آخر الأخبار

جدل اقتصادي حول الدولار والكهرباء بين الإصلاح المالي وإدارة الطلب - أخبار ليبيا 24

شارك

أخبار ليبيا 24

الاقتصاد لا ينتظر السياسة

حذر رجل الأعمال حسني بي من أن استمرار تأجيل القرارات الاقتصادية بحجة انتظار تسوية الانقسام السياسي وتوحيد المؤسسات قد يفاقم الكلفة التي يتحملها المواطن الليبي، مؤكداً أن الاقتصاد لا ينتظر اكتمال التوافق السياسي، وأن عدم اتخاذ القرار يمثل في حد ذاته قراراً تترتب عليه فاتورة يومية.

وأوضح بي، في سلسلة منشورات عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن التعامل مع الأزمة النقدية الليبية يتطلب مراعاة طبيعة الاقتصاد الريعي والانقسام المؤسسي والإنفاق العام غير المنضبط والتمويل بالعجز والتضخم في الكتلة النقدية، لكنه رفض الاكتفاء بإدارة الأزمة إلى حين انتهاء الانقسام.

وربط بي جانباً أساسياً من الأزمة بسعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي، موضحاً أن ابتعاد السعر الرسمي عن السعر الذي يفرضه توازن العرض والطلب على الدولار يؤدي بصورة تلقائية إلى نشوء سعر موازٍ، فيما تتحول الفجوة بين السعرين إلى مجال للمضاربة وتحقيق الريع.

وأكد أن السؤال لا ينبغي أن ينحصر في بيع الدولار من عدمه، وإنما في السعر الذي يباع به والآلية التي يتم من خلالها، وما إذا كانت تلك الآلية تقلص الفجوة السعرية أم تعيد إنتاجها.

مصدر الصورة

الإنفاق العام في قلب الاختلال

وشدد بي على ضرورة عدم الخلط بين سعر الصرف وأصل الأزمة، معتبراً أن سعر العملة أحد أبرز أعراض الاختلال وليس مصدره الأساسي. وقال إن استمرار الإنفاق العام بما يتجاوز الإيرادات والموارد المتاحة، ثم خلق المزيد من الدينارات لتمويل ذلك الإنفاق، بالتزامن مع محاولة تثبيت قيمة الدينار إدارياً أمام كمية محدودة من الدولار، ينتج حلقة متواصلة من العجز والتوسع النقدي والتضخم والضغط على العملة الأجنبية.

وبحسب تصوره، فإن معالجة الأزمة تتطلب مسارين متزامنين، أحدهما ضبط الإنفاق العام ووقف التمويل بالعجز، والآخر إصلاح سعر الصرف وآلية بيع النقد الأجنبي وتوحيد قنوات الوصول إليه بشفافية، بما يسمح بتقليص الفجوة السعرية والحد تدريجياً من ريع المضاربة.

وأكد أن الاختلاف حول السعر المناسب أو توقيت الانتقال إليه يظل مسألة قابلة للنقاش والقياس، لكن تأجيل القرار إلى حين توفر ظروف مثالية يحمل كلفة يتحملها المواطن من قيمة الدينار وقوته الشرائية، كما يتحمل الاقتصاد كلفته من الاحتياطيات وفرص الاستثمار والنمو.

جدل حول مصادر الطلب على الدولار

وفي سياق متصل، أثارت تقديرات بي بشأن مصادر الطلب على الدولار في السوق الموازية نقاشاً مع الخبير الاقتصادي ميلاد علي حويو، الذي اعتبر أن التركيز على النتائج لا يكفي لتفسير الأسباب الهيكلية للأزمة.

وقال حويو إن إرجاع نصف الطلب على السوق الموازية إلى العمالة الوافدة وتحويلاتها يمثل تبسيطاً شديداً لأزمة أعمق، مشيراً إلى أن غالبية العمالة الوافدة تتقاضى أجورها بالدينار الليبي وتلجأ إلى شراء الدولار نقداً لتحويل مدخراتها، لكن حجم تلك التحويلات، مهما بلغ، لا يفسر وحده الطلب على مليارات الدولارات اللازمة لتغطية الاعتمادات والسلع الأساسية.

ورأى أن المشكلة تكمن أيضاً في غياب قنوات مصرفية رسمية سريعة وفعالة لتحويل الأموال، الأمر الذي يدفع جزءاً من الطلب القائم إلى السوق الموازية، كما أشار إلى أن ما يسمى بالاستيراد السريع قد يرتبط عملياً باستيراد خارج القنوات المصرفية الرسمية نتيجة تأخر الاعتمادات أو القيود والإجراءات البيروقراطية، وهو ما يدفع بعض التجار إلى السوق الموازية لتغطية التزاماتهم.

مصدر الصورة ليبيا سجالاً، اقتصادياً، واسعاً ، أكاديميين ،رجال أعمال ،خبراء ، الإصلاح الهيكلي ،سعر الصرف ، المصرف المركزي

حويو: التضخم والدولرة محركان أساسيان

وطرح حويو جانباً آخر من الأزمة يتعلق بتضخم الإنفاق العام بالدينار وضخ كميات كبيرة من السيولة دون زيادة موازية في الإنتاج، معتبراً أن ذلك يعزز الطلب على العملة الأجنبية.

كما أشار إلى ما وصفه بالهروب من الدينار والتحوط من تآكل القوة الشرائية، باعتبارهما من المحركات الأساسية للطلب على الدولار، وليس فقط أغراض السفر أو العلاج أو الدراسة.

وانتقد حويو التعويل على توثيق العمالة الوافدة والشمول المالي وحدهما لتقليص الفجوة السعرية، موضحاً أن هذه الإجراءات تساعد على تنظيم حركة النقد وتتبعها لكنها لا تنتج دولاراً، وأن تقليص الفجوة يحتاج إلى سياسة نقدية موحدة، وتسهيل الوصول إلى النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية، وضبط الإنفاق العام.

وخَلُص إلى أن تحميل العمالة الوافدة مسؤولية الأزمة يعني التركيز على طرف أضعف في الحلقة الاقتصادية، بينما تتمثل الأسباب الأعمق، وفق طرحه، في الانقسام الاقتصادي وغياب الشفافية في إدارة السياسة النقدية.

بي يوضح: لا أحمل العمالة الوافدة مسؤولية الأزمة

ورد بي على حويو بالتأكيد على أن هناك فرقاً بين أسباب اختلال الاقتصاد الليبي وبين مصادر الطلب الفعلي على الدولار في السوق الموازية.

وقال إنه لم يحمل العمالة الوافدة مسؤولية أزمة الدينار أو الفجوة السعرية، مشيراً إلى أن العامل الذي يتقاضى أجره بالدينار ويرغب في تحويل مدخراته إلى بلده يمارس سلوكاً اقتصادياً طبيعياً ومشروعاً.

وأوضح أن تقديره لمصدر الطلب المتعلق بالعمالة الوافدة يستند إلى وجود كتلة كبيرة من العاملين الأجانب الذين يحصلون على دخولهم بالدينار ثم يحتاجون إلى تحويلها إلى عملات أجنبية، وأن غياب القنوات الرسمية للتحويل يدفع جزءاً من هذا الطلب إلى السوق الموازية.

وأكد أن توثيق العمالة الوافدة والشمول المالي وفتح قنوات رسمية للتحويل لا يعني خلق دولارات جديدة، وإنما نقل طلب قائم من السوق الموازية إلى السوق الرسمية القابلة للقياس والرقابة، بما يمكن أن يخفف الضغط على السوق الموازية، دون أن يكون ذلك علاجاً كاملاً للاختلال الاقتصادي.

وأقر بي بأن الجذر الأعمق للأزمة يتمثل في التوسع بالإنفاق العام بالدينار، ونمو عرض النقود، وضعف الإيرادات المحلية، والفارق بين السعر الرسمي والسعر الذي يوازن العرض والطلب.

مستويان متداخلان للأزمة النقدية

وحدد بي مستويين يرى ضرورة الفصل بينهما عند تحليل أزمة النقد الأجنبي. الأول يتعلق بسبب فقدان الدينار لتوازنه، ويرتبط بالإنفاق العام وعرض النقود والتضخم والسياسة المالية والنقدية وسعر الصرف. أما الثاني فيتعلق بمصادر الطلب اليومي على الدولار في السوق الموازية، وتشمل تحويلات العمالة والاستيراد خارج القنوات المصرفية والسفر والعلاج والدراسة والتحوط وغيرها.

وأكد أن معالجة المستوى الثاني لا تغني عن معالجة المستوى الأول، كما أن إصلاح السياسة المالية والنقدية لا يبرر تجاهل بنية الطلب الموازي ومصادره.

وشدد على أن العامل الوافد لا يتحمل مسؤولية اللجوء إلى السوق الموازية إذا كان النظام المالي لا يوفر له قناة رسمية مناسبة لتحويل دخله، مؤكداً أن الشمول المالي وتوثيق العمالة وفتح التحويلات الرسمية يجب أن تكون جزءاً من إصلاح أوسع، لا بديلاً عنه.

مصدر الصورة
بلاك أوت جديد يهز ليبيا… أزمة الكهرباء تتحول إلى اختبار سياسي واقتصادي يضاعف معاناة المواطنين

إصلاح الكهرباء يبدأ من القانون والاقتصاد

وفي ملف الكهرباء، دعا بي إلى إعادة هيكلة القطاع انطلاقاً من إصلاح النموذج الاقتصادي والإداري الذي يحكم عمله، بدلاً من الاكتفاء بالفصل بين التوليد والنقل والتوزيع أو إصدار تشريعات جديدة.

وأشار إلى القانون رقم 17 لسنة 1984 الخاص بإنشاء الشركة العامة للكهرباء، موضحاً أن التشريع نقل النشاط من نموذج المؤسسة العامة إلى شركة ذات ذمة مالية مستقلة، إلا أن الشركة بقيت عملياً مرتبطة بصورة واسعة بالميزانية العامة، مع تحمل الدولة تكاليف التمويل والاستثمار والصيانة، وتوفير الوقود بأسعار مدعومة، في وقت لا تعكس فيه الجباية والإيرادات بصورة حقيقية تكلفة التشغيل والأداء.

وطالب بتفعيل مفهوم الشركة من خلال ميزانية وذمة مالية مستقلتين، وحصر الأصول والالتزامات، وتحديد التكاليف والإيرادات، وتعزيز الحوكمة والمساءلة، وإعداد قوائم مالية مدققة توضح تكلفة إنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء والجهة التي تتحمل تلك التكلفة.

اقتصاديات الطاقة قبل زيادة المحطات

ويرى بي أن إصلاح الكهرباء لا يمكن أن ينفصل عن إصلاح اقتصاديات الطاقة، إذ إن تقديم الغاز والوقود للتوليد بأسعار شديدة الانخفاض، وبيع الكهرباء بأقل بكثير من تكلفتها الاقتصادية، إلى جانب ضعف الجباية، يحرم السوق من إشارات سعرية ضرورية لتحسين الكفاءة وترشيد الاستهلاك وتشجيع الاستثمار.

ودعا إلى التحول تدريجياً من دعم السلعة إلى دعم المواطن، من خلال تعرفة تعكس التكلفة الاقتصادية للطاقة، بالتزامن مع دعم نقدي مباشر للفئات المستحقة، بدلاً من الدعم المفتوح الذي يستفيد منه المستهلكون بدرجات متفاوتة.

كما شدد على إعطاء الأولوية لتعظيم استخدام الغاز ورفع كفاءة محطات التوليد والتوسع في محطات الدورة المركبة، مع تقليص الاعتماد على الديزل والوقود السائل مرتفع التكلفة.

وأوضح أن تكلفة إنشاء القدرة الاسمية تمثل، وفق تقديره، نحو 10 بالمئة من إجمالي التكلفة السنوية، مقابل نحو 90 بالمئة للتكاليف التشغيلية، ولذلك فإن زيادة عدد المحطات لا ينبغي أن تكون معيار النجاح، وإنما تكلفة الكيلوواط/ساعة المتاح فعلياً، وكفاءة المحطات واستمرارية الخدمة.

شبكة وطنية ومنافسة بضوابط واضحة

ودعا بي إلى فصل التوليد عن النقل والتوزيع، مع إبقاء شبكة النقل الوطنية محايدة ومتاحة للمنتجين وفق قواعد معلنة، وفتح مجال التوليد أمام المنافسة والاستثمار من خلال عقود شراء طاقة قابلة للتمويل.

ويرى أن هذا النموذج يمكن أن ينقل جزءاً من مخاطر رأس المال والتشغيل والأداء إلى المستثمر بدلاً من تحميلها بالكامل للخزانة العامة.

كما رفض تصنيف رأس المال الخاص على أساس كونه وطنياً أو أجنبياً باعتباره محدداً لطبيعة سلوكه، مؤكداً أن القواعد والحوافز هي التي تحدد سلوك رأس المال، وأن المستثمر الليبي والأجنبي يجب أن يخضعا لقواعد واحدة تتعلق بالمنافسة والشفافية والإفصاح وتحمل المخاطر وتضارب المصالح والمحاسبة.

وقال إن النظام الذي يسمح بالريع والاحتكار والعمولات سيجذب السلوك الريعي بغض النظر عن جنسية المستثمر، بينما تدفع القواعد التي تكافئ الإنتاج والكفاءة والاستثمار رأس المال نحو هذه المجالات.

محطة الطاقة الشمسية في مدينة الكُفرة

العدادات والطاقة الشمسية تحتاجان إلى سوق منظم

وأكد بي أن العدادات الذكية والطاقة الشمسية ونظام القياس الصافي يمكن أن تمثل أدوات مهمة لتطوير قطاع الكهرباء، لكنه حذر من أن فاعليتها ستظل محدودة في ظل سوق تباع فيه الكهرباء بأسعار شديدة الانخفاض.

وأشار إلى ضرورة وجود تعرفة اقتصادية وقياس فعلي للاستهلاك وجباية حقيقية، بالتوازي مع حماية اجتماعية مباشرة للمواطنين الذين يحتاجون إلى الدعم.

تفكيك اقتصاد الريع يبدأ من قواعد القطاع

وفيما يتعلق بشبكات المصالح المرتبطة بالكهرباء، قال بي إن تفكيكها لا يتحقق بالملاحقة الإدارية وحدها، وإنما يتطلب معالجة النموذج الاقتصادي الذي أنتج الريع.

وأوضح أن المطلوب هو تحويل مركز الأرباح من استيراد المعدات والوقود وقطع الغيار وتكرار عقود الصيانة إلى الاستثمار والإنتاج وتوفير الكهرباء بأعلى إتاحة وأقل تكلفة.

وتتقاطع هذه الرؤية مع جوهر النقاش الأوسع حول الاقتصاد الليبي، حيث يرى بي أن الإصلاح لا يمكن اختزاله في إجراء نقدي أو إداري منفرد، كما أن حويو يحذر من اختزال أزمة الدولار في مصدر واحد للطلب. وبين الرؤيتين يبرز اتفاق على وجود اختلالات مالية ونقدية عميقة، مع اختلاف في تقدير وزن بعض مصادر الطلب على العملة الأجنبية وآليات التعامل معها.

وفي المحصلة، يدفع بي باتجاه إصلاح متزامن للمالية العامة والسياسة النقدية وقطاع الكهرباء، يقوم على ضبط الإنفاق وعرض النقود، وتوسيع القنوات الرسمية للنقد الأجنبي، وإعادة تنظيم اقتصاديات الطاقة، وتحويل الشركات العامة من مراكز تكلفة مفتوحة على المال العام إلى كيانات اقتصادية أكثر شفافية ومساءلة.

وأكد أن معيار نجاح إصلاح الكهرباء لا ينبغي أن يكون حجم الإنفاق أو قيمة العقود، بل تكلفة الكيلوواط/ساعة وكفاءة محطات التوليد ومستوى الإتاحة واستمرارية الخدمة، فيما يظل معيار الإصلاح النقدي قدرة السياسات العامة على تقليص الفجوة بين السعرين وحماية القوة الشرائية للمواطن.

وهنا يبقى السؤال… هل يبدأ إنقاذ الاقتصاد الليبي بضبط الإنفاق أم بإصلاح سعر الصرف؟

لقراءة المقال كاملا إضغط هنا للذهاب إلى الموقع الرسمي
شارك

الأكثر تداولا أمريكا اسرائيل إيران

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا