لا تختفي أموال ليبيا بمجرد خروجها من الحدود، ولا تتحول الأموال والأصول الموجودة في الخارج تلقائياً إلى ثروة مجهولة المصير، خلف كل حساب مصرفي أو عقار أو استثمار قصة ملكية وإدارة ومستفيد حقيقي، وقد تتحول رحلة تتبع الأموال إلى معركة قانونية طويلة بين مؤسسات ليبية وأنظمة قضائية ومالية متعددة.
ويرى المحلل الحقوقي عصام التاجوري أن ملف الأموال الليبية في الخارج أكبر بكثير من مجرد أموال مهربة، إذ يشمل حسابات وعقارات واستثمارات موزعة في دول مختلفة، بعضها مجمد وبعضها يخضع لإجراءات أو نزاعات قانونية.
ويؤكد أن السؤال لم يعد فقط كم تبلغ قيمة الأموال الليبية الموجودة في الخارج؟، وإنما الأهم: أين توجد؟ ومن يديرها؟ ومن ينتفع من عوائدها؟ ومن يملك الحق القانوني في استردادها؟
وقال التاجوري إن أموال ليبيا وأصولها في الخارج ليست مجرد مبالغ مالية جرى تهريبها، وإنما تشمل أصولاً متعددة موزعة بين أنظمة قضائية ومالية مختلفة.
وأضاف التاجوري، أن الوصول إلى هذه الأموال واستردادها يحتاج إلى تحديد مصادرها ومساراتها، ومعرفة المالك المستفيد الحقيقي منها، إلى جانب توفير الوثائق والأحكام القضائية اللازمة وفتح قنوات تعاون مع الجهات المختصة في الدول التي توجد فيها تلك الأصول.
فانتقال الأموال من حساب إلى آخر أو تسجيل العقارات والشركات بأسماء كيانات مختلفة قد يجعل تحديد المستفيد الحقيقي أكثر تعقيداً، لكنه لا يعني بالضرورة استحالة الوصول إلى الأموال.
بحسب التاجوري، فإن جوهر القضية لا يكمن فقط في تحديد حجم الأموال الليبية الموجودة في الخارج، وإنما في معرفة الجهة التي تديرها حالياً.
وطرح التاجوري في هذا السياق عدة أسئلة حول مصير الأصول الليبية، ومن يتولى إدارتها، وما إذا كانت تحقق عوائد أو أرباحاً خلال فترة التجميد، ومن يستفيد من هذه العوائد.
وأكد التاجوري أن هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي عملية جادة لاسترداد الأموال، لأن معرفة أصل المال دون معرفة الجهة التي تديره حالياً تترك جزءاً مهماً من القضية دون إجابة.
وأشار التاجوري إلى أن تجميد بعض الأصول لا يعني بالضرورة توقفها عن تحقيق عوائد، خصوصاً إذا كانت مرتبطة باستثمارات أو عقارات أو ودائع أو أصول مالية.
ومن هنا تبرز تساؤلات حول الجهة المستفيدة من تلك العوائد، وكيفية إدارتها، وما إذا كانت تعود في النهاية إلى الدولة الليبية أو تُستخدم لتغطية تكاليف الإدارة والحماية والتقاضي.
كما يطرح الملف سؤالاً آخر يتعلق بتكاليف متابعة هذه الأصول وإدارتها: من يتحملها، وكيف تحسب، ومن يراقبها؟
واعتبر التاجوري أن المفارقة الأخطر في الملف تتمثل في أن بعض الأشخاص الذين كُلّفوا بإدارة الأموال أو الأصول المنهوبة استولوا بدورهم على جزء منها أو كلها.
وبحسب طرحه، فإن عملية الاستيلاء لا تنتهي بالضرورة عند الشخص الذي أخرج الأموال من ليبيا، إذ يمكن أن تبدأ مرحلة جديدة عندما تُسند مهمة إدارة الأموال أو حمايتها أو متابعة استردادها إلى أشخاص لا يخضعون لرقابة كافية.
وحذر التاجوري، من أن غياب الرقابة والشفافية في إدارة هذه الملفات قد يؤدي إلى تحول الأموال التي يفترض حمايتها إلى هدف جديد للاستيلاء، لتصبح الدولة أمام سلسلة متتالية من عمليات النهب بدلاً من عملية استرداد حقيقية.
وهنا تتغير طبيعة السؤال في ملف الأموال الليبية بالخارج.
فبدلاً من الاكتفاء بالبحث عن الشخص الذي استولى على المال في البداية، تصبح هناك حاجة إلى تتبع كامل لمساره، منذ لحظة خروجه من ليبيا، مروراً بالحسابات والشركات والأصول التي انتقل إليها، وصولاً إلى الأشخاص والجهات التي تولت إدارته لاحقاً.
وهذا المسار، بحسب التاجوري، ضروري لكشف أي عمليات استيلاء لاحقة على الأموال أو عوائدها.
وشدد التاجوري على أن استرداد الأموال الليبية لا يمكن أن يتم بقرار سياسي فقط، وإنما يحتاج إلى عمل متخصص في الجوانب المالية والقانونية.
ويتطلب ذلك تتبع مصادر الأموال، وإثبات ملكيتها أو ارتباطها بالمال العام، وتحديد المستفيد الحقيقي منها، إلى جانب تجهيز الملفات والوثائق والأحكام المطلوبة للتعامل مع الجهات القضائية الأجنبية.
كما تحتاج العملية إلى تنسيق بين المؤسسات الليبية، بحيث لا تعمل كل جهة بشكل منفصل، ولا تتضارب المطالبات والملفات أمام الدول التي توجد فيها الأموال.
وأوضح التاجوري أن واحدة من أكبر المشكلات التي تواجه ليبيا تتمثل في غياب قاعدة بيانات وطنية موحدة تضم الأموال والأصول محل الشبهة.
وطالب بتحديد كل أصل أو حساب أو شركة مرتبطة بالمال الليبي، وتسجيل موقعها وقيمتها والجهة التي تديرها والمستفيد الحقيقي منها، إلى جانب توثيق الإجراءات القانونية المتعلقة بها.
مثل هذه القاعدة، وفق رؤيته، يمكن أن تمنح الدولة صورة واضحة عن حجم الملف وتمنع ضياع المعلومات بين المؤسسات المختلفة.
وتزداد أهمية تحديد «المستفيد الحقيقي» عندما تكون الأموال أو العقارات مملوكة ظاهرياً لشركات أو أشخاص، بينما توجد خلفها جهات أخرى تتحكم فعلياً في الأصل أو تستفيد من عوائده.
وبين التاجوري أن معرفة المستفيد الحقيقي من الشركات والأصول يجب أن تكون جزءاً أساسياً من أي استراتيجية لاسترداد الأموال، لأن الوصول إلى الاسم المسجل على الورق لا يعني بالضرورة الوصول إلى الشخص الذي يملك أو ينتفع فعلياً من المال.
استرداد الأموال الليبية في الخارج يحتاج، وفق التاجوري، إلى فرق متخصصة تجمع بين الخبرة القانونية والمالية، قادرة على تتبع حركة الأموال وإعداد الملفات وملاحقة الأصول أمام الجهات المختصة.
كما يحتاج إلى تنسيق مؤسسي حقيقي، لأن الأموال لا تتحرك داخل حدود دولة واحدة، بينما عملية استردادها قد تتطلب التعامل مع عدة دول وأنظمة قانونية في الوقت نفسه.
وهنا تصبح قدرة ليبيا على تنظيم ملفها الداخلي شرطاً أساسياً قبل مطالبة الخارج بإعادة الأموال.
المصدر:
أخبار ليبيا ٢٤