آخر الأخبار

المجلس الوطني للمرأة في ليبيا بين الاستقلال والوصاية الحكومية.. أين ينتهي دور الدولة ويبدأ المجتمع المدني؟ - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

المجلس الوطني للمرأة في ليبيا بين الاستقلال والوصاية الحكومية.. أين ينتهي دور الدولة ويبدأ المجتمع المدني؟

بين حماية حقوق المرأة وتوسيع قبضة السلطة

يتجاوز الجدل حول إنشاء «المجلس الوطني للمرأة» في ليبيا مسألة تأسيس كيان جديد يُعنى بقضايا النساء، ليطرح سؤالاً أعمق يتعلق بطبيعة الدولة وحدود تدخل السلطة التنفيذية في عمل المجتمع المدني، ومدى قدرة المؤسسات التي تحمل صفة «الوطنية» على ممارسة دور مستقل بعيداً عن التوجيه الحكومي.

فالاعتراض المطروح لا ينطلق من رفض الاهتمام بالمرأة أو مناهضة إنشاء مؤسسة متخصصة في الدفاع عن حقوقها وتمثيلها، بل من زاوية قانونية ومؤسسية تسأل عن الجدوى الفعلية من إنشاء مجلس بقرار صادر عن مجلس وزراء حكومة الدبيبة منتهية الولاية، إذا كان هذا المجلس سيظل في نهاية المطاف مرتبطاً بالسلطة التنفيذية وخاضعاً لتوجيهاتها.

وفي بلد يعاني منذ سنوات من تضخم الهياكل الرسمية وتعدد مراكز القرار وتداخل الصلاحيات، تبدو المسألة أبعد من مجرد تسمية مؤسسة جديدة. إنها ترتبط بطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبالحدود التي ينبغي أن تفصل بين العمل الحكومي والعمل المدني.

مصدر الصورة المجلس الوطني للمرأة في ليبيا بين الاستقلال والوصاية الحكومية.. أين ينتهي دور الدولة ويبدأ المجتمع المدني؟

مجلس وطني أم ذراع حكومية؟

المفهوم المؤسسي للمجلس الوطني يفترض أن يكون له هامش واضح من الاستقلال يسمح له بالرصد والتقييم وإبداء الرأي والدفاع عن الحقوق ومتابعة السياسات العامة، وليس أن يتحول إلى وحدة إدارية أخرى داخل الجهاز التنفيذي.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما القيمة التي سيضيفها مجلس وطني للمرأة إذا كانت السلطة التنفيذية تملك أصلاً وزارة أو مكتباً حكومياً مختصاً بشؤون المرأة؟

فإذا كانت الجهة الحكومية القائمة مسؤولة عن إعداد السياسات وتنفيذها، فما الدور الذي سيبقى للمجلس الجديد؟ وإذا كان المجلس سيتولى التنسيق والإشراف والتمثيل، فكيف ستتوزع الصلاحيات بينه وبين الجهة الحكومية القائمة؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً إدارياً، بل تمس جوهر العمل المؤسسي في ليبيا، خصوصاً في ظل تجربة طويلة أفرزت أجساماً متعددة تتقاطع اختصاصاتها، بينما يبقى المواطن هو الطرف الذي يدفع ثمن غياب الوضوح المؤسسي.

القيود على الكيانات النسائية تفتح ملف المجتمع المدني

الجانب الأكثر حساسية في القضية يتعلق بالتوجيهات المرتبطة بالقرار، والتي تضع، وفق الطرح الوارد، قيوداً على قيام الكيانات النسائية بتنظيم الفعاليات وإطلاق المبادرات والبرامج أو تمثيل المرأة أمام الجهات الرسمية والدولية، إلا وفق الأطر والإجراءات المعتمدة وبالتنسيق مع مكتب وزير الدولة لشؤون المرأة.

وهنا تنتقل القضية من سؤال المجلس وحده إلى مساحة أوسع تتعلق بحق المجتمع المدني في الحركة والعمل والتعبير عن مصالح الفئات التي يمثلها.

فالكيانات النسائية، متى كانت قائمة بصورة قانونية، ليست إدارات حكومية، كما أن المرأة الليبية ليست ملفاً مغلقاً داخل مكتب وزاري يمكن التحكم في مسارات التعبير عنها من خلال التسلسل الإداري.

ومن منظور حقوقي، فإن تنظيم العمل المدني أمر مختلف عن إخضاعه للسلطة التنفيذية. الدولة تحتاج إلى قواعد واضحة تضمن المشروعية والشفافية والمساءلة، لكنها في الوقت ذاته مطالبة بترك مساحة حقيقية للمجتمع المدني كي يمارس دوره دون أن يتحول التنسيق الإداري إلى وصاية على النشاط الأهلي.

مصدر الصورة المجلس القومي للمرأة الليبية

ليبيا بحاجة إلى قانون للمجتمع المدني

المشكلة الأوسع التي تكشفها هذه الحالة هي غياب إطار قانوني عصري وواضح ينظم عمل مؤسسات المجتمع المدني في ليبيا ويحدد علاقتها بالدولة، ويوازن بين حرية النشاط المدني ومتطلبات التنظيم والمساءلة.

فالمطلوب ليس إطلاق مؤسسات جديدة لمجرد معالجة أزمة مؤسسية قائمة، بل بناء منظومة قانونية تحدد من يملك الاختصاص، ومن يراقب، ومن ينفذ، ومن يمثل المواطنين، وكيف تتم مساءلة كل جهة.

والمجتمع المدني المنظم لا يعني الفوضى، كما أن الدولة القوية لا تعني بالضرورة إخضاع كل المبادرات والكيانات الأهلية لتوجيه السلطة التنفيذية.

على العكس، فإن قوة الدولة الحديثة تقاس أيضاً بقدرتها على وضع قواعد واضحة تسمح للمؤسسات المستقلة بالعمل ضمن القانون، مع إخضاعها للمساءلة دون تحويلها إلى أدوات إدارية تابعة للحكومة.

أزمة ليبيا ليست نقص المؤسسات فقط

تكشف قضية المجلس الوطني للمرأة عن مشكلة تتجاوز هذا الملف تحديداً. ليبيا عانت طويلاً من ضعف المؤسسات، لكن المشهد الراهن يطرح مشكلة أخرى تتمثل في تكاثر الأجسام وتداخل الاختصاصات وتعدد الجهات التي تتحدث باسم الفئات نفسها.

وهذا التداخل لا يخلق بالضرورة خدمة أفضل للمواطن، بل قد ينتج صراعاً على الصلاحيات، ويزيد من البيروقراطية، ويفتح الباب أمام تضارب القرارات والمسؤوليات.

وفي هذا السياق، يصبح إنشاء أي جسم جديد بحاجة إلى مبرر قانوني ومؤسسي واضح، يجيب عن سؤال بسيط: ماذا سيقدم هذا الجسم ولا تستطيع مؤسسة قائمة تقديمه؟

وإذا لم تكن الإجابة محددة، فإن الخطر يكمن في إضافة مؤسسة جديدة إلى منظومة تعاني أصلاً من تضخم الهياكل، بدلاً من إصلاح الخلل القائم.

مصدر الصورة
جدل نسوي واسع يثير انقسامًا حول المرأة والهوية في ليبيا

المرأة الليبية تحتاج تمثيلاً مستقلاً

القضية في جوهرها ليست صراعاً على اسم «المجلس الوطني للمرأة»، وإنما على طبيعة الدور الذي سيؤديه.

إذا كان المجلس مستقلاً في تشكيله واختصاصاته، وقادراً على مراقبة السياسات العامة وإبداء الرأي والدفاع عن حقوق النساء وتمثيلهن أمام مؤسسات الدولة والجهات الدولية، فإنه يمكن أن يشكل قيمة مضافة حقيقية.

أما إذا أصبح المجلس قناة حكومية جديدة تتحدث باسم النساء من داخل السلطة التنفيذية، فإن السؤال سيظل قائماً حول الفرق بينه وبين الوزارة أو المكتب الحكومي المختص.

وبالنسبة للمرأة الليبية، التي تواجه تحديات اجتماعية واقتصادية وحقوقية وأمنية متراكمة، فإن الأولوية ليست في زيادة عدد المؤسسات التي تحمل اسمها، وإنما في ضمان أن تكون هناك مؤسسة قادرة فعلياً على التعبير عن مصالحها والدفاع عن حقوقها بعيداً عن الحسابات الإدارية والسياسية الضيقة.

السؤال الذي لا يمكن تجاوزه

المطلوب اليوم نقاش ليبي جاد حول مستقبل المجتمع المدني، يبدأ من القانون ولا ينتهي عند تشكيل مجلس أو لجنة.

ليبيا تحتاج إلى مؤسسات محددة الاختصاص، واضحة المسؤوليات، مستقلة في وظائفها، خاضعة للقانون والمساءلة، لا إلى أجسام تتكاثر ثم تتنافس على الاختصاص ذاته.

ومن هنا يبقى السؤال الأكثر وضوحاً: هل تريد ليبيا مجلساً وطنياً للمرأة يمثل النساء أمام الدولة، أم مجلساً حكومياً يمثل الحكومة أمام النساء؟

الفارق بين النموذجين لا تحدده التسمية، وإنما تحدده استقلالية المؤسسة، وطريقة تشكيلها، واختصاصاتها، وحدود علاقتها بالسلطة التنفيذية.

وفي بلد أنهكته الانقسامات وتعدد السلطات وتداخل الصلاحيات، فإن حماية استقلال المجتمع المدني ليست ترفاً سياسياً، كما أن تنظيمه ليس انتقاصاً من دوره. التحدي الحقيقي هو بناء معادلة قانونية تمنع الفوضى من جهة، وتمنع الوصاية الحكومية من جهة أخرى، وتضع المواطن والمرأة الليبية في قلب أي إصلاح مؤسسي مرتقب.

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا