ربطت المؤسسة المشاركة لمنصة البحر الأبيض المتوسط، التابعة للمركز العربي - واشنطن، الفرنسية فيرجيني كولومبييه، بين موجة الحر الشديدة التي ضربت غرب ليبيا الشهر الماضي وأزمات متراكمة في قطاع الكهرباء والبنية التحتية وإدارة الدولة، بعدما أدى ارتفاع درجات الحرارة إلى زيادة الطلب على أجهزة التكييف، بالتزامن مع مشاكل الصيانة ونقص إمدادات الوقود، ما دفع شبكة الكهرباء المتقادمة إلى تجاوز قدرتها على التحمل.
وقالت في مقال، نشره الموقع الإلكتروني للمركز العربي - واشنطن، وهو مؤسسة بحثية أميركية، إن أزمة انقطاع الكهرباء تمثل انعكاسا لمشاكل الفساد وسوء الحوكمة التي ترسخت داخل النخب السياسية، وما نتج عنها من ضعف في إدارة الدولة وتقديم الخدمات.
انقطاع الكهرباء تثير احتجاجات واسعة
سجلت بعض المناطق انقطاعات للكهرباء تجاوزت 14 ساعة يوميا، وتسببت في نقص حاد بالمياه وانقطاع الاتصالات، قبل أن تشهد مدن وبلدات في غرب ليبيا احتجاجات واسعة. وأغلق المحتجون طرقا ومقرات حكومية وشركات مملوكة للدولة، تعبيرا عن غضبهم من تراجع الخدمات العامة، وارتفاع الأسعار، وتدهور الظروف المعيشية.
- خبير اقتصادي: لا حلول سحرية لأزمة الكهرباء.. وإعادة هيكلة القطاع هي الأساس
- جريدة «الوسط»: الكهرباء «تشحن» الشارع و«تصعق» الحكومة
- أزمة الكهرباء في ليبيا تتفاقم وسط اتهامات بالفساد ونقص الوقود
وفي 28 يوليو، تمكن محتجون من وقف العمل ساعات عدة في مجمع مليتة الصناعي، أحد أهم مراكز إنتاج الغاز والكهرباء في ليبيا، ما أدى إلى توقف صادرات الغاز إلى إيطاليا، وانخفاض إمدادات الغاز لمحطات الكهرباء المحلية. وتدخلت قوات أمن حكومية لاستعادة السيطرة على المجمع، لكن ذلك لم يُنه الأزمة.
وتأتي تداعيات موجة الحر في ظل غياب الاستعداد الكافي لمواجهة الكوارث المرتبطة بالمناخ. فقد كشفت أحداث سابقة، من بينها العاصفة «دانيال» في سبتمبر العام 2023، التي تسببت في فيضانات كارثية أودت بحياة آلاف الأشخاص، ودمرت أجزاء كبيرة من مدينة درنة، ضعف استعداد ليبيا للتعامل مع الكوارث المناخية.
وعلى الرغم من ذلك، لم تطلق ليبيا أول استراتيجية وطنية شاملة للمناخ إلا في يوليو 2026، في وقت كانت فيه البلاد تفتقر إلى إطار للتعامل مع التحديات البيئية، وفي ظل ضعف البنية التحتية وتعرضها للجفاف وشح المياه.
وأشارت الباحثة إلى أن ضعف الاستعداد لا يرتبط بنقص الموارد المالية، في ظل الثروة النفطية الكبيرة التي تتمتع بها ليبيا، حيث ارتفع إنتاج النفط الخام خلال 2026 إلى أعلى مستوى له في 13 عاما، بمتوسط تراوح بين 1.4 و1.49 مليون برميل يوميا. كما أسهم ارتفاع أسعار النفط عالميا نتيجة الحرب على إيران والصراع في الشرق الأوسط في زيادة إيرادات الدولة.
الفساد وسوء الحوكمة
إلى ذلك، لا تربط الباحثة الاحتجاجات بأزمة التخطيط للكوارث وحدها، بل تعدها انعكاسا أيضا لمشاكل الفساد وسوء الحوكمة التي ترسخت داخل النخب السياسية، وما نتج عنها من ضعف في إدارة الدولة وتقديم الخدمات. ودعا محتجون إلى العصيان المدني، في وقت يواصل فيه الليبيون، بعد 15 عاما من سقوط نظام معمر القذافي، تحمل آثار نظام سياسي منقسم تتنافس فيه أطراف مختلفة على السلطة، والوصول إلى موارد الدولة، بينما بقيت إدارة البلاد وتقديم الخدمات في مرتبة ثانوية.
وتأتي أزمة الكهرباء في سياق الانقسام المستمر منذ أكثر من عقد بين الأطراف في شرق البلاد وغربها. وعلى الرغم من أن الاحتجاجات الكبرى التي شهدها غرب البلاد، وتأثر سكان الشرق والجنوب أيضا بأزمة الكهرباء وتراجع مستويات المعيشة، فإن الإجراءات الأمنية التي تفرضها السلطات التابعة لمجلس النواب، إلى جانب الهياكل الاجتماعية المحلية، كانت أكثر قدرة على احتواء الاحتجاجات.
تفاهمات لا تسهم في استعادة قدرة الدولة
تزامنت الأزمة مع أول مؤشرات التقارب بين «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة» والحكومة التابعة لمجلس النواب، بعدما وافقتا في أبريل 2026 على أول موازنة وطنية موحدة منذ 2013، في مبادرة توسط فيها المبعوث الأميركي الخاص، مسعد بولس، بعد أكثر من عقد من المحاولات الدولية الفاشلة لتوحيد المؤسسات الليبية.
على الرغم من تقديم الاتفاق بوصفه مؤشرا على تقدم سياسي، يرى المقال أن مثل هذه التفاهمات بين النخب لا تسهم بالقدر الكافي في استعادة قدرة الدولة على توفير الخدمات الأساسية للمواطنين.
ويشير المقال إلى أن تدهور الظروف المعيشية يعكس، بالنسبة إلى الليبيين، ضعف الحوكمة وسوء إدارة الثروة العامة من قِبل المؤسسات السياسية، وهو ما دفع المحتجين إلى تحميل رئيس «حكومة الوحدة الوطنية الموقتة»، عبدالحميد الدبيبة، وإدارته المسؤولية عن الأزمة، وطالبوا بإنهاء الترتيبات الانتقالية الطويلة، وإلغاء المؤسسات السياسية الموقتة.
يأتي ذلك بعد سنوات من المحاولات الأممية للتوصل إلى تسوية بين المؤسسات السياسية المتنافسة، دون إنهاء الانقسام. ومع خيبة الأمل من نتائج الحوار المهيكل، الذي أطلقته بعثة الأمم المتحدة في ديسمبر 2025، تصاعدت المعارضة للمقاربة التي يتبناها المبعوث الأميركي مسعد بولس، بما في ذلك مقترح التوصل إلى اتفاق بين معسكري الدبيبة وحفتر.
ويرفض عدد من القوى والتيارات الليبية هذا الطرح، معتبرين أنه قد يؤدي إلى حماية النخب السياسية الحالية وشركائها التجاريين الأجانب تحت شعار الاستقرار، من دون معالجة الأسباب التي أدت إلى سوء إدارة موارد البلاد وتدهور الخدمات.
ومنذ تأجيل الانتخابات العامة، التي كانت مقررة في ديسمبر 2021، إلى أجل غير محدد، استمرت المطالب الشعبية بإجراء انتخابات، واستعادة شرعية المؤسسات السياسية. وجدد 20 خبيرا ليبيا في المجالات السياسية والقانونية والدستورية هذه المطالب في تقرير قدموه إلى بعثة الأمم المتحدة العام 2025. كما أعاد المشاركون في الحوار المهيكل تأكيدها بتقريرهم النهائي الصادر في يونيو 2026.
ويخلص المقال إلى أن الحركات الشعبية الليبية لم تقدم حتى الآن تصورا متكاملا لشكل نظام جديد للحوكمة، لكنها تواصل تأكيد أن الصيغة السياسية الحالية تدفع البلاد نحو مزيد من الصراع، وتؤدي إلى تآكل مؤسسات الدولة، بينما أظهرت موجة الحر الأخيرة الحاجة إلى الاستماع إلى المطالب الشعبية بصورة أكثر إلحاحا.
المصدر:
بوابة الوسط
مصدر الصورة