مكتب المساعدة والدعم التابع لصندوق النقد الدولي لتقديم الدعم الفني للحالة الليبية، وقال إن بعض الخبراء أبدوا دهشة من قدرة الاقتصاد الليبي على الاستمرار رغم محدودية الأدوات التقليدية وشدة الظروف.

وخلاصة موقفه أن السياسة النقدية خلال السنوات الماضية لم تكن أمام خيارات مثالية، وإنما كانت تعمل على إدارة الأزمة وتقليل الأضرار ومنع الأسوأ، مع إقراره بأن المصرف المركزي لم يخل من الأخطاء والإخفاقات.

مصدر الصورة
إصلاح المالية العامة شرط حاسم لاستقرار النقد والاقتصاد الليبي

حسني بي: منع الانهيار لا يعني سلامة كل السياسات

حسني بي وافق على أن البيئة الليبية استثنائية وأن المصرف المركزي ساهم في منع سيناريوهات أسوأ، لكنه رفض اعتبار منع الانهيار دليلاً كافياً على سلامة جميع السياسات النقدية منذ عام 2011.

وركز بي على العلاقة بين خلق الدينار وتراكم الأصول الأجنبية، مشيراً إلى فترات سابقة، خصوصاً بين عامي 2016 و2019، قال إنها شهدت تدفقات دولارية مهمة إلى المصرف المركزي، بالتزامن مع تمويل جزء من الإنفاق بالدينار وتراكم الدين العام.

ورأى أن النتيجة تمثلت في تراكم أصول أجنبية من جهة، مقابل تضخم الالتزامات والكتلة النقدية بالدينار من جهة أخرى.

كما أشار إلى الفترة بين عامي 2022 و2023، قائلاً إن وجود فائض مالي في 2022 ترافق مع تراكم نقد أجنبي، قبل أن يرتفع الإنفاق في 2023، مع إمكانية استخدام جزء من الفائض السابق بدلاً من تمويل جانب من الإنفاق بالدينار.

ومن هنا يطرح بي خلافاً جوهرياً حول مفهوم الاحتياطي، معتبراً أن تقييمه لا ينبغي أن يقوم على حجمه فقط، بل على صافي الأصول الأجنبية مقارنة بالالتزامات والكتلة النقدية.

كما انتقد وجود سعر رسمي للدولار أدنى بكثير، بحسب تقديره، من سعر التوازن الذي يعكس مستوى الإنفاق والتمويل العام، معتبراً أن الفجوة بين السعرين تخلق امتيازات وصول ومضاربة وريوعاً.

ويرى أن الطلب على الدولار لا يمكن اختزاله في وصفه بالشره الاستيرادي، لأن الإنفاق العام الكبير بالدينار في اقتصاد يعتمد على الاستيراد يخلق طلباً طبيعياً على العملة الأجنبية.

وأشار أيضاً إلى وجود نحو مليوني عامل أجنبي، وإلى تخصيصات شخصية بالدولار لعدد كبير من المواطنين، معتبراً أن إعادة بيع جزء من هذه الدولارات يمكن أن يولد ريعاً مرتفعاً من دون نشاط إنتاجي حقيقي.

وبحسب بي، فإن المصرف المركزي لا يتحمل مسؤولية الإنفاق الحكومي، لكن السياسة النقدية لا تستطيع الاكتفاء بإدارة نتائج السياسة المالية واعتبار بقاء الاحتياطيات دليلاً منفرداً على النجاح.

ورد الفارسي بأن طرحه يعكس تجربة شخصية بدأت في أواخر عام 2024، مع اتفاقه مع كثير مما أورده بي بشأن المرحلة الممتدة منذ عام 2011.

الميزان التجاري والأموال التي لا تظهر في البيانات

انتقل النقاش بعد ذلك إلى مسألة أكثر حساسية تتعلق بحسابات التجارة وتدفقات النقد الأجنبي.

امراجع غيث، عضو مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي سابقاً، تساءل عن مدى دقة الحديث عن وجود فائض في الميزان التجاري إذا كانت البيانات الرسمية لا تشمل بالضرورة جميع التدفقات المرتبطة بالمخصصات الشخصية.

وأشار إلى تقديرات تقارب ثمانية مليارات دولار خلال عام 2025 للمخصصات الشخصية، متسائلاً عن مصير هذه الأموال وما إذا كان جزء منها يستخدم في استيراد سلع عبر قنوات لا تظهر بصورة كاملة في الإحصاءات الرسمية.

ورد الدكتور عطية الفيتوري بأن القراءة الدقيقة لتدفقات العملة الأجنبية إلى الخارج لا تظهر فقط في الميزان التجاري، أو حساب السلع، وإنما في حساب العمليات الجارية الذي يضم أربعة حسابات، ويمكن أن يكشف عن عجز حتى في حال ظهور فائض في تجارة السلع.

وأضاف أن البيانات الرسمية لا تغطي بالضرورة الأنشطة الاقتصادية الواقعة خارج السوق الرسمية، مشيراً إلى أن هذه الظاهرة ليست استثنائية في حد ذاتها، لكنها أكثر أهمية في ليبيا بسبب اتساع النشاط غير المرصود.

كما أشار إلى أن المخصصات الممنوحة لصغار التجار قد لا تستخدم بالكامل في الاستيراد، وأن المعالجة المحاسبية لهذه التدفقات يمكن أن تظهر في حسابات أخرى، ما يجعل النتيجة النهائية لحساب العمليات الجارية مختلفة عن نتيجة الميزان التجاري وحده.

وعاد غيث ليسأل بصورة مباشرة عن إمكانية تجاهل استيراد السلع من خلال السوق الموازية باستخدام مخصصات شخصية مصدرها في الأصل المصرف المركزي، منتقداً أي تصريح لا يأخذ هذه التدفقات في الاعتبار.

أما إدريس الشريف، فأوضح أن الميزان التجاري في المفهوم المحاسبي يقوم أساساً على بيانات مصلحة الجمارك، حيث تسجل الصادرات عند خروج السلع والواردات عند دخولها، اعتماداً على البيانات الجمركية والفواتير والقيمة والتصنيف السلعي.

وبالتالي فإن فائض أو عجز الميزان التجاري يعكس الفرق بين الصادرات والواردات المسجلة في هذا الإطار، وليس بالضرورة كل حركة الأموال في الاقتصاد.

وهذه النقطة تكتسب أهمية كبيرة في الحالة الليبية، لأن الفارق بين الاقتصاد الرسمي والنشاط الفعلي يمكن أن يغير كثيراً من قراءة المؤشرات الاقتصادية إذا لم تُجمع البيانات بصورة أكثر شمولاً.

الدولار-الدينار

المواطن أمام أخطاء مؤسسات الدولة

وفي جانب آخر من النقاش، طرح إدريس الشريف مشكلة إدارية تمس آلاف الليبيين، تتعلق بتطابق بيانات الألقاب في جوازات السفر والوثائق الرسمية.

وأوضح أن بعض الجوازات الصادرة خلال فترة سابقة تضمنت الاسم الرابع بدلاً من اللقب أو القبيلة، قبل أن تشترط مصلحة الجوازات لاحقاً تطابق اللقب في طلب الجواز الجديد مع لقب الأب.

ويرى الشريف أن هذا الإجراء يضع المواطنين أمام معضلة عملية، خصوصاً كبار السن والمرضى والطلبة والخريجين، لأن بعضهم مطالب بإثبات أو تعديل بيانات تتعلق بآباء توفوا منذ عقود.

وحذر من أن اضطرار بعض المواطنين إلى تعديل بياناتهم تحت ضغط العلاج أو الدراسة أو السفر قد يفتح مشكلات قانونية ووثائقية جديدة، خصوصاً عندما لا تتطابق البيانات الجديدة مع الشهادات الجامعية والمدرسية السابقة.

ويقترح الشريف اعتماد الرقم الوطني باعتباره معرفاً أساسياً للمواطن، وربط الهوية بالبصمة وبصمة العين والصورة، والسماح بإصدار الجواز عند ثبوت تطابق الهوية حتى لو اختلفت صيغة اللقب في وثائق قديمة.

كما دعا إلى آلية خاصة لكبار السن والمرضى ومن توفي آباؤهم منذ سنوات طويلة، وعدم إلزام المواطنين بتغيير شهاداتهم ووثائقهم القديمة بسبب خلل إداري في وثيقة لاحقة.

غياب المسؤولية الاتصالية يزيد أزمة الثقة

وفي المحور الأخير من النقاش، انتقد الشريف ما وصفه بغياب الناطقين الرسميين عن شرح التطورات الأمنية والاقتصادية للمواطنين.

وتساءل عن سبب غياب البيانات الرسمية والتفسيرات بشأن أزمات تمس الأمن والاقتصاد، وعن صمت الجهات الحكومية ومجلس النواب والمصرف المركزي في ملفات حساسة، بينها الضغوط التي دفعت محافظ المصرف المركزي إلى تقديم استقالته دون توضيح الأسباب، وفق ما أورده.

ويرى الشريف أن المشكلة لا تقتصر على غياب الحلول، وإنما تمتد إلى غياب المعلومات، بما يترك المواطنين أمام الشائعات والتأويلات.

ورد امراجع غيث بأن هذا الوضع يعكس، في رأيه، عقلية ترى أن البلاد لا تعاني مشكلات وأن الحديث عنها أمر غير مقبول، مؤكداً أن الشفافية وحق المواطن في المعرفة والاطلاع المباشر لم يتحولا بعد إلى ثقافة مؤسسية راسخة.

أما عطية الفيتوري، فرأى أن إعلان البيانات والأرقام قد يعرض المسؤولين للانتقاد أو الإدانة السياسية والإدارية، ولذلك قد يفضل بعضهم إبقاء المعلومات بعيدة عن التداول العام.

بدوره، شدد الخبير الاقتصادي ميلاد الحويو على أن الاعتراف بعدم امتلاك إجابة كاملة في لحظة الأزمة أكثر احتراماً للمواطن من الصمت أو إصدار تصريحات متناقضة يتم التراجع عنها لاحقاً.

المواطن يدفع ثمن غياب الإصلاح

تكشف مجمل المداخلات أن الخلاف بين المتخصصين لا يدور فقط حول رفع الأسعار أو خفضها، أو حول حجم الإنفاق أو طريقة إدارة الدولار، بل حول نموذج الاقتصاد الليبي نفسه: هل يبقى اقتصاداً يعتمد على الدعم والإنفاق العام والاستيراد والعقود، أم يتحول تدريجياً إلى اقتصاد يربط الإنفاق بالإنتاج والكفاءة والنتائج؟

وفي ملف الكهرباء تحديداً، يبرز اتفاق على أن استمرار النزيف المالي من دون إصلاح منظومة التشغيل والجباية والعقود لن يؤدي إلى خدمة مستقرة، مهما ارتفعت قيمة الاعتمادات.

وفي المقابل، فإن أي إصلاح سعري لا يضع حماية المواطن في قلبه يمكن أن يتحول إلى عبء اجتماعي جديد، خصوصاً في ظل تراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أما في الملف النقدي، فيظهر الخلاف بصورة أوضح: فريق يرى أن المصرف المركزي تمكن من منع انهيار كان يمكن أن يكون أكثر خطورة، وفريق آخر يرى أن إدارة الأزمة لا تكفي إذا لم تؤد إلى معالجة أسبابها المالية والنقدية.

وفي الحالتين، تبقى النتيجة واحدة بالنسبة للمواطن: كل تأخير في إصلاح المؤسسات، وكل غموض في البيانات، وكل تشوه في الأسعار، وكل إنفاق لا يرتبط بالإنتاج، يتحول في النهاية إلى كلفة يدفعها المواطن الليبي من دخله ووقته وثقته في الدولة.

ومن منظور اقتصادي واجتماعي، فإن إنهاء حالة الاستنزاف لا يحتاج فقط إلى ضخ أموال جديدة، بل إلى قواعد واضحة ومؤسسات موحدة وبيانات قابلة للتدقيق ومحاسبة حقيقية وعقود مرتبطة بالنتائج، إضافة إلى سياسة تحمي المواطن بدلاً من تركه وحيداً أمام آثار الاختلالات.

كما أن إصلاح الكهرباء والسياسة النقدية لا يمكن فصلهما عن الأزمة السياسية الأوسع. فاستمرار الانقسام وتعدد مراكز القرار والإنفاق يضعف قدرة الدولة على تنفيذ إصلاحات طويلة الأجل، بينما تصبح الحلول المؤقتة أكثر جاذبية للسلطات الباحثة عن إدارة اللحظة بدلاً من بناء اقتصاد مستقر.

ولهذا فإن القضية، كما تكشفها مداخلات المتخصصين، لم تعد مجرد سؤال عن محطة كهرباء أو سعر دولار أو فائض تجاري، وإنما عن قدرة الدولة الليبية على الانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة الموارد، ومن الإنفاق غير المنضبط إلى الاستثمار المنتج، ومن التعتيم إلى الشفافية، ومن تحميل المواطن ثمن الخلل إلى حماية المواطن من نتائجه.

وفي بلد يمتلك موارد نفطية كبيرة، فإن استمرار الأزمات الخدمية والنقدية والإدارية لا يمكن تفسيره فقط بندرة الموارد، بل يفرض سؤالاً أكبر حول كفاءة إدارة هذه الموارد، وعدالة توزيع آثارها، وقدرة المؤسسات على العمل وفق قواعد مستقرة تتجاوز الحسابات السياسية الآنية.

ويبقى التحدي الحقيقي أمام أي سلطة سياسية مقبلة هو تحويل هذه النقاشات من منشورات وتصريحات متبادلة إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس، بحيث يصبح نجاح الدولة مرتبطاً بما يحصل عليه المواطن من كهرباء وخدمات ودخل مستقر، لا بحجم الاعتمادات والعقود والإنفاق الذي لا يجد أثره في حياته اليومية.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا