آخر الأخبار

إصلاح الوقود بين حسابات الميزانية وكلفة الاقتصاد والمواطن - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

عصر يدعو لإصلاح شامل يحمي المواطن والإنتاج والأسعار

هل رفع سعر الوقود يصلح الاقتصاد الليبي أم يضاعف أعباء المواطن؟

أعاد وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق، منير علي عصر، فتح النقاش حول واحدة من أكثر القضايا الاقتصادية حساسية في ليبيا، محذرا من اختزال أزمة الوقود في حسابات محاسبية ضيقة تتجاهل التراجع الكبير في قيمة الدينار وتآكل القوة الشرائية وارتفاع تكاليف السلع والخدمات.

وقال عصر، في منشور عبر حسابه على فيسبوك، إن معالجة ملف الوقود لا يمكن فصلها عن الصورة الأوسع للاقتصاد الليبي، منتقدا ما وصفه بسيطرة التفكير المحاسبي الضيق على النقاش الاقتصادي، ومعتبرا أن التركيز على سعر الوقود بمعزل عن سعر الصرف والدخل ومستوى الأسعار يؤدي إلى معالجة نتائج الأزمة بدلا من معالجة أسبابها.

ويرى الوزير السابق أن المقارنة التاريخية بين مستويات الدخول والأسعار تكشف تغيرا جذريا في قدرة المواطن الشرائية. وأشار إلى أن مرتب الدرجة السابعة، وفقا لقانون المرتبات رقم 15، كان يبلغ نحو 176 دينارا، بما كان يعادل آنذاك أكثر من 600 دولار، في وقت كان فيه سعر الوقود يقترب من نصف دولار، بينما أصبحت القيمة الفعلية للمرتبات اليوم، بحسب تقديره، لا تتجاوز في حالات كثيرة ما يعادل نحو 100 دولار.

وأضاف أن أسعار عدد من السلع الأساسية ارتفعت عشرات ومئات المرات، بل تجاوزت في بعض الحالات ذلك بكثير، ما يجعل مقارنة سعر الوقود بالدينار فقط مقارنة ناقصة لا تعكس العبء الحقيقي الذي يتحمله المواطن.

مصدر الصورة وزير الاقتصاد والصناعة الأسبق منير علي عصر

سعر الوقود ليس رقما معزولا

ويطرح عصر بذلك سؤالا يتجاوز تكلفة استيراد الوقود أو الفارق بين سعره الرسمي وسعر بيعه، إلى ما يسميه «التكلفة الاقتصادية الكاملة» للقرار.

فرفع سعر الوقود لا يقتصر أثره على مالك السيارة، وإنما ينتقل عبر سلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية. إذ ترتفع تكاليف نقل المواد الغذائية والسلع، وتنقل العمال والموظفين، والحافلات المدرسية، وسيارات الإسعاف، والمنتجات الزراعية من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، فضلا عن صهاريج المياه وتشغيل المصانع والمخابز والورش والخدمات اللوجستية والموانئ.

وفي المدن التي تعتمد بدرجة كبيرة على صهاريج نقل المياه بسبب محدودية شبكات الإمداد، يصبح الوقود مكونا مباشرا في تكلفة المياه التي تصل إلى المستهلك. وبالتالي، فإن زيادة سعر المحروقات يمكن أن تتحول إلى زيادة غير مباشرة في كلفة سلعة أساسية أخرى.

ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الاقتصادي لا ينبغي أن يكون فقط: كم ستوفر الدولة من دعم الوقود؟ بل أيضا: كم ستضيف الزيادة إلى تكاليف النقل والغذاء والمياه والإنتاج والخدمات؟

الوزير السابق ينتقد معالجة انهيار الدينار بملاحقة نتائجه

يربط عصر أزمة الوقود بصورة مباشرة بأزمة العملة المحلية، داعيا إلى التركيز على الدينار باعتباره أحد جذور المشكلة الاقتصادية.

وقال إن معالجة ارتفاع الأسعار عبر ملاحقة انعكاسات انهيار الدينار تشبه، في توصيفه، محاولة اللحاق بالأزمة بدلا من وقف مصدرها، محذرا من أن استمرار انخفاض القوة الشرائية للدينار مع ارتفاع تكاليف السلع سيقود إلى مزيد من التضخم والضغط على الاقتصاد.

ودعا إلى وضع خطة إصلاح اقتصادي شاملة يشارك فيها خبراء الاقتصاد والمالية العامة، إلى جانب مختصين في السياسات النقدية والبيانات والتنبؤ الاقتصادي، مع دراسة التجارب الدولية والاستفادة من الخبرات المتخصصة.

كما طرح العودة إلى تغطية الذهب للدينار ضمن رؤيته لمعالجة تدهور قيمة العملة، معتبرا أن النقاش حول سعر الوقود لا ينبغي أن يطغى على السؤال الأكبر المتعلق بمستقبل السياسة النقدية واستقرار الدينار.

مصدر الصورة إصلاح الوقود بين حسابات الميزانية وكلفة الاقتصاد والمواطن

إصلاح الدعم يحتاج إلى منظومة متكاملة

ولا يعني هذا الطرح، وفقا للمقال الذي نشره عصر، الدفاع عن استمرار الهدر أو رفض إصلاح منظومة الوقود، وإنما الاعتراض على تنفيذ إصلاح منفرد يحمل المواطن كامل تكلفته.

ويشدد الطرح على أن أي تعديل في أسعار الوقود ينبغي أن يسبقه إصلاح متكامل يبدأ بتطوير شبكة نقل عام فعالة، بما يقلل اعتماد المواطنين على سياراتهم الخاصة، خصوصا في المدن التي تفتقر إلى بدائل نقل جماعي مناسبة.

كما يشمل تطوير شبكات نقل المياه، وإنشاء منظومة نقل ولوجستيات أكثر كفاءة للسلع والمواد الخام والمنتجات بين المدن، وحماية القطاعات الإنتاجية، ولا سيما الصناعة والزراعة والصيد والنقل التجاري، من التداعيات المتسلسلة لأي زيادة في تكاليف الطاقة.

ويضع الطرح التضخم في قلب المعادلة، إذ إن تحميل المستهلك تكلفة إضافية في وقت تتراجع فيه قدرته الشرائية يمكن أن يؤدي إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار، بما يضعف أثر أي وفورات تحققها الخزانة العامة من تقليص الدعم.

من مكافحة الهدر إلى حماية القوة الشرائية

ويؤكد عصر أن وجود اختلالات في منظومة الوقود، بما فيها الهدر والتهريب وسوء الإدارة، لا يعني بالضرورة أن الحل يتمثل في تحميل المواطن كامل كلفة الإصلاح.

وبدلا من الإلغاء الشامل للدعم، يدعو الطرح إلى توجيه الدعم ومعالجة منافذ الهدر والتهريب والفساد وتحسين الإدارة، بحيث تتحول الموارد العامة إلى أدوات أكثر كفاءة في حماية المواطن والاقتصاد.

وتبرز هنا معادلة شديدة الحساسية أمام صانع القرار الليبي: إذا وفرت الدولة مليارات الدنانير من بند الوقود، لكنها تسببت في الوقت ذاته بارتفاع كبير في تكاليف النقل والغذاء والمياه والإنتاج، وانخفاض إضافي في القوة الشرائية، فإن الوفورات المحاسبية قد تتحول إلى أعباء اقتصادية واجتماعية أكبر.

ولهذا، فإن معيار نجاح الإصلاح لا ينبغي أن يقتصر على تحسن أرقام الميزانية، وإنما على انخفاض التكلفة الإجمالية للاقتصاد وتحسن قدرة المواطن على تحمل تكاليف المعيشة.

مصدر الصورة
السياسة النقدية تواجه الإنفاق والتهريب وسط اختلال اقتصادي متفاقم

التخطيط الاقتصادي يحتاج إلى خبرة وبيانات

وفي جانب آخر من طرحه، دعا عصر إلى عدم التعامل مع الاستعانة بالخبرات الدولية باعتبارها انتقاصا من القدرات الوطنية، مستشهدا بتجارب دولية استعانت بخبراء ومكاتب متخصصة خلال مراحل بناء اقتصاداتها الحديثة.

ويرى أن الحكومات ليست مطالبة باختراع الخطط الاقتصادية من الصفر، وإنما بتنفيذ خطط معدة على أساس علمي وبيانات دقيقة، مشيرا إلى ضرورة التمييز بين الملاك الخدمي والملاك العام والملاك الفني المتخصص.

ويضع ذلك المسؤولية أمام مؤسسات الدولة في إطار مختلف: بناء القدرة على جمع البيانات وتحليلها، واستخدام أدوات التنبؤ الاقتصادي، والاستفادة من مكاتب فنية متقدمة، ثم تحويل المخرجات إلى سياسات قابلة للتنفيذ والقياس.

وتبدو هذه المسألة أكثر إلحاحا في الاقتصاد الليبي، حيث تتداخل إشكالات سعر الصرف والدعم والإنفاق العام والمرتبات والإنتاج والاستيراد والتضخم في منظومة واحدة، ما يجعل معالجة ملف واحد بمعزل عن بقية الملفات محفوفة بمخاطر نقل المشكلة من قطاع إلى آخر.

معادلة الإصلاح: المواطن أولا والاقتصاد معا

في المحصلة، يضع طرح وزير الاقتصاد والصناعة الليبي الأسبق قضية الوقود داخل معادلة أوسع من مجرد تحديد سعر البيع أو حجم الإنفاق الحكومي على الدعم. فالإصلاح الاقتصادي، وفقا لهذا التصور، يجب أن يقيس أثر القرار على كامل دورة الاقتصاد، من المنتج إلى المستهلك، ومن الميزانية العامة إلى السوق، ومن سعر الصرف إلى القوة الشرائية.

وبينما تبدو الحاجة إلى إصلاح منظومة الوقود ومواجهة التهريب والهدر وسوء الإدارة أمرا لا يمكن تجاهله، فإن توقيت الإصلاح وأدواته وترتيبه تظل عناصر حاسمة في تحديد نتائجه.

فالاقتصاد الليبي لا يحتاج إلى نقل التكلفة من خانة في الموازنة إلى جيب المواطن، بقدر حاجته إلى معالجة جذور الاختلالات النقدية والمالية والإنتاجية، وبناء منظومة نقل وخدمات وإنتاج قادرة على امتصاص الصدمات.

وفي هذا السياق، فإن القضية الأساسية ليست ما إذا كان الوقود رخيصا أو غاليا في ذاته، وإنما ما إذا كان سعره متناسبا مع دخل المواطن، وكفاءة الخدمات العامة، ومستوى الأسعار، وقيمة العملة المحلية.

وبحسب رؤية عصر، فإن الهدف النهائي للسياسة الاقتصادية لا ينبغي أن يكون تحسين أرقام الميزانية فقط، بل بناء اقتصاد أكثر استقرارا، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين الإنتاج، وخفض التكلفة الإجمالية على المجتمع. فالدولة، في النهاية، لا تدير حسابات الوقود وحدها، وإنما تدير اقتصادا وحياة مواطنين تتأثر كل حلقة فيها بالقرارات التي تتخذ في الحلقة الأخرى.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا