فتح عضو مجلس الدولة سعيد ونيس نقاشاً اقتصادياً حول العوامل التي تدفع الدينار الليبي إلى فقدان قيمته، مستنداً إلى سؤال وجهه إلى رجل الأعمال حسني بي بشأن مدى تأثير الانقسام المؤسسي والفساد المالي والإداري والتهريب والتصدير غير المنظم في سوق الصرف والقوة الشرائية للمواطن.
وبيّن بي أن هذه العوامل تمثل عناصر أساسية في الأزمة، لكنها لا تخفض قيمة الدينار بصورة آلية، موضحاً أن فهم الأزمة يتطلب تتبع القنوات التي تنتقل عبرها الاختلالات السياسية والمؤسسية إلى المالية العامة وعرض النقود والطلب على النقد الأجنبي ثم سعر الصرف.
وقال إن الاقتصاد لا ينتظر اتفاق السياسيين، وإن استمرار الانقسام لا يعني توقف المواطنين عن الاستهلاك والتجارة والادخار والاستثمار، ولا الدولة عن الإنفاق، بينما يستمر السوق في تحديد قيمة الدينار وفق حجم المعروض من العملة المحلية والأجنبية ومستوى الثقة والتوقعات.
اعتبر بي أن أخطر نتائج الانقسام المؤسسي اقتصادياً تتمثل في تعدد مراكز القرار والإنفاق، في مقابل اعتماد الدولة بصورة أساسية على مورد سيادي واحد يتمثل في النفط والغاز.
وأوضح أن تعدد الجهات القادرة على إنشاء التزامات مالية ومرتبات ومشروعات ومصروفات يعني في النهاية تنافس هذه الالتزامات على الإيرادات النفطية والنقد الأجنبي ذاته.
وبحسب تحليله، تبدأ الحلقة الاقتصادية من زيادة الإنفاق، ثم ارتفاع كمية الدينارات المتداولة، وزيادة الطلب على السلع والاستيراد والدولار، وصولاً إلى الضغط على ميزان المدفوعات والاحتياطيات واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسوق الموازية، ثم تراجع القوة الشرائية للدينار.
وأشار إلى أن المشكلة بالتالي ليست في الانقسام السياسي بوصفه عنواناً مجرداً، وإنما في تحوله إلى تعدد غير منضبط لمراكز خلق الالتزامات المالية مقابل مورد سيادي محدود.
وفي ما يتعلق بالفساد، أوضح بي أن الفساد لا يخفض قيمة الدينار بصورة مباشرة، لكنه يصبح مشكلة نقدية عندما يحول الإنفاق العام إلى طلب على النقد الأجنبي من دون أن يقابله إنتاج.
وقدم فارقاً بين إنفاق مليار دينار على مشروع يمكن أن يرفع إنتاج الكهرباء أو المياه أو النقل أو إنتاج القطاع الخاص، وبين إنفاق المبلغ ذاته في عقود مبالغ فيها أو مشروعات وهمية أو مشتريات لا تضيف أصلاً إنتاجياً.
ففي الحالة الأولى يمكن للإنفاق أن يولد إنتاجاً وقيمة اقتصادية مستقبلاً، بينما قد يؤدي الإنفاق غير المنتج إلى زيادة السيولة والطلب على الدولار من دون خلق عرض إضافي من السلع والخدمات.
وهنا، وفق هذا التحليل، تتحول مشكلة الفساد من مسألة أخلاقية وإدارية إلى أحد مصادر الاختلال النقدي.
وفي ملف التهريب، قال بي إن الظاهرة تمثل نتيجة وسبباً في الوقت ذاته، مشيراً إلى أن بيع الوقود بأسعار تقل كثيراً عن قيمته الاقتصادية يخلق هامش ربح كبيراً للتهريب.
ويرى أن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تركز على المهرب وحده، لأن السياسات الاقتصادية نفسها قد تصنع الحافز الذي يجعل تهريب الوقود أكثر ربحية من إنتاج سلعة أو تأسيس مشروع.
لكن التهريب يعود ليضغط على الدينار، إذ تنفق الدولة موارد ونقداً أجنبياً لإنتاج أو استيراد الوقود، ثم يخرج جزء منه من الاقتصاد المحلي بأسعار مدعومة، بما يؤدي إلى خسارة المورد وخلق ريع خاص من المال العام في الوقت نفسه.
وفي ما يخص التصدير، رفض بي النظر إليه باعتباره مشكلة في حد ذاته، مؤكداً أن ليبيا تحتاج إلى زيادة صادراتها غير النفطية.
ويرى أن الخلل يبدأ عندما تخرج السلع من البلاد ولا تعود حصيلتها من النقد الأجنبي إلى النظام الاقتصادي والمصرفي الرسمي، لأن الاقتصاد في هذه الحالة يفقد أصلاً حقيقياً من دون أن يحصل النظام المالي على المقابل النقدي.
وأشار إلى أن المصدر نفسه قد يجد مبرراً اقتصادياً للامتناع عن إعادة حصيلة صادراته إذا اضطر إلى بيع الدولار بسعر رسمي يقل كثيراً عن قيمته في السوق، معتبراً أن علاج المشكلة لا يكون بمنع التصدير، وإنما بتوثيقه وتنظيمه وربط التجارة الخارجية بالنظم المصرفية والجمركية والضريبية.
وأضاف أن السياسات الاقتصادية ينبغي أن تشجع الإنتاج والتصدير المنظم بدلاً من التعامل مع كل نشاط خارج القنوات الرسمية بوصفه تهريباً، لأن بعض الظواهر غير الرسمية قد تكون نتيجة مباشرة لتشوهات الأسعار والحوافز.
يرى بي أن النقاش الليبي يركز كثيراً على سؤال «أين ذهب الدولار؟»، بينما ينبغي طرح سؤال موازٍ لا يقل أهمية: من أين جاءت الدينارات التي تطارد الدولار؟
فالدولة تحصل على معظم مواردها الحقيقية من النفط بالدولار، بينما تنفق بالدينار، في حين تظل الإيرادات المحلية من الضرائب والجمارك والرسوم والخدمات محدودة مقارنة بحجم الإنفاق العام.
وبحسب تحليله، فإن استمرار توسع الإنفاق يضع السلطات أمام خيارات محدودة: بيع مزيد من الدولار لسحب الدينارات، أو خفض الإنفاق، أو زيادة الإيرادات المحلية، أو السماح بتغير سعر الصرف، أو استنزاف الاحتياطيات.
ويعتبر أن هذه الخيارات هي حدود المعادلة الاقتصادية، ولا توجد وسيلة سحرية تتيح تثبيت سعر الصرف إلى ما لا نهاية في ظل استمرار الاختلال بين الإنفاق والموارد.
ويرى بي أن تعدد أسعار الصرف يمثل مشكلة إضافية، خصوصاً عندما يكون السعر الرسمي للدولار أقل كثيراً من سعر السوق الموازية.
وفي هذه الحالة، يصبح الحصول على الدولار بالسعر الرسمي نشاطاً مربحاً في حد ذاته، وتتحول السياسة النقدية من تلبية الطلب الاقتصادي الحقيقي إلى خلق طلب للمراجحة والريع.
وأكد أن المواطن أو التاجر الذي يسعى إلى الاستفادة من فرق السعر يتصرف وفق الحافز المتاح أمامه، وأن المسؤولية الأساسية تقع على المنظومة التي جعلت الوصول إلى الدولار المدعوم أكثر ربحية من النشاط الاقتصادي الذي يفترض أن يمول ذلك الدولار.
ويرى أن المبدأ نفسه ينطبق على الوقود والطاقة وكل سلعة يبقى سعرها الإداري بعيداً بدرجة كبيرة عن قيمتها الاقتصادية.
النتيجة النهائية لهذه الاختلالات، وفق بي، تظهر في القوة الشرائية للمواطن.
فعندما يفقد الدينار جزءاً من قيمته أمام الدولار، ترتفع تكلفة الواردات، وهو أمر شديد التأثير في ليبيا بسبب الاعتماد الكبير على الخارج لتوفير الغذاء والدواء والمواد الخام والآلات ومستلزمات الإنتاج.
وهكذا يمكن أن يحصل المواطن على زيادة اسمية في دخله، لكنه يصبح أقل قدرة على شراء السلع والخدمات.
وأكد بي أن معيار دخل المواطن الحقيقي لا ينبغي أن يكون عدد الدينارات التي يحصل عليها، وإنما كمية السلع والخدمات التي يستطيع شراءها بهذه الدينارات.
في الجانب العملي، رفض بي فكرة انتظار الحل السياسي الشامل قبل البدء في الإصلاح الاقتصادي، مؤكداً أن الاقتصاد لا ينتظر السياسة.
واقترح وضع سقف موحد وشفاف للإنفاق العام، وربط أي إنفاق إضافي بمصدر تمويل حقيقي، ونشر الإيرادات والمصروفات لجميع الجهات، ومنع التمويل النقدي للعجز، وإصلاح دعم المحروقات والطاقة تدريجياً عبر تحويله من دعم للسلعة إلى دعم مباشر للمواطن.
كما دعا إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي لإلغاء ريع العملة، وتنظيم العمالة الأجنبية وتحويلاتها، وإدخال التجارة والتصدير والعقارات والأنشطة غير الرسمية تدريجياً إلى الدورة المصرفية، وتوسيع الائتمان الموجه إلى القطاع الخاص المنتج بدلاً من استمرار الاعتماد على الإنفاق الحكومي.
وشدد على ضرورة وجود قاعدة مالية ملزمة للجميع تمنع أي جهة من زيادة الإنفاق ثم ترك المصرف المركزي أمام مهمة توفير النقد الأجنبي للدفاع عن قيمة الدينارات التي جرى إنفاقها.
الاقتصاد الريعي يعمّق اختلال العلاقة بين المواطن والدولة في ليبيا … غلاء الأسعار تضخموفي تعليق على النقاش، أكدت ناشطة ليبية أن الفصل بين السياسة والاقتصاد في الحالة الليبية غير ممكن، معتبرة أن الانقسام المؤسسي لا يمثل مجرد أزمة سياسية، وإنما يؤثر بصورة مباشرة في توزيع الموارد والقرارات الاقتصادية والضغط على الدينار.
وأيدت تفسير العلاقة بين الإنفاق متعدد المراكز والطلب المتزايد على الدولار، معتبرة أن ضعف الإنتاج الحقيقي مقابل الإنفاق يؤدي إلى حلقة تضغط على قيمة العملة.
كما ربطت بين التهريب والتصدير العشوائي وتشوهات السوق وفروق الأسعار، مشيرة إلى أن هذه الظواهر تمنح البعض فرصاً للاستفادة من الفروقات السعرية، وتزيد بدورها الضغوط على سوق الصرف.
وأكدت أن انخفاض قيمة الدينار ينعكس مباشرة على أسعار السلع والخدمات، وأن قياس الوضع المعيشي يجب أن يستند إلى القدرة الفعلية للمواطن على الشراء، لا إلى قيمة الدخل الاسمية وحدها.
ودعت الناشطة إلى اتخاذ إجراءات اقتصادية حتى في ظل استمرار الوضع السياسي الراهن، من بينها وضع حدود للإنفاق العام وتعزيز الشفافية في الإيرادات والمصروفات وتقليص الفجوة بين الأسعار الرسمية والموازية.
كما شددت على ضرورة دعم الإنتاج المحلي وتقليل الاعتماد على الواردات، وتنظيم التجارة الخارجية وربطها بالنظام المصرفي للحد من الفساد والتهريب، وإعادة هيكلة دعم المحروقات والطاقة بحيث يتجه بصورة أكبر إلى المواطن بدلاً من دعم السلع بصورة مفتوحة.
ويكشف النقاش أن أزمة الدينار الليبي لا يمكن اختصارها في عامل منفرد، سواء كان الانقسام أو الفساد أو التهريب أو التصدير غير المنظم. فكل عامل من هذه العوامل يصبح أكثر خطورة عندما يتحول إلى زيادة في الالتزامات المالية، أو فقدان للنقد الأجنبي، أو تراجع في الإنتاج، أو توسع في الطلب على الدولار.
وبالنسبة للمواطن، فإن نتائج هذه المعادلة تظهر في الأسعار وقدرته على شراء احتياجاته الأساسية، وفي تكلفة الغذاء والدواء والطاقة، وفي تراجع قيمة المدخرات والدخول الحقيقية.
لذلك فإن أي إصلاح اقتصادي جاد في ليبيا يحتاج إلى الانتقال من إدارة نتائج الأزمة إلى معالجة الحوافز التي تنتجها، مع ضبط الإنفاق، وتوحيد القواعد المالية، وإصلاح منظومة الدعم، وتقليص ريع فروق الصرف، وتشجيع الإنتاج والتصدير المنظم، وتعزيز الشفافية.
فالسياسة قد تؤجل القرار، لكن الاقتصاد لا يؤجل كلفته. وكل دينار يُنفق من دون إنتاج أو إيراد حقيقي سيظهر أثره في التضخم أو سعر الصرف أو الاحتياطيات أو القوة الشرائية للمواطن.
وفي بلد يعيش انقساماً مؤسسياً ممتداً، يصبح حماية المواطن من كلفة هذا الانقسام أولوية لا تحتمل الانتظار، لأن استقرار الدينار في النهاية ليس رقماً على شاشة الصرف، بل قدرة الأسرة الليبية على شراء احتياجاتها والعيش بأمان اقتصادي وكرامة.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤